الاثنين، 13 يونيو 2016

أَنصِفوا عُمَان!

في أحد المقاهي الجميلة كنت ألتقي بين الفينة والأخرى بجمال الذي ما إن بدأ يغرد بالنقاش فكأنه ينتقي أطايب التمر، كنا نتسامر في أحاديث كثيرة منها سياسية، وأخرى ثقافية، وحينا رياضية، وأحيانا أخرى مواضيع دينية، وتارة تقذفنا الكرة في ملعب التُجَّار فنتجاذب القول وكأننا أحد (الباشوات) وبعد حينٍ نعود لموقعنا الحقيقي كــ(دراويش) تعلوا محيَّاهم ابتسامات بيضاء بعيدا عن الابتسامات الملونة التي يضطر المرء ينثرها في مواقف مختلفة ولسان حاله "مكره أخاك لا بطل".
مع انطواء صفحات الأسبوع المنصرم جلست في موقعي مترقبا جمالا وقد حضَّرت له (مرجل) من المواضيع المتنوعة؛ فلطالما وجدت الحوار معه متنفسا يانعا على الرغم من التضاد بيننا في الرأي والفكر، وفي نفس المكان والزمان استقبلت جمال لكنه كان متجهما مكفهرا، جلس بهدوء الملوك على عرش الصمت، بدأت بغيث النقاش لكنه آثر التواضع في الردود!، تنامى إلى نفسي أن ثمت مواضيع خاصة لا يحق لي الولوج في كُنهها حتى لا أكون (ملقوفا) يسأل بما لا يعنيه، وجدت أن الموقف متشظٍ لا يحتمل المكوث، أوكلت إلى قدميَّ بحمل أكتافي مع ابتسامة نقية على أن ألتقيه في وضعية أحسن حالا، وما إن هممت بالقيام من موضوعي حتى انفجر علي كالبركان الثائر قائلا: "متى ينصفوننا ويعترفون بوزننا الحقيقي في المنطقة؟، لماذا يكابرون على فضلنا في حلحلت الكثير من القضايا العالمية؟، أستغرب هل هي ثقيلة كلمة "شكرا عُمان" ومنحهم ثقتهم فينا لتحقيق الاستقرار الإنساني في منطقتنا العربية؟، أليس من المعيب أن تولي إيران وأمريكا وأوروبا ثقتهم ببلادنا في الكثير من القضايا التي كانت تهدد الأمن والاستقرار العالمي بينما دول الخليج العربي وكثير من أقطار العالم العربي يوبخوننا ويُشككون في نوايانا ومبادراتنا؟، لماذا بعض العمانيين حينما يُذكر فضل عُمان عبر التاريخ القديم والمعاصر يستهزأ بك ويدَّعي أنك (مُطبِّلٌ) ويتناسون القول المأثور "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"؟.
  أسئلة جمَّة أمطرني إياها مُزن جمال بعد أن ملئت جوفه بالهم والضجر، وقد لامست في حشرجة آلامه العميقة تساؤلات يجب أن تُطرح  وتُكشف من خلالها كل الأوراق على الطاولة، إذ يحق للمواطن العماني أن يُقدم تساؤلاته لبعض دول مجلس التعاون والدول العربية بل وبعض المواطنين الذين يستعرون بقذارات النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية لماذا كل هذا البذخ في تشويه الموقف العماني والتقليل من شأنه؟!، ثم ما دلالات بعض التقارير الجيوسياسية التي تنشر بين الفينة والأخرى وتحاول تأليب الرأي العام على مؤسسات الدولة والتشكيك بمنجزاتها على الصعيدين الخارجي والداخلي؟، لماذا لا يعترف أشقاؤنا الخليجيون بأن عمان في هذه الظرفية الحساسة بمثابة البيئة الحاضنة لتأليف القلوب والتخلي عن المُهاترات السياسية والمراهنات العنصرية والمذهبية؟، لماذا لم يحتفل الخليجيون والعرب بالإنجاز العماني الخليجي العربي بتجنيب المنطقة حربا عالمية بسبب المفاعل النووي الإيراني؟، لماذا لا يعترف الخليجيون بفضل عُمان في تحرير رهائنهم بين الحين والآخر في حرب اليمن؟، لماذا يستثقل الخليجيون الاعتذار لعُمان بعد قصف مقر السفارة في صنعاء دون أي سلوك معادٍ أو سحب سفاراتها المنتشرة في الدول الخمس متناسين قول عمر بن الخطاب  رضي لله عنه- حينما خطَّاته امرأة فقال "أخطأ عمر وأصابت امرأة" ؟، لماذا يُصرُّ بعض الأكاديميين بدول المجلس على وصف عُمان بمسميات بالية بأنها أداة لتحقيق المصالح الإيرانية، أو أنها تتربع عرش الفساد، أو أنها مُنشقَّة عن دول مجلس التعاون متناسين كل الحقائق التي تشير على أن بعض الدول الخليجية هي أكبر سوق إيراني بالمنطقة، والبعض الآخر تُملَّك آبار نفط لأشخاص بعينهم كاملاك خاصة، كما أن بعضها نصب حبل المشنقة على بعض إخوته ليكيدوا له كيدا حتى الرجوع إلى يد الطاعة مُكرها؟!

هذه الأسئلة وغيرها هي لا تفيد المواطن العماني بشيء لأن التاريخ والتجربة علَّمته معنى الحياة والتآلف وبناء المدنية، وهذا المقال لا يستعرض الفضل العماني في الجانب التاريخي، أو السياسي، أو الثقافي، أو المعماري في حضارة الجزيرة العربية أو العالم العربي والإسلامي فذلك شأن عظيم له جهابذته في الطرح والتحليل، بل هي جُملة من الأسئلة التي تحاول أن تصل للمواطن الخليجي الكيّس الفطن فلا يزايد ولا يُبجِّل، كما أنه لا يستحقر ويستصغر إنجازات من دخلوا في دين الله أفواجا دون إراقة الدماء أو استباحة الحرمات، لابد أن تستثمر عُمان في حلحلة كثير من القضايا العالمية بما تمتلكه من ثروة فريدة بقيادتها النادرة وشعبها الرصين، وما يطلبه المواطن العماني هو قليل من الإنصاف والكفِّ عن بعض تصريحات المراهقين والمغلظين الذين يحاولون التسوّل للحصول على الشُهرة على رقاب بعض القطعان؛ فعُمان كانت ولا تزال وستبقى تلك الجوهرة الناصعة في عِقدِ الحياة الإنسانية الكريمة.

الفلوجة التي لا نعرفها

بعد سقوط بغداد في العام 2003 وأمام البربرية التي كانت تشنها قوات الغزاة في العراق من قتل وسلب وتدمير واستحقار لكرامة الإنسان وقدح في قدسية الوطن؛ انتفض ثلة من أبناء الفلوجة (مدينة المساجد) والتي تتمتع بكثرة منابرها ضد وجه هذا المارد الفاحش بالغطرسة والتنكيل (الأمريكان وزبانيتهم)، لتنقضي تلك الوقفة الاحتجاجية بنهاية مأساوية راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء والتي رفعت من وتيرة الشحن المعادي لوجود هؤلاء "العلوج" – كما سماهم وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصَّحاف – وتجسد ذلك الغضب في إسقاط مروحية "شينوك" العسكرية والتي قتل فيها عدد من الجنود الأمريكيين، وفي العام 2004 كانت الشرارة التي أثارث الغضب الأمريكي الذي شن حربا ضروسا ضد كل ما هو حيٌّ في هذه المدينة والتي تبعد حوالي 60 كيلومترا شمال العاصمة بغداد؛ إذ استطاع فتية من أبنائها أسر أربعة من مرتزقة شركة "بلاك ووتر" وسحل جثثهم في الشوارع وحرقها وعُلّقت على جسر يُطل على نهر الفرات كدلالة غضب ورفض لاستباحة العراق من قبل الغزاة وأذيالهم.
حينها تدخلت الشركة بكل عدتها وعتادها لحفظ ماء الوجه وهي مصدومة بهكذا جرأة وغِلظة قلب يملكها هؤلاء الفتية في هذه المدينة التي "لم يعرفوا" خلفياتها التاريخية والعسكرية، فأعلنت الحرب عليها "المعركة الأولى" من خلال القصف المتواصل واتباع سياسة الأرض المحروقة وتبرير ذلك بأنه "ردت فعل طبيعية"، بعدها استكانت الأمور لبُرهة من الزمن لتُعلن قوات الغزاة أنها تُحضِّر "للمعركة الثانية" في سبيل "تركيع" المدينة وارجاع ولائها وطاعتها لولي الأمر "شرشبيل"، فقامت وبمعية الحرس "الطائفي" بقطع الماء والكهرباء والإمدادات الغذائية والدوائية وبدأت بحرق المدينة بكل ما أوتيت من قوة لمدة خمسة أشهر متواصلة تناوب الليل والنهار على استقطاب كميات مهولة من البارود والموت والدخان والدماء وروائح احتراق كل ما هو حي وإمطار المدينة بالقنابل الفسفورية المحرمة دوليا وقنابل "النابالم" شديدة الاحتراق، ناهيك عن تدمير 90% من البنية الأساسية للمدينة – حسب تقارير رسمية حكومية – من المستشفيات والمدارس والمعاهد والمساجد وغيرها وكل ذلك أمام مرآى ومسمع العالم ومن هذا الحضور في هكذا فلم دموي كان السادة العرب ونظيرتهم إيران في المقدمة دون أن يكون لهم أي حراك ملموس!
بقيت الفلوجة صامدة في وسط هذا الزحف العسكري المخيف والذي لا تحتمله دولة فكيف بحجم مدينة؟، وظلت تلك المناوشات منذ العام 2003 وحتى 2007 بين "حيص وبيص" في من يكسب الرهان؟، فالفلوجة ظلت تقدم مقاومتها من خلال نعوش الشرفاء الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن مجد العراق العظيم الذي باعه العرب في سوق النخاسة لمرتزقة الأمريكان وايران ومن على شاكلتهم، بينما ظلت فوهات البارود تقصف الحياة في هذه المدينة تارة باسم "تحريرها" وأخرى "لطرد الإرهابيين" وتارة "إرجاعها للحكومة المركزية"، وقد أنعشت هذه التصرفات جيوبا كانت نائما، وحركت المياه الراكدة منذ العام 2014 والتي عرفت لاحقا بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لتبدأ مرحلة جديدة من التنكيل والمكيدة نحو هذه المدينة والتي نشهد حرقها من جديد في هذه الأيام من قبل الحشد الطائفي وبعض مرتزقة الجيش الذين يَسِيمُون بأنفسهم بحماة الوطن، والتي كان آخرها تعيين عدو العراق اللدود "قاسم سليماني" مستشارا لحكومة العراق الجديدة!.
يبدوا أن حب الانتقام من محرقة "بلاك ووتر" لا تزال جاثمة في قلوب وعقول الغزاة، ولا يزال حب رد الكيل بالمكيالين على أشده، والأخطر من ذلك هو استبدال جلود الانتقام من الأمريكي إلى الحشد الطائفي وبتدخل سافر من كان طرفا في حرب الثمان سنوات وديدنه في ذلك انتهاج ثقافة "كش ملك" دون الالتفات إلى "ارحموا عزيز قوم ذل"، ها هي الفلوجة من جديد تعود للمشهد العراقي والعربي بدموية أكثر وبعنهجية أشد، الأمريكان اكتفوا بتوفير التغطية الجوية وهم يرفعون تقاريرهم جهارا نهارا عن انتهاكات طائفية محضة توثِّقها التقارير الدولية والصور وشهود العيان، ها هي الفلوجة تضرب موعدا مع الموت والتهميش والتدمير وحرق الحياة فيها من جديد، ها هو "قاسم سليماني" ــ مهندس ــ إيران الأول في تدمير العراق يدخل المدينة عنوة بدعم أبناء العراق في الدم وأبناء إيران في الولاء الطائفي النَّت، هو اليوم – أي سليماني - بشهادة إبراهيم الجعفري – وزير خارجية العراق الكرتوني ـــ مستشارا رسميا لحكومة العراق فهل من معتبر؟!
الفلوجة حتى اللحظة لم تسقط في يد المعتدين لكنها لن تصبر بقدر ما قدمته من تضحيات تدافع عن كرامة العرب والعراق الأصيل، قد يقول التاريخ أن الفلوجة التي فتحها خالد بن الوليد في 12هـ في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – استطاعت دحر العثمانيين من قبل، ومن بعهدهم الإنجليز الذي عمدوا للانتقام منها بعد مقتل أشهر ضباطها "جيرارد ليجمان" بيد أحد شيوخها إلا أنهم تركوها خائبين، وعلى الرغم أنها استطاعت أن تكون جسر دفاع مستميت عن كرامة العراق وخلال سنوات الاحتلال الأربعة عشر عاما هل تستطيع أن تقدم الأكثر أمام السلاح الطائفي الشرس الذي لا يتق الله في دينه أو وطنه، والسؤال العريض الذي نطرح هنا: من يتحمل فاتورة استباحت الفلوجة في ظل تمكين القيادات الإيرانية في المؤسسة المدنية والعسكرية العراقية؟.
حفظ الله العراق وأرجعه منيرا مستنيرا بحضارته وعراقته ومكانته في البيت العربي المتهالك  

اجتماع الدَّوحة واستعراض العضلات

يُقال: "من لم يتعلم من التاريخ يؤدبه الزمن" يبدو أن الساحة العربية  وما جاورها على موعد من سعير فيما ستؤول إليه المرحلة المقبلة في ظل الفشل المخيب لاجتماع الدوحة بالدول المنتجة للنفط وعلى رأسها أوبك، ويبدوا أن الصراع السياسي – حسب الظاهر- أضحى جليّا بين الفيلقين السعودي ولفيف من بعض دول المجلس والدول الإسلامية  وبين الفيلق الإيراني المدعوم من روسيا وبعض الحلفاء المقربين جدا بما تقدم إيران من قفزات سياسية واقتصادية وعسكرية بُعيد رفع الحظر الدولي عنها، والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: ما هو السيناريو المحتمل بعد فشل اجتماع الدوحة؟، ثم لماذا فشل هذا اللقاء الذي عُقدت عليه آمال كثيرة لعلاج جراحات أسعار النفط بعد شُلَّت اقتصاديات ورفاهية شعوب كثير من دول العالم وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي والتي لا تنتج إلا النفط فقط؟!
  دعونا نرجع للمربع الأول حينما بدأت تتشكل ملامح التحالفات السياسية والعسكرية إبان اندلاع الثورة السورية في ظرفية جعلت لإيران - وهي الدولة الصاعدة وبقوة- أن تتقلَّد زمام الحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بالعراق وسوريا وجنوب لبنان وتعبث بأمن اليمن وزعزعت النسيج الاجتماعي والثقافي البحريني ناهيك عن بث روح العدائية الشرسة تجاه دول المجلس وعلى رأسها السعودية -على حد تعبير البعض- ، وأمام كل هذه الحيثيات المتسارعة وجدت إيران تحالفا حقيقيا وواقعيا في الساحة السورية عبر المقاتلات الروسية التي انتهجت سياسة الأرض المحروقة بامتياز، علاوة على أن الإشراف الإيراني في المناوشات السورية لم يقتصر على بعض الوحدات التابعة للحرس الثوري الإيراني بل كان إشرافا مباشرة من القيادة العسكرية العليا من خلال إرسال جنرالات وضباط وخبراء لهم ثقلهم في حسم الأمور وتضييق الخناق على ما يعرف بالجيش الحر أو جبهات المقاومة ضد النظام، إلا أن كل ذلك كان يجري تحت ضوضاء الدعوة للوفاق الوطني والسلام، وتقريب وجهات النظر، وضرورة تحكيم صوت الحكمة عوضا عن البارود والموت، وما ذلك إلا دليل قاطع على النضج الإيراني في التعامل مع المصالح العليا للجمهورية أيا كانت الدوافع سياسية أم مذهبية أم عرقية وقومية وكل ذلك كان ينقص يوما من عمر بعض الدول العربية التي كانت ترى من نفسها صاحبة القرار السيادي.
لكن بالمقابل ما الذي قدمه العرب وبالأخص الخليجيون بقيادة المملكة العربية السعودية في كل هذه المعمعة؟، هل تبنوا برنامجا سياسيا إصلاحيا توافقيا يبني لمرحلة جديدة يسودها الثقة المتبادلة؟، هل تبنى "مليارديرية" العرب قرارات بالاستثمار في الشام والعراق نحو تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص وظيفية للمواطن السوري والعراقي واليمني تحدُّ من البطالة وصدأ العقول بالأفكار الشاذة الماجنة من سماسرة الدين أو الدنيا؟، هل عملت الحكومات المعنية بالملف اليمني - على سبيل المثال  بحكم الجوار- على تقوية نسيجه الاجتماعي وبناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للحدّ من تسول العقول وهجرة الشباب نحو مواطن الموت والضلال الذي تجذبهم إليه "داعش" وأخواتها؟، ثم أين هي اليد الطولى للعرب للحد من النزيف العراقي منذ عقد ونيف؟، وما هي المبادرات التوافقية والإصلاحية التي قدمها الخليجيون بشكل خاص والعرب بشكل عام للقضية السورية منذ خمس سنوات وإلى الآن؟، وأخيرا حينما يمتطي الجندي الخليجي جواده وكأنه الفاتح العظيم هل تمت دراسة أدبياته ومرجعيته الثقافية والاجتماعية  ومدى استيعابه للإنسانية والمواطنة والمسؤولية تجاه العمل الذي يقدم عليه أم أن الأمر لا يعدوا سوى خذوه فغلّوه؟!
يبدوا أن الصراع السعودي- الإيراني في تصاعد مستمر، وأن المنطقة على كف عفريت تترقب استعراض عضلات من يُغرق السوق بالذهب الأسود بعد الفشل المخيب – كما نعته الرمحي وزير النفط العماني-  لاجتماع الدوحة في سبيل من يسبق بقول "كش ملك" بين الطرفين "المتزاعلين"!، بالمقابل نجد أن أكثر المتضررين من هكذا تصرفات "ارتجالية" هم أهل الخليج؛ فلا يخفى على ذي بصيرة أن الرفاهية التي كان يتمتع بها المواطن الخليجي أضحت في مراحلها الأخيرة، كما أن الحكومات بدت تضيق ذرعا من سياسة التقشف والتي من خلالها تسحب بساط العيش الرغيد من تحت أقدام المواطن الذي قد ينفجر عليها في أي لحظة، ثم هل البيت الخليجي قادر على مقارعة الاقتصاد الروسي المتين أو الإيراني الصاعد مع وجود ولاءات اقتصادية واجتماعية ومذهبية في قعر داره؟، وما هو سقف الفاتورة التي يمكن أن تتحمله الميزانية الخليجية في حروبها "غير المسؤولة" في ظل انتهاج الطرف الآخر سياسة حرب الاستنزاف؟

نحن لسنا بحاجة إلى فتح جبهات عراك وقتال تعيدنا للجاهلية الأولى، بل هو وقت التحالفات الدقيقة في سبيل أن نكون رقما اعتباريا  في خارطة العالم، فلن يتجرع آلام الاستعراض الحربي ماليا واجتماعيا وثقافيا سوانا فلماذا لا نقرأ الأمور بروية ونحدد موقعنا بدقة؟، فإيران وإن اختلفت الآراء حولها هل هي صديق أم عدو إلا أنها تعلمت من التاريخ في تحقيق مصالحها ودوافعها وحتى آلية انتقامها الموجع بصمت ظاهره السلام وباطنه الآلام وحق لها ذلك لأنها باختصار تقول :"ها أنا ذا فأين أنتم"، نحن بحاجة إلى أن يلتم مجلس التعاون الخليجي حول مصالحه العليا ومصالح العرب دون الولوج في رحم العنتريات الهُلامية، نحن نملك ما نريد لكن ينقصا أن نفكر كيف نستثمر ذلك في البناء والتطوير الحضاري والسياسي والاقتصادي في العراق وبلاد الشام واليمن والبحرين ومصر وغيرها.