الاثنين، 15 أغسطس 2016

"إذا الشَّعبُ يَوماً أَرادَ الحَيـاة"

من لا يستحق الديمقراطية لا تحقُّ له الحياة الكريمة، ومن ينسف إنجازات وطنه لحُفنة من أفكار بالية أو أجندة خارجية رخيصة فليس له مُقام عند الأحرار، يُذكِّرنا التاريخ الحديث أن جُلَّ الانقلابات العسكرية كانت شبه ناجحة لأنها تُبنى على جسِّ نبض الشارع وتكدُّس أخطاء الحاكم بما لا يدع له مقام للرحمة والشفقة ما لو انقلب السحر على الساحر، لكن من الغريب جدا أن يكون هناك زخمٌ كبيرٌ من القادة العسكريين بمختلف الرُّتب والمناصب وممولين بأنهار متدفقة من المال والسلاح استطاعوا بين غمضة عين وانتباهتها أن يسيطروا على مفاصل الدولة وما هي إلا بُرهة من الزمن حتى انقشع كل ذلك الضجيج بمجرد مكالمة فيديو مسجلة يبثّها رئيس الدولة لشعبه!، نعم حصل ذلك في تركيا الديمقراطية حيث الإبداع والحرية والإنتاجية والتطور والنمو المتنامي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وقبل ذلك ثقافة الديمقراطية الحقيقية بين أفراد المجتمع وتلك ثروة لا تقدر بثمن.
"أردوغان" هذا الرجل الذي شغل العالم بإنجازاته الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والعسكرية وشغلهم كذلك في إخفاقاته السياسية الخارجية والداخلية – كما يراه البعض- ، كثير من المسؤولين العرب والغرب راهنوا على زعزعة عرش السلطان الثاني عشر لتركيا الحديثة، وكثير هم "العواذل" الذين اصّطفُّوا خلف شاشات التلفاز مُهللين ومُكبرين وساخرين من هذا الرجل الذي شعروا ذات يوم أنه ثقيل على صدروهم لأنه – حسب تعبيرهم – لا يخدم المصالح العربية (إن وجدت أصلا مصالح عربية)، وأذكر أنني حينما كُنت أناقش أحد الزُّملاء أن تأييد الانقلاب العسكري هو خطأ جسيم باعتبار أنه تقويض للديمقراطية التي سعت الدولة غرسها في المجتمع ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، فقال لي بالحرف الواحد "تريث قليلا من الزمن يا سُلطان فعهد أردوغان قد ولَّى وسيحصد نكاية ما زرعه!"، وما هي إلا دقائق حتى نزل الشارع كالمطر المنهمر ليملأ ميادين تركيا المختلفة وهم يهتفون باسم الحرية والديمقراطية، وأصبحوا كطير أبابيل ترمي الحجارة على رؤوس جبروت العسكر حتى لا تكون تركيا هي مصر أو ليبيا أو العراق العربي.
انقسم المجتمع العربي بمختلف أطيافه بين مؤيد ومعارض لما حصل؛ لاعتبارات متباينة منها ما يتصل بشخص أردوغان أو اتجاهاته الفكرية والدينية وفي ذلك نستشهد قول نائب رئيس شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان: "لو يحدث في الخليج العربي أي عمليات لجماعات الإخوان، فإن أول نصير لجماعة الإخوان سيكون أردوغان، فهو لا يخدم الأمن القومي العربي" – وأتساءل عن ماهية الأمن القومي العربي الذي يعنيه؟-، ومنها اعتبارات سياسية من خلال ممارساته العسكرية في سورية والعراق أو غيرها، لكن الشاهد في الأمر هو هذه الصورة الدراماتيكية العجيبة التي نادرا جدا ما تحصل في العالم حينما يكون الانقلاب مدفوعا ماديا ومعنويا من أقوى دول العالم ويقوده عدد من رجالات العسكر النافذين بهذه المؤسسة والتي تمثل خط الدفاع الأول للدولة وأمام كل ذلك يقف المنقلبون عاجزون أمام تدفقات الشعب الذي يلفظهم، وما هو سر الالتحام الشعبي المباشر بين رسالة القائد بالنزول للشارع وهذه الاستجابة السريعة بتدفق الملايين، فهل يدل ذلك على دكتاتورية الرئيس وتسلطه وظلمه كما زعم بعض العرب الأشاوس؟!، ويُقال من أراد أن يباهي بعظمته أمام الأقزام عليه أن يجعل على صدره وساما كتب عليه:
ليس الفتى من يقول كان أبي**إن الفتى من قال ها أنا ذا
وهنا نطرح سؤالا كبيرا إلحاقا بما جرى: فما الذي جرَّ ملايين الأتراك من معارضين ومؤيدين للاصطفاف خلف هذا الرجل ليتقاطروا دفاعا عنه من كل فجِّ عميق؟، وقبل الإجابة عن هذا السؤال أطرح قصة حول أحد الإعلاميين العرب حينما سأل مواطنة تركية علمانية لماذا نزلتِ للشارع وأنت ضد الرئيس؟، فقالت: "أكره أردوغان لأنه يدافع عن الحجاب والمعتقدات الإسلامية، لكنني نزلت دفاعا عنه لأنه علَّمنا معنى الحرية والديمقراطية المدنية، ولأنني قبل حكمه كنت أزور والدتي فالشهر مرة واحدة بسبب الطريق والآن أزورها مرة فالأسبوع، ولأن أبنائي عشقوا التعليم والمعرفة بسبب تشبثه بتطوير التعليم، ولذلك سأدافع عنه"، وذلك يدفعنا للتساؤل: ما هي الإنجازات التي قدَّمها أردوغان للشعب التركي ليعشقوه حتى الثّمالة ومستعدون للدفاع عنه بكل ما يملكوه؟!.
 بالرجوع إلى تلك الإنجازات نجد أن هذا الرجل استطاع انتشال الاقتصاد التركي من وحل الركود إلى الانتعاش حيث كان أعلى معدل لقيمة الصادرات التركية للعام المنصرم إذ وصلت 152 مليار دولار بمعدل 10 أضعاف ما كانت عليه قبل توليه الحكم، كما تقدَّم ترتيب تركيا العالمي في منظومة الاقتصاد الدولي من المرتبة 111 إلى 17، وكان معدل دخل الفرد السنوي قبل توليه الحكم 3.5 ألف دولار ليرتفع في عهده إلى 10.5 ألف دولار، وفي العام 2011 قامت حكومته بسن قانون الأقليات المسيحية واليهودية لإرجاع الحقوق لها بعدما تم مصادرتها عنوة في العام 1930م، وعمل على إعادة قيمة الاستثمار العقاري من 0.05 إلى 2 مليار دولار، واهتم كثيرا بالتعليم فهو ركيزة الدولة وعماد قوتها واقتصادها فرفع ميزانية وزارة التربية والتعليم من 7.5 إلى 34 مليار ليرة تركية في العام 2011، وأعلن في العام 2008 عن مجانية التعليم وإرجاع المطرودين والمفصولين للتعليم بل جعله إلزاميا بين 8-12 سنة، وعمل على استقلالية الجامعات في كل محافظة ليرتفع معدل الجامعات بعدما كانت في عام 2002 حدود 98 جامعة لتصل في العام 2012 إلى 186 جامعة، ورفع عدد المطارات بالجمهورية من 26 مطارا حتى وصلت بنهاية عام 2015 إلى 50 مطارا، وفي خلال ثمان سنوات وبالتحديد ومنذ العام 2009 وأثناء تقلّده المناصب السياسية من رئاسة الوزراء وحتى رئيس الجمهورية استطاع مد السكك الحديدية على مستوى عالمي عالٍ بامتداد 5500 كم، كما بدأ في العام 2004 ببناء أضخم وأطول نفق مغمور بالمياه على مستوى العالم بطول 9 كم تحت مضيف البسفور، وأمام كل هذه الإنجازات الداخلية والسجل الحافل بالعطاء يتساءل السادة العرب لماذا الشعب التركي يناصر أردوغان!، وهم يقرؤون أبيات أبي القاسم الشابي:  
هــو الكــونُ حـيٌّ يحـبُّ الحيـاة           ويحــتقر المَيْــتَ مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ        ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
الكثير من السادة العرب يعيبون على أردوغان تدخلاته السياسية الخاطئة في الوطن العربي وتحالفاته مع الكيان الصهيوني ويغضون الطرف عن تحالفاتهم مع هذا الأخير اقتصاديا واستخباراتيا، يتناسون أن التجربة التركية كان محكّها صناديق الاقتراع النزيهة وليس خزعبلات الكلام المعسول "بالروح بالدم نفديك يا رئيس" أو أفكار بالية أو التصويت تحت قبضة النار والحديد، هكذا هي ديمقراطية الشعوب المسؤولة تدافع عن حقها في الحفاظ على الإنجازات الوطنية لا التشبث بالكرسي وهو يعلم أن شعبه يلعنه جهارا نهار وليلا ونهارا، فما يكون الحل في ذلك إلا تدمير الوطن بكل إنجازاته على العباد، لتظل جوانحُ المواطن العربي تتساءل كما قالها أبو القاسم الشابي:
تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ؟ *** وسِــحْرُ المسـاء؟ وضـوء القمـرْ؟
                            وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق؟ *** ونحــلٌ يغنِّــي وغيــمٌ يمــرْ؟
                            وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ؟ *** وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ؟

البُكاءُ على اللبَّنِ المسكوب!


يبدوا أن المشهد العربي عموما والعراقي على وجه الخصوص بدأ يُفرز في الفترة الأخيرة غُثاء التدخلات الأجنبية في العمق السياسي العربي بما يُحقق المصالح "الدراكولية" تجاه معالم الحياة والمدنيَّة، ويبدوا أن المشروع العربي القومي أضحى أكثر ضبابية وهشاشة مما كان عليه سلفا، والمتتبع لمستنقعات الدم المهراقة في بلاد الرافدين بعد مجزرة "الكرَّداة" التي حصلت مئات الضحايا وبعد الإعدامات العشوائية التي قادها أشباح الجيش العراقي وقوات "جحش" في الفلوجة واستعدادهم لمذبحة الأنبار، كل ذلك بدأ يُكمل أجزاء الصورة المبعثرة حول مستقبل العراق الذي لا يزال يستنشق البارود والجاهلية الأولى.


بالرجوع إلى العراق وبالتحديد في الثلاثين من مايو 1990 وقبيل دخول الراحل "صدام حسين" للكويت - والتي أصبحت شمَّاعة لنسف أحد أبرز أعمدة الحضارة الإنسانية والإبداع الفكري والعلمي-  نشاهد وفي فيديو "موثَّق" عبر الإنترنت أن الرئيس العراقي كان يمدُّ يده لأشقائه العرب نحو إنقاذ بلدهم الحضاري من محرقة انهيار الاقتصاد العالمي؛ بسبب إغراق السوق العرض عن الطلب والذي هوى بأسعار النفط إلى ما دون السبعة دولارات وكان مرشحا للانخفاض أكثر من ذلك؛ وذلك بدوره كبَّد العراق خسارة مليار دولار يوميا في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني من تبعات حرب الثمان سنوات التي خاضتها مع إيران (1980 -1988) بدعم وتمويل وتشجيع خليجي خالص خشية من تصدير الثورة الخمينية آنذاك، لكن كل تلك الدعوات لقيت آذانا صماء ليُقدِّم الرئيس الراحل بعد ذلك طلبا لخادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز في عقد قمة عربية استثنائية على مستوى رؤساء الدول لمعالجة المشكلة، فجاء الرد السعودي بعقدها على مستوى وزراء النفط فقط ليتمخض الجمل فيلدُ من الأمر فأرا، حينها قدَّم العراق اعتراضا لوزير خارجية السعودية الراحل سعود الفيصل بأن الأمر يبدوا كمؤامرة كيدية لضرب العمق العراقي من خلال تخفيض أسعار النفط وإغراق السوق بالذهب الأسود وبالأخص من الإمارات والكويت والعراق وصل إلى درجة من الضغط الذي لا يتحمله وربما يدفعه لاستخدام وسائل أخرى، فجاء الرد السعودي خاويا بأن التوجه القومي البعثي في العراق غير مرحب به، وأن نهايته كنهاية عبدالناصر والاتحاد السوفييتي وغيره من الحديث والذي اعتبره العراق من باب الشماتة والاستخفاف به، فكانت الشرارة التي وجَّهت مدافع العراق للكويت وكانت على تخوم السعودية لولا تدخلات الغرب بقيادة أمريكا وإدخال العراق بعد ذلك في مفترقات طرق انتهت بغزوه عام 2003  تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل وما تلاها من المذابح والتي نشاهدها الآن مرورا باعترافات "توني بلير" مهندس التدخل الإنجليزي في الغزو وقوله :"أعترف بكل أسف أن غزو العراق كان خطأ كبيرا خدعتنا به الاستخبارات الأمريكية، ووجود صدام حسين في العراق كان أكثر استقرارا وأمنا للعالم وللعراق نفسه بدلا من الحروب الأهلية والمذهبية وأنا أتحمل تبات تدخل بريطانيا في الحرب"، لكن الغرب ينطبق عليه المثل القائل "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" إذ تكرر نفس السيناريو في ليبيا وفي سورية مع اختلاف المكان والزمان والتفاصيل.


وبعد اغتيال الرئيس العراقي السابق وتغييبه بالموت عن المشهد السياسي بدأنا نقرأ ونسمع عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بين الفينة والأخرى أن من حطم تمثال الرئيس أو من رقص مجونا أو فرحا بعد اختطافه او اغتياله أصبح يعضُّ بنانه من الحزن والأسى على عزٍّ قد مضى، وبدأنا نسمع أن العراق أصبح ولاية إيرانية – ولا أحد ينكر التدخلات الإيرانية السافرة في العمق العراقي- ، كما بدأنا نسمع أن الجيش العراقي الذي كان في عهد (الطاغية) – كما يسميه البعض والذي تبوأ المرتبة الخامسة  عالميا والأولى عربيا في عهده -   أضحى وبعد التجربة الديمقراطية الأمريكية لأكثر من ثلاثة عشر عاما لا يقوى على اتخاذ قرارات سيادية وتكتيكية قبل التمشيط من قوات "جحش" والتي تدخل المدن بنزعة مذهبية أو عرقية أو تحرق الأرض باسم الهوية، والسؤال الأهم من ذلك وعلى الرغم من اختلافنا مع القيادات السياسية في الوطن العربي ومع انتماءاتهم حيث مصالحهم الشخصية هل نريد إسقاط المشهد العراقي على بقية أقطار الوطن العربي؟، اليوم لا نملك قوى توزان أو ثقل وطني وقومي يدافع عن مصالحنا وهويتنا أمام عمالقة العالم فلِم نرتجِي خلق جراثيم فكرية وأيديولوجية تستبيح الحياة حيثما وجدت؟

البعض قد يفسر أن هذا المقال ما هو إلا بكاء على اللبن المسكوب أو دفاع عن رئيس حكم وقضى أمره – ولكل شرعة ومنهاجا – لكن من الضرورة بمكان أن توزن الأمور كما هي، فإن كان جحيم صدام أو بشار أو القذافي أو البشير أو غيرهم يبعث للإبداع والعلماء والمبتكرين حياة واقعية فهو أرحم من نعيم فوضى هلامية، وحديثي عن الراحل صدام حسين كان من باب المثال لا أكثر فنحن لا نعرف ما سوَّقه الإعلام عنه حول مجزرة حلبجة، أو حرب الثمان سنوات، أو غزو الكويت، أو حتى عن تفاصيل غزو العراق واغتيال الرئيس، لكننا نشاهد الواقع والمؤشرات والتي بدروها تُنبئنا عمَّا كان عليه الوضع وما آلت إليه الأمور، العراق اليوم أضحى مستباحا حضاريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا وفكريا ممن كانوا أعدائه بالأمس، وأصدقاء العراق بالدم واللغة والدين وأعدائه  بالفكر أصبحوا مُطوَّقين بأقزام الأمس فأين السبيل ؟!

لكُم كُل الوِدّ