الأحد، 15 نوفمبر 2015

هل فشل الربيع العربي؟!

يبدوا أن خارطة الطريق العربي نحو ديموقراطية المؤسسات المدنية وخلق بيئة الحياة الكريمة لإنسان القرن الحالي أضحت واقعا ضبابيا، كما أن تجميع قِطع الصورة المُبعثرة لتكتمل حُلتها أصبح ضربا من الجنون، علاوة على أن الشعب العربي (رُبما) أصبح اليوم يحِنُّ للعودة نحو المربع الأول حيث الأنظمة التوتاليتارية (التسلّطية) والتي كانت على ما يبدوا أفضل حالا من الفوضى العارمة التي تعصف بالمنطقة من تخبط سياسي وغياب للبدائل الحقيقة بعد انهيار النظام الحاكم، بل إن الأمر تعدى مسألة الفوضى المؤسساتي لندخل في مستنقعات الحروب الأهلية كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن والعراق، ويبقى السؤال الذي أشعل رأس المواطن العربي شيباً: هل فشلت ثورات الربيع العربي نحو الإصلاح وبناء المؤسسات المدنية الديموقراطية؟، فإن كان الجواب "بنعم" فلماذا فشلت؟، وما هي ملامح الصورة القادمة للمنطقة؟.
إن المتتبع للتاريخ الحديث وما أفاضت به صيرورة الحقب البشرية أن الثورات الشعبية غالبا ما تخلق مسارات مؤثرة نحو رسم معالم السياسة السويَّة بقيادات فذَّة تَخرجُ من صُلبِ الشارع، وتساهم في تحديد مصير الدولة بما يحقق مصالحها العُليا، وإيجاد فرص حقيقية وواقعية نحو رسم معالم العدالة الاجتماعية، وبناء ثقافة التعددية الحزبية السياسية والفكرية الناضجة، ولنا في أوروبا الشرقية خير مثال حينما كانت تطحنها أعتى الأنظمة الدكتاتورية المنغمسة في عمق المحيط البوليسي الأمني؛ حيث كانت السلطة العُليا منوطة للشرطة السِّرية والمتخصصة في تصفية المعارضين، وإعدام المُنتقدين للنظام الحاكم، وبناء مدن أشباح تضجُّ بمساجين الرأي من السياسيين والمعارضين والفنانين والكُتاَّب والمحاميين، إلا أن ثورات أوروبا الشرقية كثورة 1989م أخرجت قادة يحملون إحداثيات واضحة لمنظومة الإصلاح والخروج من عنق زجاجة الاضطهاد، وكذا الحال في أمريكا اللاتينية وعلى رأسها الثورة المكسيكية والكوبية وما تلاهما من ثورات تحررية ضد الاستعمار ثم الاستبداد والنضال من أجل صياغة دستور حقيقي يكفل الحياة الكريمة للإنسان ويبني معالم دولة المؤسسات، ومن خلال هذا السرد المبسط لنماذج قد تكون متشابهة في الظروف والأهداف نتساءل هل فشل الربيع العربي في بناء نموذج ديموقراطي عربي؟.
 من الصعوبة بمكان الحكم بنجاح أو فشل الربيع العربي منذ انطلاقته في 2011؛ حيث أن التاريخ يشهد بأن الولايات المتحدة الأمريكية استنزفت نصف قرن ملطخة بالاغتيالات والحروب الأهلية والتطهير العرقي المؤلم حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، فما بالك بثورات عُذرية لم تتجاور خمس سنوات حتى اللحظة أمام تغوّل كبير للاستبداد السياسي والتغلغل الأمني لها في كل مفاصل مؤسسات الدولة، إلا أن المؤشرات تُنذر (ربما) بفشل المشروع الثوري الإصلاحي الذي كانت باكورته تونس مرورا بمصر وليبيا وانتهاء بسوريا - إن استثنينا اليمن لأسباب متعددة- ؛ فمن يتتبع خيوط الحِراك الشعبي يلحظُ أن ثمة عوامل رئيسية تُضعف تيار نجاح هذا الربيع وربما تُسهم في مرحلة قادمة إلى إجهاضه والعودة إلى المربع الأول، ويمكن إيجاز بعضا من تلك العوامل فيما يلي:
1.         غياب البديل: فحينما خرجت الجموع الشعبية كاسرة حاجز الخوف وقد ملئت الطرقات والساحات بما تمتلكه من خزان بشري كبير تجاوز في بعض الأحيان الملايين – كميدان رابعة العدوية بمصر – تراجع بطش العسكر نوعا ما وبدأت بعض الأنظمة الاستبدادية بمراجعة حساباتها والخروج بأقل الخسائر عبر الهروب مثل (زين العابدين)، أو التنازل مثل (حسني مبارك)، أو التصادم مثل (القذافي، والأسد)، وعلى الرغم من أن النماذج السابقة كلها تتقاطع في تحقيق مصلحة واحدة وهي بناء دولة مدنية ديموقراطية، إلا أنها تشترك أيضا في غياب البديل الناجح لما بعد زحزحة النظام القائم؛ إذ لم يخرج من صلب هذه الثورات قيادات فذَّة يتفق عليها الجميع ويمكنها أن تقود الحِراك الشعبي نحو الإصلاح وبناء مؤسسات الدولة مع الأخذ بعين الاعتبار – محمد مرسي – الذي وصل بالانتخاب لكنه لم يكن على قدر من القبول لدى المؤسسة العسكرية، لذلك أضحت هذه الثورات فوضوية وعفوية استطاعت هز عروش الاستبداد لكنها أدخلت البلاد في فوضى عارمة.
2.         ضعف النضج السياسي للمواطن العربي: فقد شكل الاستبداد الحانق على المواطن والمؤسسات هاجسا حقيقيا لدى الشعوب العربية والتي أضحت تتقصَّد لقمة العيش وصرف نظر المؤسسات الأمنية عنها قدر المستطاع، كما ساهمت السجون السرية واعتقالات أصحاب الرأي وإعدام التعددية السياسية وسحق نزاهة الانتخابات البرلمانية والرئاسية على حد سواء في خلق ثقافة الرضى بالأمر الواقع؛ فانعكس ذلك سلبا عن ولوج المواطن العربي في السياسة وقراءة الواقع المحيط به خشية من بطش يد العسكر أو تصفيته لدى بعض القيادات الحزبية والفكرية، ليتجلى هذا الفقر الثقافي الآن في الاصطفاف مع من يربطه بالمذهب أو الحزب أو العِرق دون الاكتراث للخسائر البشرية والمادية التي يعاني منها الوطن؛ فأصبحت التصفيات والإرهاب مبني على مبدأ المذهب أو الطائفة أو العرق، وإن تعذرت كلها بُنيت على أساس الثأر وحمية القبيلة وكأننا نُعيد إحياء "الجاهلية الأولى"!.

3.         تغوُّل الأنظمة السابقة في مؤسسات الدولة: فيبدوا أن الولاء المؤسساتي لا يزال وفي هذه المرحلة بالذات يُذعن للأنظمة السابقة؛ وذلك يُعطينا مؤشر حقيقي حول مدى تشابك تلك الأنظمة بالقطاعات الحيوية بالبلاد وعلى رأسها المؤسسة العسكرية؛ ولا أدل على ذلك الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط الأركان بالجيش والاستخبارات المصرية ضد الرئيس الشرعي  - محمد مرسي- وإظهار وتلميع عملة "السيسي" كرئيس بديل للجمهورية، وكذا الحال في ليبيا حينما انبرى الجنرال "حفتر"، ونفس السيناريو يتكرر في اليمن حيث تحالفت قوات "صالح" ممثلة في مؤسسة الجيش مع الحوثيين لقتال دول التحالف، الشاهد في الأمر أن الحكم بالنار والحديد والذي تقوده المؤسسة الأمنية التسلطية لا يزال جاثما على كل مفاصل الدولة؛ مما يساهم بصورة مباشرة وشبه حتمية بفشل الثورات الشعبية ضد أنظمتها الاستبدادية المنصرمة ليفتح لها الباب بالعودة من جديد بثوب جديد، وفتح أبواب جهنم للشعوب لتكتوي بها جزاء لحراكها المناهض ضد الأنظمة؛  فتزداد أملا بعودتها لتكون أكثر إذعانا ورضوخا لها أمام شبح الفوضى العارمة وانبعاث رائحة الحروب الأهلية التي أزكمت الأنوف وقضت على مظاهر المدنية ودمرت البنية التحتية.