الثلاثاء، 17 مايو 2016

مملكة النفط ومستقبل التنمية في الخليج العربي

شكَّل النفط منذ عقودٍ طويلةٍ المنبعُ الدَّفاق الذي يدرُّ أموالاً باهظة لكثير من دول العالم التي تمتلك قِسطاً وافراً من الذهب الأسود، وشكلت دول مجلس التعاون الخليجي عبر تعاقب الحقب التاريخية صمَّام الأمان لدعم الحِراكِ الاقتصادي لدى كثيرٍ من الأمم وعلى رأسها الدول الصناعية الكبرى؛ فهي تملك أكبر احتياطي للنفط بمجموع (486.8) مليار برميل أي ما يعادل (35.7%) من الاحتياطي العالمي من النفط الخام و (70%) من إجمالي الاحتياطي النفطي لمنظمة الأوبك، وبحسب الترتيب العالمي فهي تُعدُّ أكثر الدول المُنتجة والمُصدرة لهذه السلعة العالمية، وقد كان تتابع مُؤشر أسعاره في المراحل السابقة وخاصة حينما تجاوز الــ(100) دولار مساراً مُهماً للتنمية والتطوير والبناء؛ لذا سعت كثير من دول المنطقة إلى تشكيل الملامح الرئيسية للدولة العصرية سواء في مجالات التعليم، أو الصحة، أو المؤسسات الأكاديمية والبحثية، أو تعزيز القُدرات العسكرية والمؤسسات الوطنية الاستراتيجية، أو تقديم جُرعات تنموية رائدة للإنتاج والإبداع، أو السعي لحلحلة ظاهرة البطالة وتفعيل الشراكة الوطنية بين المؤسسات والمواطنين حتى وصل بعضها إلى مرحلة (الرفاهية)، إلا أنه ومع انصهار القيمة السوقية العالمية للنفط ظهرت مؤشرات عرَّت حقيقة (الترقيعات) لبعض الصور الهُلامية والتي كانت تُفاخر بأنها استطاعت أن تكوِّن قواعد اقتصادية متينة لدولها العصريَّة عبر استغلال الارتفاع السوقي لهذه السلعة قُبيل يونيو من العام الماضي من خلال بيئة متنوعة لدعم الاقتصاد الوطني دون الاعتماد الكلي على النفط.

اليوم ونحن على أعتاب نهاية (2015) نجد أن دول الخليج العربي تعيش أزمة اقتصادية حقيقة قد تجُرُّها إلى مُستنقعاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ضحلة كان من الممكن تفاديها عبر وضع استراتيجيات ورؤى وطنية تحفظ للوطن والمواطن حقَّ العيش الكريم دون إقحامه في (شعوذات) الحِسبة والمُحتسب واقتناص حقوقه؛ لسد عجز الدول التي يتحملها في المقام الأول والأخير صُنَّاع القرار الذين جعلوا الحبل على الغارب في الاعتماد بنسبة (90%) أو تزيد من الاقتصاد الوطني على النفط – حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطاقة-، ولنا أن نتخيل واقع المنطقة حينما توضع ملامح المرحلة المقبلة على المِحكِّ بحيث يشوبها الضبابية واتباع سياسة (مشِّي حالك)!، فحينما نجد أن الكويت التي أعلنت أنها وصلت بمواطنيها لدرجة (الرفاهية) وهي على مشارف رفع الدعم الحكومي عن المحروقات ابتداء من يناير (2015) تُعلن وبسبب انخفاض أسعار النفط منذ أكتوبر الماضي - لو ظل البرميل الواحد على (60) دولارا – بأنها ستُسجِّلُ عجزاً في ميزانيتها يصل إلى عشرة مليارات دولار ناهيك عن بقية الدول الأعضاء وعلى رأسها البحرين وعمان اللتان تُعدَّان من أكثر دول المنطقة ضرراً في ظل إبقاء أوبك سقف إنتاجها كما هو (30) مليون برميل يومياً، وحسب ما أعلن عبد الله البدري الأمين العام لمنظمة الأوبك أن المنظمة بما فيها دول المجلس تشعر أنها على برِّ الأمان ما لم تتهاوى أسعار النفط دون (80) دولارا؛ وذلك يعني أن دول المجلس قد حزمت ملفاتها وجردت حسابتها لرسم خارطة طريق للميزانية المالية للعام القادم (2016/2017) على ذلك السعر الذي أشار إليه البدري لكن الواقع يشي بأن تلك الأسعار قد وصلت للحضيض وانخفضت بنسبة (65%) أي أننا نعيش أزمة حقيقة ستؤول حلولها كما أعلنتها بعض الدول الأعضاء من خلال الاستفادة في استخدام الأصول المالية التي رُصدت عبر سنوات طويلة للبنية التحتية، بمعنى أن نزيف انهيار أسعار النفط خلال أشهر بسيطة كان كفيلٌ بوقف مشاريع تنموية وطنية عُوَّل عليها الكثير لتصبح على المِحكِّ وكان من الأجدى أن تتَّسم بخططٍ واستراتيجياتٍ بعيدة المدى.


جميل جداً أن يتعلَّم الإنسان خطأه من تجاربه السابقة ليقوِّمه ويجوِّدُ عمله، ودول الخليج تشعر الآن أنها تعيش أزمة اقتصادية يتطلب منها تحكيم العقل ووضع الآليات التي تخدم أوطانهم ومواطنيهم بعيداً عن العنتريات وابتزاز المواقف السياسية والتدخلات في سيادات الدول الأخرى كما هو الحال في الساحة اليمنية أو السورية أو الليبية والمصرية وغيرها، نحن بحاجة إلى أن تقف حكومات المنطقة مع مواطنيها ليتضلَّعوا باسم المواطنة والمسؤولية في خضم الفوضى الفكرية والأخلاقية والمؤسساتية التي تعيشها دول الجوار، من الضرورة بمكان أن تُبنى استراتيجية خليجية لخلق اقتصادٍ متينٍ لا يعتمد بصورة مُطلقة على سلعة ناضبة مُتذبذبة الأسعار بين الفينة والأخرى وتكون آثارها الوخيمة على المشاريع التنموية الوطنية، نحن بحاجة لخلق هيكلة اقتصادية حرة متينة لا تتداخل مع التقلبات المزاجية السياسية والشخصية، نحن بحاجة إلى قناعات وكفاءات تضع لكل ذي حقٍ حقه لرسم خارطة طريق تجارية صلبة يمكن من خلالها تحقيق المستوى الآمن من العدالة الاجتماعية وتطوير البنية التحتية وخلق فرص حقيقية لشراكة اقتصادية عالمية بمستوى عالٍ ورفيع.

بين أروقة الميلينيوم

التعليم هو أحد المكونات الرئيسية في منظومة بناء دولة المؤسسات العصرية؛ فهو سر نجاح فلندا والفلبين واليابان وكوريا الجنوبية واللاتي أصبحن شموسا بازغة في رابعة المجد والمدنية، فالمعادلة بسيطة جدا  تقوم على استثمار التعليم؛ حيث أن الاستغلال الأمثل للكوادر التعليمية هو بمثابة المصلّ الناجع للنهوض من غيبوبة الفوضى الاجتماعية، والركود الاقتصادي، والتصحر الثقافي، إلى الصحوة والنظام البشري السويّ، والانتعاش في اقتصاد المعرفة، وغزارة الإنتاج العلمي وجودة العمل الحكومي أو الخاص.

وفي تفاصيل المعادلة المؤسساتية للدولة القائمة على اللفتة الحقيقية نحو ثورة التعليم فلابد من قراءة أحد الأضلع الرئيسية بهذه المنظومة عبر أوسع أبوابها وهو "المعلم"؛ إذ تنبهت كثير من دول العالم لهذا المكوّن الرئيس في "مملكة" التعليم من خلال حشرهِ في زاوية مُفعمة بالرضى الوظيفي، والاستقرار النفسي، والأمان الاجتماعي؛ والذي بدوره انعكس في جوده أدائه، وابتكاره لطرق تدريسية حديثة، وتوظيفه للتكنولوجيا بمختلف صنوف المعرفة التي يقدمها لأبناء الأمة، بعيدا عن التحسُّف، والتحسر، وعدم الرضى، واللامبالاة،  والرهبة من المجتمع، والشعور بالنقص، والاستصغار.

يشكل التعليم في عُمان أحد المشاريع الاستراتيجية التي ترفد الدولة في سبيل تطويره وتجديده وتجويده أمولا طائلة  كان آخرها حسب بيان وزارة المالية للعام 2016م بمقدار (2.5) مليار ريال عماني، بينما بلغت في العام المنصرم 2015م بمقدار (3) مليار ريال عماني، وقد سعت مؤسسات التعليم قدر استطاعتها نحو تنمية الحسّ المعرفي والمهاري للكوادر التدريسية والإدارية بما يخدم الحقل التربوي؛ والأهم من ذلك هو قدرتها إلى حد كبير وبتعاون مع المثقفين ومؤسسات الإعلام المختلفة نحو تحسين صورة المعلم وإرجاع هيبته التي استُصغرت بين غمضة عين وانتباهتها بسبب متغيرات تسارعت وتيرتها على الساحة العمانية والعربية، ويبدوا أن سعي مديريات التربية والتعليم بمختلف المحافظات بدا جليا في سبيل بناء جسر حقيقي بين المعلم والمجتمع بعدما اتسعت الفجوة إثر اعتصامات المعلمين المطالبة بالإصلاح التعليمي والتربوي وما شاب الأمر من الصيد في الماء العكر لدى المراهقين الذين لا يستحلون لهذا البد وأهله الخير بل يبغون الفساد والسوء والبوار.

وحتى لا يُجرُّ المقال إلى لوثة التطبيل والتملّق فلابد من نقل الحدث كما هو مع الأخذ بعين الاعتبار "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، فقبل الرابع والعشرين من فبراير المنصرم بأسبوع كان هناك حِراكٌ حثيث لدى كثير من مديريات المحافظات التعليمية وإدارات المدارس لجعل هذا اليوم في أجمل حُلته وبهائه، يقدموا فيه للمعلم عربون وفاء جزاء عطائه المتدفق في كل ربوع عُمان الطاهرة، وقبل ذلك اليوم المنتظر شدني كثيرا لهف المجتمع من الآباء والأمهات وجموعا غفيرة من الطالبات والطلبة وإدارات المدارس ذكورا وإناثا لاقتناء أجمل باقة ورد تتخللها أرقى عبارات الشكر والعرفان، كنت احتسي شرفة من شاي ساخن حضره لي السيد (كومار) وبالقرب مني محل ورود غصَّ بالزبائن، باقة تخرج تلو الأخرى بأشكال مختلفة وبأسعار ليست بالزهيدة، إذا هناك حِراكٌ مجتمعي يرى أن المعلم يستحق هذا الإكرام والتبجيل بعدما كان ذات يوم على الهامش ومجرد "كومبارس" في صناعة القرارات المجتمعية، ويبدو لي  أن هذا إنجاز كبير بعدما شاب تلك العلاقة الكثير من المنغصات ووصلت إلى درجة بينونة الطلاق.

وفي الزاوية الأخرى وبالتحديد بتعليمية جنوب الباطنة زُفّت الورود لكل معلم ومعلمة في جميع مدارس المحافظة، بل كان المشهد الذي امتزج بين أروقة المحبة والجمال حينما يمَّمت جموع المعلمين والمعلمات إلى "منتجع الميلينيوم" وعلى ضفاف البحر باحتفالية بهيجة أشعرت الجميع بكيانه ومدى قيمته في عيون المسؤولين بالتعليم بعدما كانت هناك صورة نمطية مقيتة رسمها المتسلِّقون على رقاب انتقاد التعليم للانتقاد السلبي فحسب، فكان الاحتفال يحمل عنوانا بسيطا لكنه عميق "شكرا معلمي" تخلله فقرات إبداعية من الشعر والخواطر والفنون الشعبية والابتكارات وغيرها الكثير، كما أن هذا اللقاء الميمون كان تحت رعاية شخصية ذات  مستوى رسمي رفيع بالدولة؛ وفي ذلك رسالة موجزة تختصر المسافات بأن المعلم مكانه في رفيع المقام.

وعلى هامش احتفال تعليمية جنوب الباطنة آثرت أن أطعِّم ما تقدم ببعض الآراء التي حمّلتني مسؤولية الإفصاح عما يدور في خلجاتها وهي من الميدان التربوي بالمحافظة، فسعيد المخزومي يقول: "تدرج المعلم العماني في استخدام وتطويع التكنولوجيا في العملية التعليمية والتربوية، بحيث أصبح الآن يستخدم أفضل الوسائل التعليمية الحديثة الموجودة والمعروفة وكل الإمكانيات المتاحة؛ لوجود بيئة مناسبة للتنفيذ، كما أن وجود جيل واع ومطلع لما يدور حوله من أحداث جارية ساهم بشكل كبير على تشجيع المعلم لاستخدمها والبحث عما هو جديد في هذا الجانب"، ويضيف مهدي البوسعيدي يقول: "ليس هناك صعوبة أن نضع أيادينا بيد المعلم وأن نكون شركاء معه، نتعاون معه كأسرة ومجتمع؛ لتحقيق ما نأمله لأبنائنا من منطلق المسؤولية والشعور بعظم أهمية رسالة التعليم، فحين يتفوق أبناءنا فإن ذلك انعكاس بيّنٌ لتفاني المعلم وجهده اللامحدود في سبيل إيجاد جيل واعٍ قادر على تولي دفة هذا الوطن في المستقبل القريب"، وترى هدى الدايري: "أن المنظومة التعليمية لأي دولة ما هي إلا  تفاعل  وترابط متين بين عدة قوى متمثلة: في المعلم والطالب وولي الأمر والوزارة، فمتى ما نجحت  عملية التفاعل هذه صلح التعليم، ولنا نماذج عديدة  ففلندا، وکوريا الجنوبية نماذج يُحتذي بها  في تبيان تأثير هذه العملية"، ويضيف محمد المحاربي: "أصبح المعلم العماني يمتلك رصيداً ملحوظاً وواضحاً في ظل الاهتمام الواسع الذي توليه وزارة التربية والتعليم متمثلة في المديريات العامة للتربية والتعليم، وذلك من خلال الدورات التدريبية، وأوراق العمل التي تعقد من أجل تطوير الأداء الوظيفي للمعلمين".

فلابد أن تتظافر الجهود الرسمية والمجتمعية نحو بناء البيت التربوي العماني السليم، فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر فلا يمكن أن يُطالب المجتمع بإصلاحات تعليمية على مستوى القدرات التدريسية أو المناهج أو القرارات المؤسساتية المختصة بالتعليم ما لم يضع كفه بكف هذه المؤسسات لصناعة القرار، كما أن هذا الحِراك  الحميد والملموس في تقدير ذات المعلم ودوره الحقيقي في المجتمع ومنظومة التعليم والاحتفاء بما يليق بمقامه المشهود يقدم جرعات تصحيحية وتطويرية للمعلم، وليس ما قامت به مديرية جنوب الباطنة ببعيد عن ذلك، فشكرا ثم شكرا أيها المعلم السامي بما تقدمه من عطاءات عظيمة، وشكرا لك أيها المجتمع لما تقدمه من نماذج إيجابية تجعل المعلم في المربع الصحيح، وشكرا مديرية تعليم جنوب الباطنة بجميع طاقمها بهكذا مبادرات راقية ورائعة وهذا ليس بجديد على تعدد إنجازاتكم المتواترة. 

أَصلِحُوا رِجَال الدِّين مِن أُمتِنَا!

ذات مساء وبينما كنت أتصفح بعض المجلات المعنية بالتوعية والتوجيه نحو تجديد الخطاب السياسي والديني بالوطن العربي والإسلامي، استرقتُ بعضا من الوقت لأرسم (كوخا) عربيا وإسلاميا متماسكا مطليٌ بجمال العلم والمعرفة، ومرصَّعٌ بألماس الإبداع والابتكار، تعلوه سارية يستنيرُ منها الناظرين بالازدهار الاقتصادي، والمهارة السياسية الدقيقة، والعدالة الاجتماعية السويَّة، والتعليم المُجوَّد الذي لا يُخرج إلا عقولا يستظلُ بها الوطن نحو كل إنتاج؛ لتكون عروبتنا عالمية تزاحم الكبار، لكن وباختصار شديد ما كانت تلك سوى أضغاث أحلام وما العِالِمون بالمدَّنية والحضارة بتفسير الأحلام بعالِمين.

حينها بدأتُ أضربُ أخماساً بأسداسٍ حول مكمَنِ مشكلتنا نحو استرخاص استباحة دماء بعضنا البعض؟، وما هي القوة الجامحة التي تُحرِّكُ أحزابا وتكتُلات بمختلف توجهاتها الفكرية نحو تمزيق أوصال أوطانهم وخيراتهم في أتون حروب خاسرة يجرّهم إليها سماسرة الموت فيجعلوهم فئران تجارب لما وصلت إليه الترسانة العسكرية؟، أي قُدسيَّة تستبيح هدر طاقات العلماء بالاغتيالات والتهجير باسم المذهب أو العِرق أو غيرها من تُرَّهات الجهل كما هو حال العراق الذي وحسب تقرير الأمم المتحدة 62% من علمائه يحملون شهادات الدكتوراه ثلثهم متخصصين في العلوم والطب، حيث تم اغتيال واختطاف أغلبهم وتهجير عدد كبير بعد الاحتلال، أظف إلى أن وزارة التعليم العالي العراقية أعلنت عن اغتيال 182 أستاذا جامعيا بمختلف جامعات العراق ببغداد والمنصورة والرمادي وغيرها؟، ناهيك عمَّا يحصل في سورية واليمن والسودان وغيرها من بقاع العالم العربي والإسلامي، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن بالفعل نفتقد للحنكة السياسية؟، هل نعيش عوزا وتخلّفا اقتصاديا؟، هل نفتقد للعدالة الاجتماعية؟، هل نعيش أزمة انعدام التعليم الحُرّ والكفؤ؟، وهل خطابنا الديني والسياسي والاجتماعي فيما بيننا والعالم الخارجي يوصف بالتصحر حول مفرداته ومفاهيمه وقِيمه الإنسانية النبيلة؟.

رُبما تجتمع الأسباب الآنفة الذكر وغيرها الكثير لتُشكّل لنا صورة ضبابية حول المربع الصحيح الذي نقف عليه، لكننا بحاجة ماسَّة للوقوف مليِّاً حول الخطابات الدينية المتواترة على الساحة الوطنية والإقليمية والعالمية، إذ لا ريب أننا نعيش أزمة ثقة العالم الغربي بالمسلمين والذين بدورهم أسدلوا سوء تصرفاتهم على رسالة الدين الحنيف البسيط جدا وهو بريء مما يفعلوه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، فأي جبروت وغطرسة يمتلكها من يخشى الله ويتقه ويرجوا ثوابه ويخشى عقابه حينما يستبيح دم من حرَّم الله سفكه؟!، فهل يعي رجالات الدين في عالمنا العربي والإسلامي أن لهم مكانة سامية دون السياسيين الذين في أغلب أحوالهم يهوون إلى مدارك سمجة مع تقلب المواقف وتسارع الأحداث؟، وهل تعي صنابير الفتاوى أن (كوبوناتهم) التي يبيعوها بثمن بخس تقطع همزة الوصل مع علماء الأمة الشرفاء والذين هم ورثة الأنبياء؟، كيف تُبدع حواء في الحقل التربوي والاجتماعي والثقافي والسياسي وهي مُكبَّلة بأصفاد التحريم والتجريم غير المؤصَّلة بالنصوص العقيلة والنقلية البيِّنة؟، وكيف يستقيم حال شباب المجتمع في ظل خطابات التكفير والتخوين والإعدامات واستباحة الأعراض والتحريض نحو الإفساد بهلاك الحرث والنسل تحت شماعة الذَّود عن حياض الدين بالجهاد دون استيعاب لمدلولاته السماوية السامية؟، جميعنا لا يتمنى إطلاقا أن تُنتهك حُرمات الأديان، ولا أن يُزجّ بالأوطان والإنسان في مستنقعات نتِه، لكن هذا الدين يُسرٌ مبنِيٌّ على العقل والمنطق والبساطة "ولا يُشاد الدين أحد إلا غلبه".

أتساءل كيف يسترخصُ بعض الدُعاة علماء الأمة وأهل الفُتيا ليُنصِّبوا من أنفسهم عمالقة الفتاوى وتغليفها بابتسامات صفراء تحمل بين ثناياها خراب الدين والدنيا؟، يذكر بعض المُحدِّثين وأصحابُ السّير أن ابن ليلى – أحد التابعين- يروي أنه أدرك مائة وعشرون صحابيا كانوا يتورَّعون عن الفتوى فيلقيها على أخيه، ويقول سفيان ابن عيينه أحد الفقهاء الكبار في الأمة: "أعلمُ الناس بالفتيا أسكتُهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها"، ويروى أن رجلا دخل على الفقيه ربيعةَ بنِ أبي عبدالرحمن فرآه يبكي، فسأل عن بكائه، فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، ثم قال: ولبعض من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السراق".


الأمة في هذه الظرفية الوهِنة بأمس الحاجة لعلمائها العاقلين الذين يدركون أيَّما إدراك بمصالح البلاد والعباد، كما هي بحاجة إلى أن يتريث بعض الدُعاة فيخلعوا قِناع الشُهرة والتسلق على أعناق البُسطاء من الناس، وليتذكروا أنهم لبِنة مهمة في بناء المَدنيَّة والازدهار، وأن التشظّي في المواقف، والتصلُّب نحو تقبل الآخر، وسَملِ الأعيُنِ، وصمّ الآذان من طين وأخرى من عجين ماهي إلا وبالا عظيما تتجرَّعه الأمة وستخلق تجاهها لعنة الأجيال القادمة، فمن الضرورة بمكان أن يُلمَّ الشَّمل، وتستكين الأنفس، وتُترك الفُتيا للعُلماء والمجتهدين من الأمة.