الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

الهيئةُ العامةُ لحمايةِ المُستهلك تَتَحدَثُ فِي دَافُوس

يُشكل الإحتكار أحد الأمراض المُعضلة التي تنسفُ اقتصادات العالم، بل وتدفعه إلى واقعٍ هشٍ لا يحفظ لها الأمن الاقتصادي القومي وربما يخلقُ غضبا اجتماعياً؛ فأيّنما وُجد الإحتكار وُجِدت المحسُوبيات والغشُّ وإِحكامُ قبضة الأسعار على المستهلكين وفق المزاج، علاوة على إندثار ماهية الجوّدة والخدمات المُقدَّمة للمُستهلكين، من هنا فقد اهتمت السلطنة في الآونة الأخيرة بالوقوف عازمة وحاسمة أمام الأُسر المُحتكرة للسوق المحلي طوال عقود خلت، وسعت لتأسيس روح التنافس الشريف بما يخدم الاقتصاد والمستهلك على حد سواء، وأُوكلت تلك المسؤولية الجسِيمة على عاتق مؤسسة ناشئة استطاعت أن تُثبت وجودها وتتحدث للعالم بصمتها الملكي عبر نافذة "الهيئة العامة لحماية المستهلك"، إذ أن الصحف العالمية قد أظهرت تقدم اسم "عُمان" في مواجهة الإحتكار وقدرتها على تأسيس قواعد مكينة للتنافسية بالسوق ضمن التقرير السنوي للتنافسية العالمية للعام 2016م في دافوس بسويسرا، حيث تقدمت السلطنة 29مرتبة عن العام المنصرم، ونعني بالتنافسية وفقا لتعريف المنتدى الاقتصادي العالمي "توفر المؤسسات والسياسات القادرة على تحقيق نمو اقتصادي على المدى الطويل بصورة تفوق نضيراتها لدى المنافسين في السوق العالمي، والذي بدروه يعمل على تحسُّن مستوى المعيشة للمواطنين وتحرير السوق من هيمنة القطب الواحد"؛ ومما دفع العالم للإلتفات إلى سياسة التنافسية وتحرير السوق من هيمنة القطبية المحتكرة هي تلك التغيرات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وتأثيراته الاجتماعية والسياسية والمعيشية، علاوة على التطورات التقنية والعلمية، أظف إلى ذلك الطموح لتحقيق نمو اقتصادي قومي وعالمي عالي.
والمتابع لنجاحات هذه المؤسسة الوليدة (الهيئة العامة لحماية المستهلك) يلحظُ أنها تُقدم عطاءات ومراتب عالمية تفخر بها السلطنة، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى لفت الانتباه وتعزيز الثقة بها من قِبل المؤسسات والأفراد من خلالها إعطائه جملة من الصلاحيات وتعزيز اعتماداتها المالية المُستحقة وتمكينها ضبطيا وقضائيا، فأقرب إنجاز نفخر به هي هذه القفزة الطُولى في المنظومة الاقتصادية العالمية لهذا العام وضمن تقرير "التنافسية ومنع الإحتكار" حيث تقدمت السلطنة من المرتبة 90 إلى 61، كما قفزت 13 مرتبة في مجال الحد من الهيمنة والإحتكار؛ ومثل هذه المراتب من الصعوبة بمكان الوصول إليها في ظل اقتصاديات عالمية عملاقة إلا بجودة العمل والعطاء ووجود كوكبة على مستوى رفيع من الفهم والاستيعاب وقراءة واقع السوق وجسِّ سيناريوهاته اللاحقة، جدير بالذكر أن قانون "حماية المستهلك" رقم (76/2014) والذي تطرق في أحد فصوله إلى "حماية المنافسة ومنع الإحتكار" لم يتم صرف أي اعتمادات مالية لتنفيذه حتى اللحظة على الرغم من مرور عامين  منذ اعتماده، وهنا نتساءل عن سبب كل هذا التأخر في ظل حساسية وأهمية هذه المؤسسة الرائدة في تنقية السوق المحلي من دنس الإحتكار وخلق روح التنافسية وتعزيز ثقة المستثمرين؟!.
جدير بالذكر أن الهيئة وفي ظل سعيها لتحقيق تفاصيل قانون التنافسية ومنع الإحتكار استطاعت أن تُقدِّم – حسب قدراتها – الكثير من العطاءات والخيارات والبدائل للمستهلكين مع حفظ حقوق الوكلاء والتُجَّار على حدٍ سواء؛ فعلى سبيل المثال ألزم هذا القانون وكالات السيارات بأن تشمل خدماتها وصيانتها للمركبات من ذات النوع حتى لو تم شراؤها من غير الوكيل مع بقاء الضمان؛ وذلك ساهم في انتعاش سوق التنافس وانخفاض أسعار المركبات، كما استطاعت الهيئة بهذا القانون إرجاع الحديد لسعره الطبيعي العالمي بعدما وصل إلى أسعار خيالية في مرحلة سابقة أثقلت كاهل المقاولين والمواطنين، علاوة على عودة بيع بعض السلع بسعر التكلفة، أظف إلى ذلك متابعة أسعار وجودة قطع الغيار المختلفة والذي أنعش السوق وأدخل العديد من الشباب العماني في التوريد وطرح أسعار تنافسية بجودة عالمية، دون أن ننسى الجهود الجبارة التي تُبذل في سبيل الحدِّ من الغش الغذائي والدوائي والتعليمي والمواد الكمالية.
نبارك للسلطنة من جدير هذا التفوق والتقدم الذي جعلها رقما في سماء العالمية، كما ينبغي على المؤسسات العُليا بالدولة ورجال المال النَّافذين ومُختلف المؤسسات الرسيمة والمُستقلة أن تشُدَّ على يدِ الهيئة في سبيل تطهير الاقتصاد المحلي من مافيا المال الذين لا يُولون اهتمامهم بجودة ما يُقدِّموه ولا يرضون بخلق جو تنافسي شريف قائم على المعايير العالمية ونحن في مرحلة استقطاب رؤوس الاستثمار العالمي بالدقم وصحار ومناطق إقتصادية استراتيجية قادمة، فشكرا للقائمين بالهيئة العامة لحماية المستهلك رئيسا، وخبراء، وموظفين.

الاثنين، 15 أغسطس 2016

"إذا الشَّعبُ يَوماً أَرادَ الحَيـاة"

من لا يستحق الديمقراطية لا تحقُّ له الحياة الكريمة، ومن ينسف إنجازات وطنه لحُفنة من أفكار بالية أو أجندة خارجية رخيصة فليس له مُقام عند الأحرار، يُذكِّرنا التاريخ الحديث أن جُلَّ الانقلابات العسكرية كانت شبه ناجحة لأنها تُبنى على جسِّ نبض الشارع وتكدُّس أخطاء الحاكم بما لا يدع له مقام للرحمة والشفقة ما لو انقلب السحر على الساحر، لكن من الغريب جدا أن يكون هناك زخمٌ كبيرٌ من القادة العسكريين بمختلف الرُّتب والمناصب وممولين بأنهار متدفقة من المال والسلاح استطاعوا بين غمضة عين وانتباهتها أن يسيطروا على مفاصل الدولة وما هي إلا بُرهة من الزمن حتى انقشع كل ذلك الضجيج بمجرد مكالمة فيديو مسجلة يبثّها رئيس الدولة لشعبه!، نعم حصل ذلك في تركيا الديمقراطية حيث الإبداع والحرية والإنتاجية والتطور والنمو المتنامي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وقبل ذلك ثقافة الديمقراطية الحقيقية بين أفراد المجتمع وتلك ثروة لا تقدر بثمن.
"أردوغان" هذا الرجل الذي شغل العالم بإنجازاته الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والعسكرية وشغلهم كذلك في إخفاقاته السياسية الخارجية والداخلية – كما يراه البعض- ، كثير من المسؤولين العرب والغرب راهنوا على زعزعة عرش السلطان الثاني عشر لتركيا الحديثة، وكثير هم "العواذل" الذين اصّطفُّوا خلف شاشات التلفاز مُهللين ومُكبرين وساخرين من هذا الرجل الذي شعروا ذات يوم أنه ثقيل على صدروهم لأنه – حسب تعبيرهم – لا يخدم المصالح العربية (إن وجدت أصلا مصالح عربية)، وأذكر أنني حينما كُنت أناقش أحد الزُّملاء أن تأييد الانقلاب العسكري هو خطأ جسيم باعتبار أنه تقويض للديمقراطية التي سعت الدولة غرسها في المجتمع ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، فقال لي بالحرف الواحد "تريث قليلا من الزمن يا سُلطان فعهد أردوغان قد ولَّى وسيحصد نكاية ما زرعه!"، وما هي إلا دقائق حتى نزل الشارع كالمطر المنهمر ليملأ ميادين تركيا المختلفة وهم يهتفون باسم الحرية والديمقراطية، وأصبحوا كطير أبابيل ترمي الحجارة على رؤوس جبروت العسكر حتى لا تكون تركيا هي مصر أو ليبيا أو العراق العربي.
انقسم المجتمع العربي بمختلف أطيافه بين مؤيد ومعارض لما حصل؛ لاعتبارات متباينة منها ما يتصل بشخص أردوغان أو اتجاهاته الفكرية والدينية وفي ذلك نستشهد قول نائب رئيس شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان: "لو يحدث في الخليج العربي أي عمليات لجماعات الإخوان، فإن أول نصير لجماعة الإخوان سيكون أردوغان، فهو لا يخدم الأمن القومي العربي" – وأتساءل عن ماهية الأمن القومي العربي الذي يعنيه؟-، ومنها اعتبارات سياسية من خلال ممارساته العسكرية في سورية والعراق أو غيرها، لكن الشاهد في الأمر هو هذه الصورة الدراماتيكية العجيبة التي نادرا جدا ما تحصل في العالم حينما يكون الانقلاب مدفوعا ماديا ومعنويا من أقوى دول العالم ويقوده عدد من رجالات العسكر النافذين بهذه المؤسسة والتي تمثل خط الدفاع الأول للدولة وأمام كل ذلك يقف المنقلبون عاجزون أمام تدفقات الشعب الذي يلفظهم، وما هو سر الالتحام الشعبي المباشر بين رسالة القائد بالنزول للشارع وهذه الاستجابة السريعة بتدفق الملايين، فهل يدل ذلك على دكتاتورية الرئيس وتسلطه وظلمه كما زعم بعض العرب الأشاوس؟!، ويُقال من أراد أن يباهي بعظمته أمام الأقزام عليه أن يجعل على صدره وساما كتب عليه:
ليس الفتى من يقول كان أبي**إن الفتى من قال ها أنا ذا
وهنا نطرح سؤالا كبيرا إلحاقا بما جرى: فما الذي جرَّ ملايين الأتراك من معارضين ومؤيدين للاصطفاف خلف هذا الرجل ليتقاطروا دفاعا عنه من كل فجِّ عميق؟، وقبل الإجابة عن هذا السؤال أطرح قصة حول أحد الإعلاميين العرب حينما سأل مواطنة تركية علمانية لماذا نزلتِ للشارع وأنت ضد الرئيس؟، فقالت: "أكره أردوغان لأنه يدافع عن الحجاب والمعتقدات الإسلامية، لكنني نزلت دفاعا عنه لأنه علَّمنا معنى الحرية والديمقراطية المدنية، ولأنني قبل حكمه كنت أزور والدتي فالشهر مرة واحدة بسبب الطريق والآن أزورها مرة فالأسبوع، ولأن أبنائي عشقوا التعليم والمعرفة بسبب تشبثه بتطوير التعليم، ولذلك سأدافع عنه"، وذلك يدفعنا للتساؤل: ما هي الإنجازات التي قدَّمها أردوغان للشعب التركي ليعشقوه حتى الثّمالة ومستعدون للدفاع عنه بكل ما يملكوه؟!.
 بالرجوع إلى تلك الإنجازات نجد أن هذا الرجل استطاع انتشال الاقتصاد التركي من وحل الركود إلى الانتعاش حيث كان أعلى معدل لقيمة الصادرات التركية للعام المنصرم إذ وصلت 152 مليار دولار بمعدل 10 أضعاف ما كانت عليه قبل توليه الحكم، كما تقدَّم ترتيب تركيا العالمي في منظومة الاقتصاد الدولي من المرتبة 111 إلى 17، وكان معدل دخل الفرد السنوي قبل توليه الحكم 3.5 ألف دولار ليرتفع في عهده إلى 10.5 ألف دولار، وفي العام 2011 قامت حكومته بسن قانون الأقليات المسيحية واليهودية لإرجاع الحقوق لها بعدما تم مصادرتها عنوة في العام 1930م، وعمل على إعادة قيمة الاستثمار العقاري من 0.05 إلى 2 مليار دولار، واهتم كثيرا بالتعليم فهو ركيزة الدولة وعماد قوتها واقتصادها فرفع ميزانية وزارة التربية والتعليم من 7.5 إلى 34 مليار ليرة تركية في العام 2011، وأعلن في العام 2008 عن مجانية التعليم وإرجاع المطرودين والمفصولين للتعليم بل جعله إلزاميا بين 8-12 سنة، وعمل على استقلالية الجامعات في كل محافظة ليرتفع معدل الجامعات بعدما كانت في عام 2002 حدود 98 جامعة لتصل في العام 2012 إلى 186 جامعة، ورفع عدد المطارات بالجمهورية من 26 مطارا حتى وصلت بنهاية عام 2015 إلى 50 مطارا، وفي خلال ثمان سنوات وبالتحديد ومنذ العام 2009 وأثناء تقلّده المناصب السياسية من رئاسة الوزراء وحتى رئيس الجمهورية استطاع مد السكك الحديدية على مستوى عالمي عالٍ بامتداد 5500 كم، كما بدأ في العام 2004 ببناء أضخم وأطول نفق مغمور بالمياه على مستوى العالم بطول 9 كم تحت مضيف البسفور، وأمام كل هذه الإنجازات الداخلية والسجل الحافل بالعطاء يتساءل السادة العرب لماذا الشعب التركي يناصر أردوغان!، وهم يقرؤون أبيات أبي القاسم الشابي:  
هــو الكــونُ حـيٌّ يحـبُّ الحيـاة           ويحــتقر المَيْــتَ مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ        ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
الكثير من السادة العرب يعيبون على أردوغان تدخلاته السياسية الخاطئة في الوطن العربي وتحالفاته مع الكيان الصهيوني ويغضون الطرف عن تحالفاتهم مع هذا الأخير اقتصاديا واستخباراتيا، يتناسون أن التجربة التركية كان محكّها صناديق الاقتراع النزيهة وليس خزعبلات الكلام المعسول "بالروح بالدم نفديك يا رئيس" أو أفكار بالية أو التصويت تحت قبضة النار والحديد، هكذا هي ديمقراطية الشعوب المسؤولة تدافع عن حقها في الحفاظ على الإنجازات الوطنية لا التشبث بالكرسي وهو يعلم أن شعبه يلعنه جهارا نهار وليلا ونهارا، فما يكون الحل في ذلك إلا تدمير الوطن بكل إنجازاته على العباد، لتظل جوانحُ المواطن العربي تتساءل كما قالها أبو القاسم الشابي:
تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ؟ *** وسِــحْرُ المسـاء؟ وضـوء القمـرْ؟
                            وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق؟ *** ونحــلٌ يغنِّــي وغيــمٌ يمــرْ؟
                            وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ؟ *** وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ؟

البُكاءُ على اللبَّنِ المسكوب!


يبدوا أن المشهد العربي عموما والعراقي على وجه الخصوص بدأ يُفرز في الفترة الأخيرة غُثاء التدخلات الأجنبية في العمق السياسي العربي بما يُحقق المصالح "الدراكولية" تجاه معالم الحياة والمدنيَّة، ويبدوا أن المشروع العربي القومي أضحى أكثر ضبابية وهشاشة مما كان عليه سلفا، والمتتبع لمستنقعات الدم المهراقة في بلاد الرافدين بعد مجزرة "الكرَّداة" التي حصلت مئات الضحايا وبعد الإعدامات العشوائية التي قادها أشباح الجيش العراقي وقوات "جحش" في الفلوجة واستعدادهم لمذبحة الأنبار، كل ذلك بدأ يُكمل أجزاء الصورة المبعثرة حول مستقبل العراق الذي لا يزال يستنشق البارود والجاهلية الأولى.


بالرجوع إلى العراق وبالتحديد في الثلاثين من مايو 1990 وقبيل دخول الراحل "صدام حسين" للكويت - والتي أصبحت شمَّاعة لنسف أحد أبرز أعمدة الحضارة الإنسانية والإبداع الفكري والعلمي-  نشاهد وفي فيديو "موثَّق" عبر الإنترنت أن الرئيس العراقي كان يمدُّ يده لأشقائه العرب نحو إنقاذ بلدهم الحضاري من محرقة انهيار الاقتصاد العالمي؛ بسبب إغراق السوق العرض عن الطلب والذي هوى بأسعار النفط إلى ما دون السبعة دولارات وكان مرشحا للانخفاض أكثر من ذلك؛ وذلك بدوره كبَّد العراق خسارة مليار دولار يوميا في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني من تبعات حرب الثمان سنوات التي خاضتها مع إيران (1980 -1988) بدعم وتمويل وتشجيع خليجي خالص خشية من تصدير الثورة الخمينية آنذاك، لكن كل تلك الدعوات لقيت آذانا صماء ليُقدِّم الرئيس الراحل بعد ذلك طلبا لخادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز في عقد قمة عربية استثنائية على مستوى رؤساء الدول لمعالجة المشكلة، فجاء الرد السعودي بعقدها على مستوى وزراء النفط فقط ليتمخض الجمل فيلدُ من الأمر فأرا، حينها قدَّم العراق اعتراضا لوزير خارجية السعودية الراحل سعود الفيصل بأن الأمر يبدوا كمؤامرة كيدية لضرب العمق العراقي من خلال تخفيض أسعار النفط وإغراق السوق بالذهب الأسود وبالأخص من الإمارات والكويت والعراق وصل إلى درجة من الضغط الذي لا يتحمله وربما يدفعه لاستخدام وسائل أخرى، فجاء الرد السعودي خاويا بأن التوجه القومي البعثي في العراق غير مرحب به، وأن نهايته كنهاية عبدالناصر والاتحاد السوفييتي وغيره من الحديث والذي اعتبره العراق من باب الشماتة والاستخفاف به، فكانت الشرارة التي وجَّهت مدافع العراق للكويت وكانت على تخوم السعودية لولا تدخلات الغرب بقيادة أمريكا وإدخال العراق بعد ذلك في مفترقات طرق انتهت بغزوه عام 2003  تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل وما تلاها من المذابح والتي نشاهدها الآن مرورا باعترافات "توني بلير" مهندس التدخل الإنجليزي في الغزو وقوله :"أعترف بكل أسف أن غزو العراق كان خطأ كبيرا خدعتنا به الاستخبارات الأمريكية، ووجود صدام حسين في العراق كان أكثر استقرارا وأمنا للعالم وللعراق نفسه بدلا من الحروب الأهلية والمذهبية وأنا أتحمل تبات تدخل بريطانيا في الحرب"، لكن الغرب ينطبق عليه المثل القائل "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" إذ تكرر نفس السيناريو في ليبيا وفي سورية مع اختلاف المكان والزمان والتفاصيل.


وبعد اغتيال الرئيس العراقي السابق وتغييبه بالموت عن المشهد السياسي بدأنا نقرأ ونسمع عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بين الفينة والأخرى أن من حطم تمثال الرئيس أو من رقص مجونا أو فرحا بعد اختطافه او اغتياله أصبح يعضُّ بنانه من الحزن والأسى على عزٍّ قد مضى، وبدأنا نسمع أن العراق أصبح ولاية إيرانية – ولا أحد ينكر التدخلات الإيرانية السافرة في العمق العراقي- ، كما بدأنا نسمع أن الجيش العراقي الذي كان في عهد (الطاغية) – كما يسميه البعض والذي تبوأ المرتبة الخامسة  عالميا والأولى عربيا في عهده -   أضحى وبعد التجربة الديمقراطية الأمريكية لأكثر من ثلاثة عشر عاما لا يقوى على اتخاذ قرارات سيادية وتكتيكية قبل التمشيط من قوات "جحش" والتي تدخل المدن بنزعة مذهبية أو عرقية أو تحرق الأرض باسم الهوية، والسؤال الأهم من ذلك وعلى الرغم من اختلافنا مع القيادات السياسية في الوطن العربي ومع انتماءاتهم حيث مصالحهم الشخصية هل نريد إسقاط المشهد العراقي على بقية أقطار الوطن العربي؟، اليوم لا نملك قوى توزان أو ثقل وطني وقومي يدافع عن مصالحنا وهويتنا أمام عمالقة العالم فلِم نرتجِي خلق جراثيم فكرية وأيديولوجية تستبيح الحياة حيثما وجدت؟

البعض قد يفسر أن هذا المقال ما هو إلا بكاء على اللبن المسكوب أو دفاع عن رئيس حكم وقضى أمره – ولكل شرعة ومنهاجا – لكن من الضرورة بمكان أن توزن الأمور كما هي، فإن كان جحيم صدام أو بشار أو القذافي أو البشير أو غيرهم يبعث للإبداع والعلماء والمبتكرين حياة واقعية فهو أرحم من نعيم فوضى هلامية، وحديثي عن الراحل صدام حسين كان من باب المثال لا أكثر فنحن لا نعرف ما سوَّقه الإعلام عنه حول مجزرة حلبجة، أو حرب الثمان سنوات، أو غزو الكويت، أو حتى عن تفاصيل غزو العراق واغتيال الرئيس، لكننا نشاهد الواقع والمؤشرات والتي بدروها تُنبئنا عمَّا كان عليه الوضع وما آلت إليه الأمور، العراق اليوم أضحى مستباحا حضاريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا وفكريا ممن كانوا أعدائه بالأمس، وأصدقاء العراق بالدم واللغة والدين وأعدائه  بالفكر أصبحوا مُطوَّقين بأقزام الأمس فأين السبيل ؟!

لكُم كُل الوِدّ

الاثنين، 13 يونيو 2016

أَنصِفوا عُمَان!

في أحد المقاهي الجميلة كنت ألتقي بين الفينة والأخرى بجمال الذي ما إن بدأ يغرد بالنقاش فكأنه ينتقي أطايب التمر، كنا نتسامر في أحاديث كثيرة منها سياسية، وأخرى ثقافية، وحينا رياضية، وأحيانا أخرى مواضيع دينية، وتارة تقذفنا الكرة في ملعب التُجَّار فنتجاذب القول وكأننا أحد (الباشوات) وبعد حينٍ نعود لموقعنا الحقيقي كــ(دراويش) تعلوا محيَّاهم ابتسامات بيضاء بعيدا عن الابتسامات الملونة التي يضطر المرء ينثرها في مواقف مختلفة ولسان حاله "مكره أخاك لا بطل".
مع انطواء صفحات الأسبوع المنصرم جلست في موقعي مترقبا جمالا وقد حضَّرت له (مرجل) من المواضيع المتنوعة؛ فلطالما وجدت الحوار معه متنفسا يانعا على الرغم من التضاد بيننا في الرأي والفكر، وفي نفس المكان والزمان استقبلت جمال لكنه كان متجهما مكفهرا، جلس بهدوء الملوك على عرش الصمت، بدأت بغيث النقاش لكنه آثر التواضع في الردود!، تنامى إلى نفسي أن ثمت مواضيع خاصة لا يحق لي الولوج في كُنهها حتى لا أكون (ملقوفا) يسأل بما لا يعنيه، وجدت أن الموقف متشظٍ لا يحتمل المكوث، أوكلت إلى قدميَّ بحمل أكتافي مع ابتسامة نقية على أن ألتقيه في وضعية أحسن حالا، وما إن هممت بالقيام من موضوعي حتى انفجر علي كالبركان الثائر قائلا: "متى ينصفوننا ويعترفون بوزننا الحقيقي في المنطقة؟، لماذا يكابرون على فضلنا في حلحلت الكثير من القضايا العالمية؟، أستغرب هل هي ثقيلة كلمة "شكرا عُمان" ومنحهم ثقتهم فينا لتحقيق الاستقرار الإنساني في منطقتنا العربية؟، أليس من المعيب أن تولي إيران وأمريكا وأوروبا ثقتهم ببلادنا في الكثير من القضايا التي كانت تهدد الأمن والاستقرار العالمي بينما دول الخليج العربي وكثير من أقطار العالم العربي يوبخوننا ويُشككون في نوايانا ومبادراتنا؟، لماذا بعض العمانيين حينما يُذكر فضل عُمان عبر التاريخ القديم والمعاصر يستهزأ بك ويدَّعي أنك (مُطبِّلٌ) ويتناسون القول المأثور "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"؟.
  أسئلة جمَّة أمطرني إياها مُزن جمال بعد أن ملئت جوفه بالهم والضجر، وقد لامست في حشرجة آلامه العميقة تساؤلات يجب أن تُطرح  وتُكشف من خلالها كل الأوراق على الطاولة، إذ يحق للمواطن العماني أن يُقدم تساؤلاته لبعض دول مجلس التعاون والدول العربية بل وبعض المواطنين الذين يستعرون بقذارات النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية لماذا كل هذا البذخ في تشويه الموقف العماني والتقليل من شأنه؟!، ثم ما دلالات بعض التقارير الجيوسياسية التي تنشر بين الفينة والأخرى وتحاول تأليب الرأي العام على مؤسسات الدولة والتشكيك بمنجزاتها على الصعيدين الخارجي والداخلي؟، لماذا لا يعترف أشقاؤنا الخليجيون بأن عمان في هذه الظرفية الحساسة بمثابة البيئة الحاضنة لتأليف القلوب والتخلي عن المُهاترات السياسية والمراهنات العنصرية والمذهبية؟، لماذا لم يحتفل الخليجيون والعرب بالإنجاز العماني الخليجي العربي بتجنيب المنطقة حربا عالمية بسبب المفاعل النووي الإيراني؟، لماذا لا يعترف الخليجيون بفضل عُمان في تحرير رهائنهم بين الحين والآخر في حرب اليمن؟، لماذا يستثقل الخليجيون الاعتذار لعُمان بعد قصف مقر السفارة في صنعاء دون أي سلوك معادٍ أو سحب سفاراتها المنتشرة في الدول الخمس متناسين قول عمر بن الخطاب  رضي لله عنه- حينما خطَّاته امرأة فقال "أخطأ عمر وأصابت امرأة" ؟، لماذا يُصرُّ بعض الأكاديميين بدول المجلس على وصف عُمان بمسميات بالية بأنها أداة لتحقيق المصالح الإيرانية، أو أنها تتربع عرش الفساد، أو أنها مُنشقَّة عن دول مجلس التعاون متناسين كل الحقائق التي تشير على أن بعض الدول الخليجية هي أكبر سوق إيراني بالمنطقة، والبعض الآخر تُملَّك آبار نفط لأشخاص بعينهم كاملاك خاصة، كما أن بعضها نصب حبل المشنقة على بعض إخوته ليكيدوا له كيدا حتى الرجوع إلى يد الطاعة مُكرها؟!

هذه الأسئلة وغيرها هي لا تفيد المواطن العماني بشيء لأن التاريخ والتجربة علَّمته معنى الحياة والتآلف وبناء المدنية، وهذا المقال لا يستعرض الفضل العماني في الجانب التاريخي، أو السياسي، أو الثقافي، أو المعماري في حضارة الجزيرة العربية أو العالم العربي والإسلامي فذلك شأن عظيم له جهابذته في الطرح والتحليل، بل هي جُملة من الأسئلة التي تحاول أن تصل للمواطن الخليجي الكيّس الفطن فلا يزايد ولا يُبجِّل، كما أنه لا يستحقر ويستصغر إنجازات من دخلوا في دين الله أفواجا دون إراقة الدماء أو استباحة الحرمات، لابد أن تستثمر عُمان في حلحلة كثير من القضايا العالمية بما تمتلكه من ثروة فريدة بقيادتها النادرة وشعبها الرصين، وما يطلبه المواطن العماني هو قليل من الإنصاف والكفِّ عن بعض تصريحات المراهقين والمغلظين الذين يحاولون التسوّل للحصول على الشُهرة على رقاب بعض القطعان؛ فعُمان كانت ولا تزال وستبقى تلك الجوهرة الناصعة في عِقدِ الحياة الإنسانية الكريمة.

الفلوجة التي لا نعرفها

بعد سقوط بغداد في العام 2003 وأمام البربرية التي كانت تشنها قوات الغزاة في العراق من قتل وسلب وتدمير واستحقار لكرامة الإنسان وقدح في قدسية الوطن؛ انتفض ثلة من أبناء الفلوجة (مدينة المساجد) والتي تتمتع بكثرة منابرها ضد وجه هذا المارد الفاحش بالغطرسة والتنكيل (الأمريكان وزبانيتهم)، لتنقضي تلك الوقفة الاحتجاجية بنهاية مأساوية راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء والتي رفعت من وتيرة الشحن المعادي لوجود هؤلاء "العلوج" – كما سماهم وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصَّحاف – وتجسد ذلك الغضب في إسقاط مروحية "شينوك" العسكرية والتي قتل فيها عدد من الجنود الأمريكيين، وفي العام 2004 كانت الشرارة التي أثارث الغضب الأمريكي الذي شن حربا ضروسا ضد كل ما هو حيٌّ في هذه المدينة والتي تبعد حوالي 60 كيلومترا شمال العاصمة بغداد؛ إذ استطاع فتية من أبنائها أسر أربعة من مرتزقة شركة "بلاك ووتر" وسحل جثثهم في الشوارع وحرقها وعُلّقت على جسر يُطل على نهر الفرات كدلالة غضب ورفض لاستباحة العراق من قبل الغزاة وأذيالهم.
حينها تدخلت الشركة بكل عدتها وعتادها لحفظ ماء الوجه وهي مصدومة بهكذا جرأة وغِلظة قلب يملكها هؤلاء الفتية في هذه المدينة التي "لم يعرفوا" خلفياتها التاريخية والعسكرية، فأعلنت الحرب عليها "المعركة الأولى" من خلال القصف المتواصل واتباع سياسة الأرض المحروقة وتبرير ذلك بأنه "ردت فعل طبيعية"، بعدها استكانت الأمور لبُرهة من الزمن لتُعلن قوات الغزاة أنها تُحضِّر "للمعركة الثانية" في سبيل "تركيع" المدينة وارجاع ولائها وطاعتها لولي الأمر "شرشبيل"، فقامت وبمعية الحرس "الطائفي" بقطع الماء والكهرباء والإمدادات الغذائية والدوائية وبدأت بحرق المدينة بكل ما أوتيت من قوة لمدة خمسة أشهر متواصلة تناوب الليل والنهار على استقطاب كميات مهولة من البارود والموت والدخان والدماء وروائح احتراق كل ما هو حي وإمطار المدينة بالقنابل الفسفورية المحرمة دوليا وقنابل "النابالم" شديدة الاحتراق، ناهيك عن تدمير 90% من البنية الأساسية للمدينة – حسب تقارير رسمية حكومية – من المستشفيات والمدارس والمعاهد والمساجد وغيرها وكل ذلك أمام مرآى ومسمع العالم ومن هذا الحضور في هكذا فلم دموي كان السادة العرب ونظيرتهم إيران في المقدمة دون أن يكون لهم أي حراك ملموس!
بقيت الفلوجة صامدة في وسط هذا الزحف العسكري المخيف والذي لا تحتمله دولة فكيف بحجم مدينة؟، وظلت تلك المناوشات منذ العام 2003 وحتى 2007 بين "حيص وبيص" في من يكسب الرهان؟، فالفلوجة ظلت تقدم مقاومتها من خلال نعوش الشرفاء الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن مجد العراق العظيم الذي باعه العرب في سوق النخاسة لمرتزقة الأمريكان وايران ومن على شاكلتهم، بينما ظلت فوهات البارود تقصف الحياة في هذه المدينة تارة باسم "تحريرها" وأخرى "لطرد الإرهابيين" وتارة "إرجاعها للحكومة المركزية"، وقد أنعشت هذه التصرفات جيوبا كانت نائما، وحركت المياه الراكدة منذ العام 2014 والتي عرفت لاحقا بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لتبدأ مرحلة جديدة من التنكيل والمكيدة نحو هذه المدينة والتي نشهد حرقها من جديد في هذه الأيام من قبل الحشد الطائفي وبعض مرتزقة الجيش الذين يَسِيمُون بأنفسهم بحماة الوطن، والتي كان آخرها تعيين عدو العراق اللدود "قاسم سليماني" مستشارا لحكومة العراق الجديدة!.
يبدوا أن حب الانتقام من محرقة "بلاك ووتر" لا تزال جاثمة في قلوب وعقول الغزاة، ولا يزال حب رد الكيل بالمكيالين على أشده، والأخطر من ذلك هو استبدال جلود الانتقام من الأمريكي إلى الحشد الطائفي وبتدخل سافر من كان طرفا في حرب الثمان سنوات وديدنه في ذلك انتهاج ثقافة "كش ملك" دون الالتفات إلى "ارحموا عزيز قوم ذل"، ها هي الفلوجة من جديد تعود للمشهد العراقي والعربي بدموية أكثر وبعنهجية أشد، الأمريكان اكتفوا بتوفير التغطية الجوية وهم يرفعون تقاريرهم جهارا نهارا عن انتهاكات طائفية محضة توثِّقها التقارير الدولية والصور وشهود العيان، ها هي الفلوجة تضرب موعدا مع الموت والتهميش والتدمير وحرق الحياة فيها من جديد، ها هو "قاسم سليماني" ــ مهندس ــ إيران الأول في تدمير العراق يدخل المدينة عنوة بدعم أبناء العراق في الدم وأبناء إيران في الولاء الطائفي النَّت، هو اليوم – أي سليماني - بشهادة إبراهيم الجعفري – وزير خارجية العراق الكرتوني ـــ مستشارا رسميا لحكومة العراق فهل من معتبر؟!
الفلوجة حتى اللحظة لم تسقط في يد المعتدين لكنها لن تصبر بقدر ما قدمته من تضحيات تدافع عن كرامة العرب والعراق الأصيل، قد يقول التاريخ أن الفلوجة التي فتحها خالد بن الوليد في 12هـ في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – استطاعت دحر العثمانيين من قبل، ومن بعهدهم الإنجليز الذي عمدوا للانتقام منها بعد مقتل أشهر ضباطها "جيرارد ليجمان" بيد أحد شيوخها إلا أنهم تركوها خائبين، وعلى الرغم أنها استطاعت أن تكون جسر دفاع مستميت عن كرامة العراق وخلال سنوات الاحتلال الأربعة عشر عاما هل تستطيع أن تقدم الأكثر أمام السلاح الطائفي الشرس الذي لا يتق الله في دينه أو وطنه، والسؤال العريض الذي نطرح هنا: من يتحمل فاتورة استباحت الفلوجة في ظل تمكين القيادات الإيرانية في المؤسسة المدنية والعسكرية العراقية؟.
حفظ الله العراق وأرجعه منيرا مستنيرا بحضارته وعراقته ومكانته في البيت العربي المتهالك  

اجتماع الدَّوحة واستعراض العضلات

يُقال: "من لم يتعلم من التاريخ يؤدبه الزمن" يبدو أن الساحة العربية  وما جاورها على موعد من سعير فيما ستؤول إليه المرحلة المقبلة في ظل الفشل المخيب لاجتماع الدوحة بالدول المنتجة للنفط وعلى رأسها أوبك، ويبدوا أن الصراع السياسي – حسب الظاهر- أضحى جليّا بين الفيلقين السعودي ولفيف من بعض دول المجلس والدول الإسلامية  وبين الفيلق الإيراني المدعوم من روسيا وبعض الحلفاء المقربين جدا بما تقدم إيران من قفزات سياسية واقتصادية وعسكرية بُعيد رفع الحظر الدولي عنها، والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: ما هو السيناريو المحتمل بعد فشل اجتماع الدوحة؟، ثم لماذا فشل هذا اللقاء الذي عُقدت عليه آمال كثيرة لعلاج جراحات أسعار النفط بعد شُلَّت اقتصاديات ورفاهية شعوب كثير من دول العالم وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي والتي لا تنتج إلا النفط فقط؟!
  دعونا نرجع للمربع الأول حينما بدأت تتشكل ملامح التحالفات السياسية والعسكرية إبان اندلاع الثورة السورية في ظرفية جعلت لإيران - وهي الدولة الصاعدة وبقوة- أن تتقلَّد زمام الحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بالعراق وسوريا وجنوب لبنان وتعبث بأمن اليمن وزعزعت النسيج الاجتماعي والثقافي البحريني ناهيك عن بث روح العدائية الشرسة تجاه دول المجلس وعلى رأسها السعودية -على حد تعبير البعض- ، وأمام كل هذه الحيثيات المتسارعة وجدت إيران تحالفا حقيقيا وواقعيا في الساحة السورية عبر المقاتلات الروسية التي انتهجت سياسة الأرض المحروقة بامتياز، علاوة على أن الإشراف الإيراني في المناوشات السورية لم يقتصر على بعض الوحدات التابعة للحرس الثوري الإيراني بل كان إشرافا مباشرة من القيادة العسكرية العليا من خلال إرسال جنرالات وضباط وخبراء لهم ثقلهم في حسم الأمور وتضييق الخناق على ما يعرف بالجيش الحر أو جبهات المقاومة ضد النظام، إلا أن كل ذلك كان يجري تحت ضوضاء الدعوة للوفاق الوطني والسلام، وتقريب وجهات النظر، وضرورة تحكيم صوت الحكمة عوضا عن البارود والموت، وما ذلك إلا دليل قاطع على النضج الإيراني في التعامل مع المصالح العليا للجمهورية أيا كانت الدوافع سياسية أم مذهبية أم عرقية وقومية وكل ذلك كان ينقص يوما من عمر بعض الدول العربية التي كانت ترى من نفسها صاحبة القرار السيادي.
لكن بالمقابل ما الذي قدمه العرب وبالأخص الخليجيون بقيادة المملكة العربية السعودية في كل هذه المعمعة؟، هل تبنوا برنامجا سياسيا إصلاحيا توافقيا يبني لمرحلة جديدة يسودها الثقة المتبادلة؟، هل تبنى "مليارديرية" العرب قرارات بالاستثمار في الشام والعراق نحو تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص وظيفية للمواطن السوري والعراقي واليمني تحدُّ من البطالة وصدأ العقول بالأفكار الشاذة الماجنة من سماسرة الدين أو الدنيا؟، هل عملت الحكومات المعنية بالملف اليمني - على سبيل المثال  بحكم الجوار- على تقوية نسيجه الاجتماعي وبناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للحدّ من تسول العقول وهجرة الشباب نحو مواطن الموت والضلال الذي تجذبهم إليه "داعش" وأخواتها؟، ثم أين هي اليد الطولى للعرب للحد من النزيف العراقي منذ عقد ونيف؟، وما هي المبادرات التوافقية والإصلاحية التي قدمها الخليجيون بشكل خاص والعرب بشكل عام للقضية السورية منذ خمس سنوات وإلى الآن؟، وأخيرا حينما يمتطي الجندي الخليجي جواده وكأنه الفاتح العظيم هل تمت دراسة أدبياته ومرجعيته الثقافية والاجتماعية  ومدى استيعابه للإنسانية والمواطنة والمسؤولية تجاه العمل الذي يقدم عليه أم أن الأمر لا يعدوا سوى خذوه فغلّوه؟!
يبدوا أن الصراع السعودي- الإيراني في تصاعد مستمر، وأن المنطقة على كف عفريت تترقب استعراض عضلات من يُغرق السوق بالذهب الأسود بعد الفشل المخيب – كما نعته الرمحي وزير النفط العماني-  لاجتماع الدوحة في سبيل من يسبق بقول "كش ملك" بين الطرفين "المتزاعلين"!، بالمقابل نجد أن أكثر المتضررين من هكذا تصرفات "ارتجالية" هم أهل الخليج؛ فلا يخفى على ذي بصيرة أن الرفاهية التي كان يتمتع بها المواطن الخليجي أضحت في مراحلها الأخيرة، كما أن الحكومات بدت تضيق ذرعا من سياسة التقشف والتي من خلالها تسحب بساط العيش الرغيد من تحت أقدام المواطن الذي قد ينفجر عليها في أي لحظة، ثم هل البيت الخليجي قادر على مقارعة الاقتصاد الروسي المتين أو الإيراني الصاعد مع وجود ولاءات اقتصادية واجتماعية ومذهبية في قعر داره؟، وما هو سقف الفاتورة التي يمكن أن تتحمله الميزانية الخليجية في حروبها "غير المسؤولة" في ظل انتهاج الطرف الآخر سياسة حرب الاستنزاف؟

نحن لسنا بحاجة إلى فتح جبهات عراك وقتال تعيدنا للجاهلية الأولى، بل هو وقت التحالفات الدقيقة في سبيل أن نكون رقما اعتباريا  في خارطة العالم، فلن يتجرع آلام الاستعراض الحربي ماليا واجتماعيا وثقافيا سوانا فلماذا لا نقرأ الأمور بروية ونحدد موقعنا بدقة؟، فإيران وإن اختلفت الآراء حولها هل هي صديق أم عدو إلا أنها تعلمت من التاريخ في تحقيق مصالحها ودوافعها وحتى آلية انتقامها الموجع بصمت ظاهره السلام وباطنه الآلام وحق لها ذلك لأنها باختصار تقول :"ها أنا ذا فأين أنتم"، نحن بحاجة إلى أن يلتم مجلس التعاون الخليجي حول مصالحه العليا ومصالح العرب دون الولوج في رحم العنتريات الهُلامية، نحن نملك ما نريد لكن ينقصا أن نفكر كيف نستثمر ذلك في البناء والتطوير الحضاري والسياسي والاقتصادي في العراق وبلاد الشام واليمن والبحرين ومصر وغيرها.  

الثلاثاء، 17 مايو 2016

مملكة النفط ومستقبل التنمية في الخليج العربي

شكَّل النفط منذ عقودٍ طويلةٍ المنبعُ الدَّفاق الذي يدرُّ أموالاً باهظة لكثير من دول العالم التي تمتلك قِسطاً وافراً من الذهب الأسود، وشكلت دول مجلس التعاون الخليجي عبر تعاقب الحقب التاريخية صمَّام الأمان لدعم الحِراكِ الاقتصادي لدى كثيرٍ من الأمم وعلى رأسها الدول الصناعية الكبرى؛ فهي تملك أكبر احتياطي للنفط بمجموع (486.8) مليار برميل أي ما يعادل (35.7%) من الاحتياطي العالمي من النفط الخام و (70%) من إجمالي الاحتياطي النفطي لمنظمة الأوبك، وبحسب الترتيب العالمي فهي تُعدُّ أكثر الدول المُنتجة والمُصدرة لهذه السلعة العالمية، وقد كان تتابع مُؤشر أسعاره في المراحل السابقة وخاصة حينما تجاوز الــ(100) دولار مساراً مُهماً للتنمية والتطوير والبناء؛ لذا سعت كثير من دول المنطقة إلى تشكيل الملامح الرئيسية للدولة العصرية سواء في مجالات التعليم، أو الصحة، أو المؤسسات الأكاديمية والبحثية، أو تعزيز القُدرات العسكرية والمؤسسات الوطنية الاستراتيجية، أو تقديم جُرعات تنموية رائدة للإنتاج والإبداع، أو السعي لحلحلة ظاهرة البطالة وتفعيل الشراكة الوطنية بين المؤسسات والمواطنين حتى وصل بعضها إلى مرحلة (الرفاهية)، إلا أنه ومع انصهار القيمة السوقية العالمية للنفط ظهرت مؤشرات عرَّت حقيقة (الترقيعات) لبعض الصور الهُلامية والتي كانت تُفاخر بأنها استطاعت أن تكوِّن قواعد اقتصادية متينة لدولها العصريَّة عبر استغلال الارتفاع السوقي لهذه السلعة قُبيل يونيو من العام الماضي من خلال بيئة متنوعة لدعم الاقتصاد الوطني دون الاعتماد الكلي على النفط.

اليوم ونحن على أعتاب نهاية (2015) نجد أن دول الخليج العربي تعيش أزمة اقتصادية حقيقة قد تجُرُّها إلى مُستنقعاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ضحلة كان من الممكن تفاديها عبر وضع استراتيجيات ورؤى وطنية تحفظ للوطن والمواطن حقَّ العيش الكريم دون إقحامه في (شعوذات) الحِسبة والمُحتسب واقتناص حقوقه؛ لسد عجز الدول التي يتحملها في المقام الأول والأخير صُنَّاع القرار الذين جعلوا الحبل على الغارب في الاعتماد بنسبة (90%) أو تزيد من الاقتصاد الوطني على النفط – حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطاقة-، ولنا أن نتخيل واقع المنطقة حينما توضع ملامح المرحلة المقبلة على المِحكِّ بحيث يشوبها الضبابية واتباع سياسة (مشِّي حالك)!، فحينما نجد أن الكويت التي أعلنت أنها وصلت بمواطنيها لدرجة (الرفاهية) وهي على مشارف رفع الدعم الحكومي عن المحروقات ابتداء من يناير (2015) تُعلن وبسبب انخفاض أسعار النفط منذ أكتوبر الماضي - لو ظل البرميل الواحد على (60) دولارا – بأنها ستُسجِّلُ عجزاً في ميزانيتها يصل إلى عشرة مليارات دولار ناهيك عن بقية الدول الأعضاء وعلى رأسها البحرين وعمان اللتان تُعدَّان من أكثر دول المنطقة ضرراً في ظل إبقاء أوبك سقف إنتاجها كما هو (30) مليون برميل يومياً، وحسب ما أعلن عبد الله البدري الأمين العام لمنظمة الأوبك أن المنظمة بما فيها دول المجلس تشعر أنها على برِّ الأمان ما لم تتهاوى أسعار النفط دون (80) دولارا؛ وذلك يعني أن دول المجلس قد حزمت ملفاتها وجردت حسابتها لرسم خارطة طريق للميزانية المالية للعام القادم (2016/2017) على ذلك السعر الذي أشار إليه البدري لكن الواقع يشي بأن تلك الأسعار قد وصلت للحضيض وانخفضت بنسبة (65%) أي أننا نعيش أزمة حقيقة ستؤول حلولها كما أعلنتها بعض الدول الأعضاء من خلال الاستفادة في استخدام الأصول المالية التي رُصدت عبر سنوات طويلة للبنية التحتية، بمعنى أن نزيف انهيار أسعار النفط خلال أشهر بسيطة كان كفيلٌ بوقف مشاريع تنموية وطنية عُوَّل عليها الكثير لتصبح على المِحكِّ وكان من الأجدى أن تتَّسم بخططٍ واستراتيجياتٍ بعيدة المدى.


جميل جداً أن يتعلَّم الإنسان خطأه من تجاربه السابقة ليقوِّمه ويجوِّدُ عمله، ودول الخليج تشعر الآن أنها تعيش أزمة اقتصادية يتطلب منها تحكيم العقل ووضع الآليات التي تخدم أوطانهم ومواطنيهم بعيداً عن العنتريات وابتزاز المواقف السياسية والتدخلات في سيادات الدول الأخرى كما هو الحال في الساحة اليمنية أو السورية أو الليبية والمصرية وغيرها، نحن بحاجة إلى أن تقف حكومات المنطقة مع مواطنيها ليتضلَّعوا باسم المواطنة والمسؤولية في خضم الفوضى الفكرية والأخلاقية والمؤسساتية التي تعيشها دول الجوار، من الضرورة بمكان أن تُبنى استراتيجية خليجية لخلق اقتصادٍ متينٍ لا يعتمد بصورة مُطلقة على سلعة ناضبة مُتذبذبة الأسعار بين الفينة والأخرى وتكون آثارها الوخيمة على المشاريع التنموية الوطنية، نحن بحاجة لخلق هيكلة اقتصادية حرة متينة لا تتداخل مع التقلبات المزاجية السياسية والشخصية، نحن بحاجة إلى قناعات وكفاءات تضع لكل ذي حقٍ حقه لرسم خارطة طريق تجارية صلبة يمكن من خلالها تحقيق المستوى الآمن من العدالة الاجتماعية وتطوير البنية التحتية وخلق فرص حقيقية لشراكة اقتصادية عالمية بمستوى عالٍ ورفيع.

بين أروقة الميلينيوم

التعليم هو أحد المكونات الرئيسية في منظومة بناء دولة المؤسسات العصرية؛ فهو سر نجاح فلندا والفلبين واليابان وكوريا الجنوبية واللاتي أصبحن شموسا بازغة في رابعة المجد والمدنية، فالمعادلة بسيطة جدا  تقوم على استثمار التعليم؛ حيث أن الاستغلال الأمثل للكوادر التعليمية هو بمثابة المصلّ الناجع للنهوض من غيبوبة الفوضى الاجتماعية، والركود الاقتصادي، والتصحر الثقافي، إلى الصحوة والنظام البشري السويّ، والانتعاش في اقتصاد المعرفة، وغزارة الإنتاج العلمي وجودة العمل الحكومي أو الخاص.

وفي تفاصيل المعادلة المؤسساتية للدولة القائمة على اللفتة الحقيقية نحو ثورة التعليم فلابد من قراءة أحد الأضلع الرئيسية بهذه المنظومة عبر أوسع أبوابها وهو "المعلم"؛ إذ تنبهت كثير من دول العالم لهذا المكوّن الرئيس في "مملكة" التعليم من خلال حشرهِ في زاوية مُفعمة بالرضى الوظيفي، والاستقرار النفسي، والأمان الاجتماعي؛ والذي بدوره انعكس في جوده أدائه، وابتكاره لطرق تدريسية حديثة، وتوظيفه للتكنولوجيا بمختلف صنوف المعرفة التي يقدمها لأبناء الأمة، بعيدا عن التحسُّف، والتحسر، وعدم الرضى، واللامبالاة،  والرهبة من المجتمع، والشعور بالنقص، والاستصغار.

يشكل التعليم في عُمان أحد المشاريع الاستراتيجية التي ترفد الدولة في سبيل تطويره وتجديده وتجويده أمولا طائلة  كان آخرها حسب بيان وزارة المالية للعام 2016م بمقدار (2.5) مليار ريال عماني، بينما بلغت في العام المنصرم 2015م بمقدار (3) مليار ريال عماني، وقد سعت مؤسسات التعليم قدر استطاعتها نحو تنمية الحسّ المعرفي والمهاري للكوادر التدريسية والإدارية بما يخدم الحقل التربوي؛ والأهم من ذلك هو قدرتها إلى حد كبير وبتعاون مع المثقفين ومؤسسات الإعلام المختلفة نحو تحسين صورة المعلم وإرجاع هيبته التي استُصغرت بين غمضة عين وانتباهتها بسبب متغيرات تسارعت وتيرتها على الساحة العمانية والعربية، ويبدوا أن سعي مديريات التربية والتعليم بمختلف المحافظات بدا جليا في سبيل بناء جسر حقيقي بين المعلم والمجتمع بعدما اتسعت الفجوة إثر اعتصامات المعلمين المطالبة بالإصلاح التعليمي والتربوي وما شاب الأمر من الصيد في الماء العكر لدى المراهقين الذين لا يستحلون لهذا البد وأهله الخير بل يبغون الفساد والسوء والبوار.

وحتى لا يُجرُّ المقال إلى لوثة التطبيل والتملّق فلابد من نقل الحدث كما هو مع الأخذ بعين الاعتبار "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، فقبل الرابع والعشرين من فبراير المنصرم بأسبوع كان هناك حِراكٌ حثيث لدى كثير من مديريات المحافظات التعليمية وإدارات المدارس لجعل هذا اليوم في أجمل حُلته وبهائه، يقدموا فيه للمعلم عربون وفاء جزاء عطائه المتدفق في كل ربوع عُمان الطاهرة، وقبل ذلك اليوم المنتظر شدني كثيرا لهف المجتمع من الآباء والأمهات وجموعا غفيرة من الطالبات والطلبة وإدارات المدارس ذكورا وإناثا لاقتناء أجمل باقة ورد تتخللها أرقى عبارات الشكر والعرفان، كنت احتسي شرفة من شاي ساخن حضره لي السيد (كومار) وبالقرب مني محل ورود غصَّ بالزبائن، باقة تخرج تلو الأخرى بأشكال مختلفة وبأسعار ليست بالزهيدة، إذا هناك حِراكٌ مجتمعي يرى أن المعلم يستحق هذا الإكرام والتبجيل بعدما كان ذات يوم على الهامش ومجرد "كومبارس" في صناعة القرارات المجتمعية، ويبدو لي  أن هذا إنجاز كبير بعدما شاب تلك العلاقة الكثير من المنغصات ووصلت إلى درجة بينونة الطلاق.

وفي الزاوية الأخرى وبالتحديد بتعليمية جنوب الباطنة زُفّت الورود لكل معلم ومعلمة في جميع مدارس المحافظة، بل كان المشهد الذي امتزج بين أروقة المحبة والجمال حينما يمَّمت جموع المعلمين والمعلمات إلى "منتجع الميلينيوم" وعلى ضفاف البحر باحتفالية بهيجة أشعرت الجميع بكيانه ومدى قيمته في عيون المسؤولين بالتعليم بعدما كانت هناك صورة نمطية مقيتة رسمها المتسلِّقون على رقاب انتقاد التعليم للانتقاد السلبي فحسب، فكان الاحتفال يحمل عنوانا بسيطا لكنه عميق "شكرا معلمي" تخلله فقرات إبداعية من الشعر والخواطر والفنون الشعبية والابتكارات وغيرها الكثير، كما أن هذا اللقاء الميمون كان تحت رعاية شخصية ذات  مستوى رسمي رفيع بالدولة؛ وفي ذلك رسالة موجزة تختصر المسافات بأن المعلم مكانه في رفيع المقام.

وعلى هامش احتفال تعليمية جنوب الباطنة آثرت أن أطعِّم ما تقدم ببعض الآراء التي حمّلتني مسؤولية الإفصاح عما يدور في خلجاتها وهي من الميدان التربوي بالمحافظة، فسعيد المخزومي يقول: "تدرج المعلم العماني في استخدام وتطويع التكنولوجيا في العملية التعليمية والتربوية، بحيث أصبح الآن يستخدم أفضل الوسائل التعليمية الحديثة الموجودة والمعروفة وكل الإمكانيات المتاحة؛ لوجود بيئة مناسبة للتنفيذ، كما أن وجود جيل واع ومطلع لما يدور حوله من أحداث جارية ساهم بشكل كبير على تشجيع المعلم لاستخدمها والبحث عما هو جديد في هذا الجانب"، ويضيف مهدي البوسعيدي يقول: "ليس هناك صعوبة أن نضع أيادينا بيد المعلم وأن نكون شركاء معه، نتعاون معه كأسرة ومجتمع؛ لتحقيق ما نأمله لأبنائنا من منطلق المسؤولية والشعور بعظم أهمية رسالة التعليم، فحين يتفوق أبناءنا فإن ذلك انعكاس بيّنٌ لتفاني المعلم وجهده اللامحدود في سبيل إيجاد جيل واعٍ قادر على تولي دفة هذا الوطن في المستقبل القريب"، وترى هدى الدايري: "أن المنظومة التعليمية لأي دولة ما هي إلا  تفاعل  وترابط متين بين عدة قوى متمثلة: في المعلم والطالب وولي الأمر والوزارة، فمتى ما نجحت  عملية التفاعل هذه صلح التعليم، ولنا نماذج عديدة  ففلندا، وکوريا الجنوبية نماذج يُحتذي بها  في تبيان تأثير هذه العملية"، ويضيف محمد المحاربي: "أصبح المعلم العماني يمتلك رصيداً ملحوظاً وواضحاً في ظل الاهتمام الواسع الذي توليه وزارة التربية والتعليم متمثلة في المديريات العامة للتربية والتعليم، وذلك من خلال الدورات التدريبية، وأوراق العمل التي تعقد من أجل تطوير الأداء الوظيفي للمعلمين".

فلابد أن تتظافر الجهود الرسمية والمجتمعية نحو بناء البيت التربوي العماني السليم، فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر فلا يمكن أن يُطالب المجتمع بإصلاحات تعليمية على مستوى القدرات التدريسية أو المناهج أو القرارات المؤسساتية المختصة بالتعليم ما لم يضع كفه بكف هذه المؤسسات لصناعة القرار، كما أن هذا الحِراك  الحميد والملموس في تقدير ذات المعلم ودوره الحقيقي في المجتمع ومنظومة التعليم والاحتفاء بما يليق بمقامه المشهود يقدم جرعات تصحيحية وتطويرية للمعلم، وليس ما قامت به مديرية جنوب الباطنة ببعيد عن ذلك، فشكرا ثم شكرا أيها المعلم السامي بما تقدمه من عطاءات عظيمة، وشكرا لك أيها المجتمع لما تقدمه من نماذج إيجابية تجعل المعلم في المربع الصحيح، وشكرا مديرية تعليم جنوب الباطنة بجميع طاقمها بهكذا مبادرات راقية ورائعة وهذا ليس بجديد على تعدد إنجازاتكم المتواترة. 

أَصلِحُوا رِجَال الدِّين مِن أُمتِنَا!

ذات مساء وبينما كنت أتصفح بعض المجلات المعنية بالتوعية والتوجيه نحو تجديد الخطاب السياسي والديني بالوطن العربي والإسلامي، استرقتُ بعضا من الوقت لأرسم (كوخا) عربيا وإسلاميا متماسكا مطليٌ بجمال العلم والمعرفة، ومرصَّعٌ بألماس الإبداع والابتكار، تعلوه سارية يستنيرُ منها الناظرين بالازدهار الاقتصادي، والمهارة السياسية الدقيقة، والعدالة الاجتماعية السويَّة، والتعليم المُجوَّد الذي لا يُخرج إلا عقولا يستظلُ بها الوطن نحو كل إنتاج؛ لتكون عروبتنا عالمية تزاحم الكبار، لكن وباختصار شديد ما كانت تلك سوى أضغاث أحلام وما العِالِمون بالمدَّنية والحضارة بتفسير الأحلام بعالِمين.

حينها بدأتُ أضربُ أخماساً بأسداسٍ حول مكمَنِ مشكلتنا نحو استرخاص استباحة دماء بعضنا البعض؟، وما هي القوة الجامحة التي تُحرِّكُ أحزابا وتكتُلات بمختلف توجهاتها الفكرية نحو تمزيق أوصال أوطانهم وخيراتهم في أتون حروب خاسرة يجرّهم إليها سماسرة الموت فيجعلوهم فئران تجارب لما وصلت إليه الترسانة العسكرية؟، أي قُدسيَّة تستبيح هدر طاقات العلماء بالاغتيالات والتهجير باسم المذهب أو العِرق أو غيرها من تُرَّهات الجهل كما هو حال العراق الذي وحسب تقرير الأمم المتحدة 62% من علمائه يحملون شهادات الدكتوراه ثلثهم متخصصين في العلوم والطب، حيث تم اغتيال واختطاف أغلبهم وتهجير عدد كبير بعد الاحتلال، أظف إلى أن وزارة التعليم العالي العراقية أعلنت عن اغتيال 182 أستاذا جامعيا بمختلف جامعات العراق ببغداد والمنصورة والرمادي وغيرها؟، ناهيك عمَّا يحصل في سورية واليمن والسودان وغيرها من بقاع العالم العربي والإسلامي، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن بالفعل نفتقد للحنكة السياسية؟، هل نعيش عوزا وتخلّفا اقتصاديا؟، هل نفتقد للعدالة الاجتماعية؟، هل نعيش أزمة انعدام التعليم الحُرّ والكفؤ؟، وهل خطابنا الديني والسياسي والاجتماعي فيما بيننا والعالم الخارجي يوصف بالتصحر حول مفرداته ومفاهيمه وقِيمه الإنسانية النبيلة؟.

رُبما تجتمع الأسباب الآنفة الذكر وغيرها الكثير لتُشكّل لنا صورة ضبابية حول المربع الصحيح الذي نقف عليه، لكننا بحاجة ماسَّة للوقوف مليِّاً حول الخطابات الدينية المتواترة على الساحة الوطنية والإقليمية والعالمية، إذ لا ريب أننا نعيش أزمة ثقة العالم الغربي بالمسلمين والذين بدورهم أسدلوا سوء تصرفاتهم على رسالة الدين الحنيف البسيط جدا وهو بريء مما يفعلوه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، فأي جبروت وغطرسة يمتلكها من يخشى الله ويتقه ويرجوا ثوابه ويخشى عقابه حينما يستبيح دم من حرَّم الله سفكه؟!، فهل يعي رجالات الدين في عالمنا العربي والإسلامي أن لهم مكانة سامية دون السياسيين الذين في أغلب أحوالهم يهوون إلى مدارك سمجة مع تقلب المواقف وتسارع الأحداث؟، وهل تعي صنابير الفتاوى أن (كوبوناتهم) التي يبيعوها بثمن بخس تقطع همزة الوصل مع علماء الأمة الشرفاء والذين هم ورثة الأنبياء؟، كيف تُبدع حواء في الحقل التربوي والاجتماعي والثقافي والسياسي وهي مُكبَّلة بأصفاد التحريم والتجريم غير المؤصَّلة بالنصوص العقيلة والنقلية البيِّنة؟، وكيف يستقيم حال شباب المجتمع في ظل خطابات التكفير والتخوين والإعدامات واستباحة الأعراض والتحريض نحو الإفساد بهلاك الحرث والنسل تحت شماعة الذَّود عن حياض الدين بالجهاد دون استيعاب لمدلولاته السماوية السامية؟، جميعنا لا يتمنى إطلاقا أن تُنتهك حُرمات الأديان، ولا أن يُزجّ بالأوطان والإنسان في مستنقعات نتِه، لكن هذا الدين يُسرٌ مبنِيٌّ على العقل والمنطق والبساطة "ولا يُشاد الدين أحد إلا غلبه".

أتساءل كيف يسترخصُ بعض الدُعاة علماء الأمة وأهل الفُتيا ليُنصِّبوا من أنفسهم عمالقة الفتاوى وتغليفها بابتسامات صفراء تحمل بين ثناياها خراب الدين والدنيا؟، يذكر بعض المُحدِّثين وأصحابُ السّير أن ابن ليلى – أحد التابعين- يروي أنه أدرك مائة وعشرون صحابيا كانوا يتورَّعون عن الفتوى فيلقيها على أخيه، ويقول سفيان ابن عيينه أحد الفقهاء الكبار في الأمة: "أعلمُ الناس بالفتيا أسكتُهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها"، ويروى أن رجلا دخل على الفقيه ربيعةَ بنِ أبي عبدالرحمن فرآه يبكي، فسأل عن بكائه، فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، ثم قال: ولبعض من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السراق".


الأمة في هذه الظرفية الوهِنة بأمس الحاجة لعلمائها العاقلين الذين يدركون أيَّما إدراك بمصالح البلاد والعباد، كما هي بحاجة إلى أن يتريث بعض الدُعاة فيخلعوا قِناع الشُهرة والتسلق على أعناق البُسطاء من الناس، وليتذكروا أنهم لبِنة مهمة في بناء المَدنيَّة والازدهار، وأن التشظّي في المواقف، والتصلُّب نحو تقبل الآخر، وسَملِ الأعيُنِ، وصمّ الآذان من طين وأخرى من عجين ماهي إلا وبالا عظيما تتجرَّعه الأمة وستخلق تجاهها لعنة الأجيال القادمة، فمن الضرورة بمكان أن يُلمَّ الشَّمل، وتستكين الأنفس، وتُترك الفُتيا للعُلماء والمجتهدين من الأمة.