الأربعاء، 7 يونيو 2017

أَتــَسْـتَـفتـُـونَنِيْ وَفِـيْكُـمُ تَـرَامْـب؟!

يبدو أن التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية بات يوحي باشتعال الرأس شيباً، وبالمقابل نجد لوحة فنية بديعة للأنامل الروسية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ويبدو أن صراع الكبار بدأ يضع أوزار الحرب الباردة على صفيح من نار، فأمريكا التي زغردت وزمجرت للثأر سياسياً وعسكرياً وسيادياً ممن تراهم براثن البشرية ولعنة ديمقراطيتها بدأت اليوم تهيم على وجهها في مستنقعات حالكة وكأنها ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، فقبل أيام أعلن ريكس تيلرسون - وزير الخارجية الأمريكي- أن بلاده بحاجة إلى استراحة محارب؛ لتقييم مسار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التي أكلت البشر والحجر لأكثر من ستة عقود ونيف من الزمان، في وقت كان دونالد ترامب يملئُ العالمُ ضجيجاً بأنه مصباح علاء الدين السحري للبتّ في هذا الحمل الثقيل الذي ترفّع عنه العرب وجعلوا الفلسطينيين وقوداً لنار الاحتلال، والمتتبع لحقيقة (الأوفر تايم) الذي أعلنه تيلرسون ما هو إلا دلالة على احمرار خد أمريكا من صفعات انهالت عليها من الكيان الصهيوني المتمثّل في نشر سرطان الاستيطان في القدس الشرقية وما بقي من أراضي (1967)، علاوة على المُماطلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تنتهجها سياسة بنايمين نتنياهو – رئيس الوزراء الإسرائيلي- والتي تُتقن لعبة استغلال الوقت لصالحها، وما أعلنه ترامب ما هو إلا استصراخ صقور وحمام الكونجرس أننا لا نملك من الأمر شيئاً.

وفي الملف السوري يبدوا أن إعلان الرئيس بشار الأسد بقائه في السلطة وفقا للدستور الجمهوري السوري بل ونيته في مرحلة سابقة  بالترشح للرئاسة– وهو الفائز لا محاله- يشكل صفعة أخرى لترامب في وقت حُشرت فيه أعيُن العَالم نحو فوّهات البوارج والطائرات والقاذفات إبان حكم سلفه أوباما وحينما كان وزير خارجيته السابق جون كيري حصان طروادة الذي قاب قوسين من رسم صورة أخرى للمشهد السوري على غرار المستنقع العراقي إبان غزو (2003)، لكن البراعة الروسية أقوى مما كان يتوقعها الأمريكان آنذاك والذي أوهَم وزير خارجيته بحسن نوايا الروس فجعله حملاً وديعاً في أحضان لافروف – وزير الخارجية الروسي-  وزبانيته؛ إذ كان الفيتو الروسي حرسُ الحدود لأي تدخلٍ عسكري في سورية، وحينما اجتمع الكبار والأقزام في "جنيف1" واتفقوا على أن يتم نقل السلطة سلمياً من الأسد إلى من يراه الشعب السوري ممثلا حقيقيا له، استطاع لافروف (بنفاقه) السياسي أن يلدغ كيري بلسعات مسمومة عبر إفشال الخطوات التنفيذية المزمع ترتيبها في لقاء "جنيف2" والذي خرجت فيه جميع الأطراف بخُفي حُنين، وظل الرئيس الأسد يُعلنها جهاراً نهاراً أنني أنوي الترشح لولاية رئاسية جديدة، مُتخطياً في ذلك كبرياء أمريكا التي أضجّت العالم بصراخها وعويلها، بينما نجد أن لافروف يحشو الغليون في مدوخه وهو يغرد: "نحن لا نتدخل في السيادة السورية" وكأن الماء البارد قد انسدل على وجه كيري الذي بدا يستصغر نفسه وكأنه مُهرَّجٌ مجنون بين عصى بوتين وجزرة أوباما.

وفي المشهد العراقي نجد أن حكومة ترامب تقف موقف المُتفرج عما تشهده البلاد من اثخان في جِراحاتها المزمزنة والمُفعمة بالتصفيات السياسية والحزبية والمذهبية لتعلنها للملأ "يجب أن تكون هناك نيّة صادقة نحو اللحمة الوطنية في العراق" دون أن يكون لها أي موقف إزاء التدخلات الإيرانية وبعض الحركات الدينية التي تقتل الحياة البرلمانية والديمقراطية فيه، في وقت يفجر ربيبهم المدلل لثمان سنوات سوداء في رئاسة وزارء العراق "نوري المالكي" مفاجأة من العيار الثقيل أن "داعش" وسقوط الموصل بيدهم في العام 2014 وهي المحصّنة آنذاك بثلاثة ألوية كاملة ما هي إلا صناعة أمريكية وباتفاقيات مبرمة.

وولوجاً إلى المشهد الأوروبي يبدو أن ترامب يتلقّى صفعات متواترة من الروس وبالأخص من موقف الأخيرة الحازم في القضيتين الأوكرانية والسورية، فنجد أن حكومة ترامب تكرُّ وتفرُّ نحو القضيتين بخطى مبعثرة يغلب عليها التقهقر والرجوع إلى سياسة العُزلة التي انتهجتها إبان الحرب العالمية، ومما يتّضح أن الأمريكان يشعرون بالغضب الروسي في هذه المنطقة، والدليل على ذلك الرد الأمريكي الباهت نحو استحواذ الروس على شبه جزيرة القِرم، كما أن التدخلات الروسية في البيت الأوكراني واضحة للعيان لكن الموقف الأمريكي والأوروبي يشي بخطورة الموقف نحو أي مُراهنات أو حماقات قد ترتكبها حكومة ترامب في ظل رحابة الصدر التي انتهجتها حكومة بوتين نحو العقوبات الاقتصادية وهي تعلنها بوجهٍ صبوح "لكم دينكم ولي دين" وبالمقابل تُهدِّدهم "كُل نفس بما كسبت رهينة"، وكأنها بذلك تفتح على الأخير رُدهات مُظلمة توحي بخطورة المجازفة في ظل التحدي الروسي الكبير.

 وفي المشهد الإيراني يبدوا أن الضبابية هي سيدة المشهد في وقت ترقّب العالم أن يُغلق هذا الملف بغطرسة رجل المال والاقتصاد الذي راهن عليه العالم بقوة شخصيته وصراحتها وجرأتها، لكن يبدو أن النفوذ الروسي يمتصّ الغضب الأمريكي من خلال المُماطلات و(التّقيّة) اللافروفية في الملف النووي الإيراني، وعلى الرغم من الوساطة العُمانية في ردء الصدع بين الأمريكان والإيرانيين إلا أن المماطلة الناجحة للإيرانيين تسير على خطى الروس بثقة واتقان، وأمام هذا الثقل الكبير الذي يلقيه الروس على صدر ترامب المتحرِّز حتى اللحظة في كثير من الملفات الساخنة قدِم إلى الخليج في زيارة هي أشبه بترقيع مشهدٍ متناثر في ظل صراع واستعراض القوى بين دول المجلس مدفوعة بمؤثرات خارجية، وكأن لسان حاله يقول هبوني المشيخة ودثّروني ببشتٍ مُطرّز بالذهب (أُلحّفُ) به جراح الروس في جسدي وأظهرُ شيخاً جليلاً وقوراً يتمتع بفقاعات سياسة فذّة كما ألفناكم في كثير من قضاياكم؟!

والمتببع لأبهة الاستقبال وحفاوة الضيافة وكثرة جموع المستقبلين لهذا الضيف الذي طالما غنى في مناظراته الانتخابية أنه سيحلب جيوب الخليج والعرب، جاء ترامب وهو يقود معه بنته الحسناء التي أستنهضت مشاعر الشعراء الذين أسدلوا عليها وابلا من قصيد الغزل والمدح بل وتم توظيف بعض المشاهد سياسيا واجتماعيا، حضر العدد الغفير وهم لم يحضروا في قمة عربية أو إسلامية بهذا الجمع الكبير، أكرموه وأنعموا عليه وأعطوه (المقسوم) على شكل صفقات أو هبات أو استثمارات، ومثل تكلك الحفاوة تنبئ أن العرب يرون في هذا (البوديجار) مارد علاء الدين لحل قضاياهم الكثيرة التي أزعجت وسببت لهم الصداع، هو لم يتحدث عن المشهد الإيراني والذي يبدوا أن الهدف الأساسي لكل هذا الاستقبال العربي، ولم يتحدث عن القضية الفلسيطينة والاستيطان وهي القضية المصيرية الأبدية في النضال العربي، ولم يتحدث عن الانتهاكات الصهيونية  والتي تقتل البشرية يوما تلو الآخر، فيبدوا أن العرب يجدون فيه قمة الحنان والعطف وهو الذي عُرف عنه دفاعه المطلق والحقيقي عن مصلحة بلده في المقام الأول كما أظهر ذلك في انتقاده للاتحاد الأوروبي أن أمريكا لن تدفع أكثر من الأعضاء فعلى كل واحد منهم مسؤوليته، لكن المتتبع يجد وكأن العرب جعلوه "شيخ المسلمين"، فلسان حالهم حينما تستفتيهم عن برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المرحلة القادمة إبان الرئاسة الأمريكية الجديدة يقولون لك: أتستفتونا وفيكم ترامب!؟.


تقبّل الله منكم صيامكم وصالحات أعمالكم،،،

تَسَاؤُلاَت مُوَاطِنٌ خَلِيجِيٌّ

"لا يعبرون أجوائنا ولا نعبر أجواءهم، لا يزوروننا ولا نزورهم، نقطع عنهم حدودنا البرية والبحرية ويقطعوا عنا ذلك، نسحب سفيرنا وممثلينا ويسحبوا سفيرهم، هم ليسوا منَّا ولسنا منهم"، بمثل هذه اللّكنة الغليظة نهش الإعلام (السعودي- الإماراتي- البحريني) لحم أختهم (قطر) دون إكراه، وبمثل هذه اللّغة الرّعناء اهتز عرش الاتحاد الخليجي الذي لم يولد بعد، فقد استيقظ المواطن الخليجي في العاشر من رمضان المقدّس وهو يسمع صافرات القطيعة تسير على مؤسسات جيرانه، كانت بدايتها انتقادات ثم توبيخ ثم قطعية حتى وصل الأمر إلى التهديد (بما هو قادم) ولربما تغيير نظام الحكم والتدخل العسكري كما بطّن ذلك أحد المسؤولين في هذه الدول الثلاث، ويبدوا أن الفاجعة الخليجية تُنبأ عن أحقاد دفينة بلغ الصبرُ منها مبلغه، وتُنذر عن غضبٍ عميق يتلظًّى ببعض القيادات في سبيل تغيير البيت الخليجي أمام التغيّر في الفكر السياسي والاجتماعي مع تقلبات المرحلة من ملفات ساخنة يتصدّرها حروب الاستنزاف والملف الإيراني وثقافة التبعيّة.

وبالرجوع إلى الشرخ الخليجي المُوغِل نقرأُ من ذلك الكثير من الرسائل والتساؤلات التي يمكنها أن تُبرر حقيقة الرفض العُماني – آنذاك – في عدم الولوج إلى الاتحاد الخليجي والذي بُني أساسهُ على مقاصد خارجية في المقام الأول يتقدمها تأسيس جدار منيع أمام التمدد الإيراني، فمن يُمعن النظر في دلالات هذه القطيعة يستنتج ويتساءل في آنٍ واحد بما يلي:

1. لا يوجد توافق خليجي حقيقي نحو المصالح الوطنية العامة، كما أن الاستراتيجيات القومية لها تُبنى على المواقف الارتجالية دون الدراسة والإمعان في التبعات اللاحقة، فأصل الاتحاد يُبنى على توافق الجميع دون النشاز عن هدف معين لأي عضو، فإن كانت هناك اعتراضات معينة تُدرس ويتم التباحث فيها للوصول إلى الغاية، لكن ذلك لم يكن موجودا في حرب اليمن، وسوريا، وليبيا، ومصر، فتجد أن المشاركات في هذه الأحداث تقوم على شراكات أحادية أو ثنائية دون الالتفات إلى مكوّنات الأعضاء الآخرين للمجلس.

2. من الملاحظ أن قيادة الاتحاد الخليجي يُراد لها أن تكون بالتوريث دَيْدَنُها كخلافة الحكم في الأنظمة الخليجية، ويتبيّن ذلك من اعتراض دولة قطر في الأزمة الحالية بأن تكون تابعا للسعودية وقراراتها؛ وفي ذلك إشارة إلى أنها تود أن يكون لها سيادة قرارتها ومواقفها في بيتها الخليجي والعربي والعالمي كما هو حال سلطنة عمان، ومثل هذه التصرفات هي ما أثارت الغضب الخليجي الثلاثي والذي اعتبرته (قطع يد الطاعة)، فالفكر القيادي السعودي يرى من نفسه الزعيم دون منافس لاعتبارات الأرض و الديموغرافيا والمال والسلاح والزخم الديني، بينما تجد دولة قطر أنها صاحبة سيادة ولا يمكنها أن تكون البحرين الثانية التي تتبع الآخرين حتى في الحديث الذي يُراد أن تقوله؛ لذلك نجد أن قطر اليوم تُبرِّر موقفها بأنها ترفض الوِصاية على وجودها ومستقبلها.

3. نُشاهد أن الإعلام الحر في الوطن العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص أصبح يفتقر للمهنية والحرفيّة وينحى اتجاه الحضيض والإرهاب؛ فمن يتابع إعلام الدول الثلاثة المقاطعة يجد وكأنها تتحدث عن النكسة العربية الكبرى في التفريط عن فلسطين والتحريض ضد الصهاينة!، فمن يتتبع الإعلام (الرسمي) يجد أنه يصنّف دولة قطر وكأنها "داعش" الذي يجب أن يُجْتَذَّ من جذوره، فتجد فيه الغثّ والسمين والذي يحاول أن يُسقط الغضب الرسمي إلى المواطن الخليجي وتحريضه تجاه القيادة والشعب القطري دون أي اعتبارات للثقافة، واللغة، والعادات، والتقاليد، والتاريخ، وفي ذلك مؤشر خطير لحقيقة الثَّقة الخليجية ببعضها البعض في المرحلة الآنية والقادمة.

4. السلوكيات والقرارات التي اتخذتها دول المجلس الثلاثة وربما بعض التابعين لهنَّ بدول عربية هي قاسية وغير محسوبة إطلاقا، وهذا الحجم من القطيعة يُنذر بأن الدول الثلاثة لا تريد إيصال رسالة لقطر بقدر ما أنها تود تركيعها وفرض الوِصاية القسرية، ومثل هذه السابقة في البيت الخليجي تُشعرنا كمواطنين أننا بحاجة إلى إعادة هيكلة النفوس قيادة وشعوبا، فقرارات ارتجالية يدفعها الحماس والمشاعر وحب الانتقام لا يمكنها أن تَبنِي مؤسسات التنمية الحديثة بدول المجلس إطلاقا، فإن دلَّ ذلك على شيء فهو بُراهنٌ حقيقي عن عمق الخلافات الخليجية البيّنية والتي ربما تكون الساحة العربية بعد حين حلبة صراع بينهم بالمال وتجييش العصابات والمرتزقة والتي ربما تضرب بعد حين الاستقرار الخليجي.

5. من الواضح جدا أن الدول الخليجية الثلاث ماضية نحو التصعيد وتحقيق الهدف، بينما نجد أن قطر تتحلى بسياسة الترويّ وإيجاد مخارج لها في سبيل تسيير أمور حياتها، بل أكبر من ذلك أن الأخيرة لم تسحب قواتها المشاركة في حرب اليمن على الرغم من إصابة ستة جنود من جيشها قبل اندلاع الأزمة بيوم واحد، فلمن الحكمة والعقل في هكذا مواقف؟

6. يتساءل المواطن القطري خاصة والخليجي عامة هل بالفعل قطر ترعى الجماعات الإرهابية وعصابات المترديّة والنَّطيحة والمغضوب عليهم في السعودية والإمارات والبحرين؟، وهل بالفعل كانت هناك خطابات بينيه لحل هذا الموضوع – إن ثبتة صحته -؟، هل البيت الخليجي بحاجة لهذه البهرجة الكبيرة لكي يناقش بعضه البعض وإعلامهم وعلى مدار سنوات طويلة يقرع طبول التآخي والتعاون والمحبة والدم الواحد وغيرها من الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، فهل نحن صادقين فيما بيننا؟

7. يبدوا أن الاتحاد الخليجي قائم على ضلعين منفصلين، الأول ثُلاثي يضم (السعودية، والإمارات، والبحرين)، والثاني يضمهنَّ جميعا (السعودية، والإمارات، وقطر، وعُمان، والبحرين، والكويت) فكيف له يبني قراراته ومواقفه ويعمل على تحقيق التنمية المستدامة للدول الأعضاء؟!

نرقبُ التَّغيرات والتطورات بعين الرجاء أن يعود البيت الخليجي أكثر قوة ومتانة فيما بينه، وأن يستوعب ساسته وشعوبه حقيقة الاتحاد الخليجي بكل ما يحمله هذا الشعار من معنى،،،

دمتم باتحاد ومحبة

الاثنين، 20 مارس 2017

مجموعة "عاشقُ القمر".. حديثٌ للرُوح

كقارئ قبل أن يَخطَّ قلمي الكتابة والمُتابعة للمشهد الكتابي العماني الأدبي، شعرتُ بركودٍ نقديٍ لإصدارات الكُتّاب العمانيين في المشهد الثقافي الأدبي إن لم يكن فقراً مُدقعاً لمُتابعة ومواكبة وتغطية الإصدارات الجديدة باستثناء بعض الومضات الخجولة ضمن فقرات معرض الكتاب الدولي فقط، والأهم من ذلك أن أغلب الكُتّاب العمانيين – وبالأخص الشباب-  يعملون بصمت وبعيدا عن الضّوضاء، فنجد أن إصداراتهم تلقى تغطية من معظم وسائل الإعلام العربية، فهم بذلك خارج السلطنة أكثر حضورا من الداخل وهذه قضية بحاجة إلى طاولة مُستديرة للبحث والتقصِّي، وعلى العموم فإن المشهد الثقافي يُبشِّر بالخير العميم؛  فأكثر الكُتّاب الشباب – قد أكون مخطأُ – يتّجهون نحو الاستقلالية والبحث عن النصوص الحقيقية والتجديد بعيدا عن التّنظيرات والبهرجة والتغطيات والابتسامات الصفراء.
 وفي هذا الإطار عملت بعض الصُّحف العربية قبل أيام بتغطية حول المجموعة الجديدة للكاتب العُماني "خليل خميس" والتي حملت عنوان "عاشق القمر"، هي مجموعة قصصيّة وتُعتبر الأولى له فجميع مؤلفاته السابقة عبارة عن روايات بداية من "بيعة الروح" و"ثلاثية الصمت" و"الفلامنجو يُهاجر من تلمسان" و "لن أحمل البندقية" و "إنتظار"، والمُتلمِّس لعنوان المجموعة الحالي يجده ينضح ومنذ العتبة الأولى بالرومانسية والرِقّة التي ستقود القارئ نحو حديقة غنَّاء مليئةٌ بالقصص المتنوعة والأفكار العديدة.
"عاشق القمر" من لا يُحب القمر؟ ولماذا اختار الكاتب القمر بالذات؟ ولماذا هذا الإصرار على تشبيه الحبيب بالقمر منذ القِدَم ؟ هل يقصد الكاتب القمر الحقيقي الذي نراه في السماء أم القمر هو الحبيب والخِّل ؟، أسئلة كثيرة وجدتُ نفسي غارقا فيها وأنا أتصفح المجموعة لأول مرّة، شعرتُ بأنني منقاد نحو عالم الكاتب عبر فضاءات نصوصه السبعة عشر: "في بئر العصافير" و"الرحلة الطويلة" و"ومضات من مُخيّمات اللجوء" و"تميمة اللَّاعودة" و"نهاية الأسطورة" و"المحارب النبيل" و"رحيل غامض" و Dominika)) و"مبدأ ومصلحة" و"المنحدرات الزَّلقة" و"كان لي وطن" و"شجرة النَّبق الكبيرة" و"نحو المجهول" و"نريدك أنت" و"عاشق القمر" و"ارتْحَلّوا" و"رسالة حُب بطعم الألم"، نلحظُ تنوعا وتجديدا في العناوين التي لا تخلو منها كل قصة على حده.
 يُشعرك القاصّ بجمال الانتقال بين التاريخ والواقع والفكر والفلسفة، بين الألم والفُكاهة والحُزن، مجموعة تضجُّ بالكثير من المتناقضات والجدل والغرائب؛ وفي ذلك إشارة إلى أن القاصّ يمتلك رصيداً واحترافية في مهارة تحويل تلك القضايا والوقائع إلى نصوص  تنبض بالحياة عبر نافذة  الحوار والتماهي الذاتي كما يظهر ذلك جليّا في قصة "المنحدرات الزلقة" و"عاشق القمر"، ولنأخذ بعض النماذج من نصوص المجموعة فمثلا قصة "في بئر العصافير" مزج القاصّ التاريخ بالواقع مع الفكاهة، فسالم الذي علاقته بقيد الأرض سلطان بن سيف اليعربي وما رافقها من معارك وتهديد لأحد قادة الغُزاة وما تم تداوله من رسائل تهديد بين الطرفين، حيث الفصاحة واللغة لم يكن في نهاية المطاف سوى غيبوبة طويلة فيها ذلك الحلم الذي ينتهي بضرب القائد البرتغالي الذي لم يكن سوى ممرضة هندية كانت بالقرب منه، لقد كانت نهاية مُضحكة وغير متوقعة لكنها بالغة الأهمية.
أما قصة "الرحلة الطويلة" فهي إحدى قصص التغريبة العمانية التي تتحدث عن الغربة وتوابعها؛ فجاءت توضّح ما قام به الأجداد من مشقة لكسب العيش، علما بأن القاصّ لديه رواية كاملة بعنوان "ثلاثية الصمت" تتحدث إحداها عن أيام الغربة العمانية قبل النهضة العمانية المبارك، أما قصة "نبضات من مخيمات البؤس" فلم تغب القضية الأولى والأساسية عن القاصّ والعرب جميعا وهي ألا وهي القضية الفلسطينية؛ حيث ينطلق من مخيم اللجوء والشتات "مخيم الرشيدية" إلى ميدان الإبداع والتميز، فتوضّح القصة أن لا حدود للإبداع والتميّز لدى الشعب الفلسطيني رغم المآسي التي مرّت وتمر عليه، وكانت نهاية القصة تراجيدية جدا؛ حيث ختم عارف حديثه - خريج المخيم- قوله: "إنه السجن الكبير الذي عشته وعاشه قبلي وتعيشه الأجيال الحالية"، فالقضية الفلسطينة حاضرة لدى القاصّ في قصة أخرى من الكتاب والتي بعنوان "Dominika" وهي قصة جميلة جدا بطرح ذكي وبأسلوب فذّ.
وأما قصة "تميمة اللاَّعودة" فجاءت ضمن مئات القصص التي يحاول بعض المُخلصين التغيير في واقع أوطانهم نحو الأفضل وبالطرق السلمية المعروفة، لكنه يتفاجأ بالجُدُر الأمنية التي يصطدم بها لتدور الأحداث والحوارات التي تبحث عن صيغة فلسفية وأًطر معرفية في العلاقة بين من يُنفّذ القانون وبين من يحاول إيجاد صيغة توافقية للخروج من أخطاء الواقع أو قُل بين تناغم التداعيات التي تثيرها المؤسسة المسؤولة عن تنفيذ القانون والطريقة التي يُحاول البعض التغيير بها إلى الأفضل، لكن للأسف كانت النهاية أن تم انسحاب الطرف الذي يحاول التغيير من هول الصّدمة ومرارة الواقع، وفي قصة "كان لي وطن" تدور أحداثها في ستِّينات القرن الماضي، حينما حصل الإنقلاب الدَّموي في زنجبار وما تبعه من مذابح وتهجير مُمنهج للعمانيين في شرق أفريقيا، فتتقاطر التراجيديا في هذه القصة وتمتلأ بالآلام والأحزان لما حصل من خلال قصة "زليخة" التي حملتها مراكب الهروب مُخلِّفة ورائها أبنائها وزوجها الذين قُتِلوا بدمٍ باردٍ!، ولتكون صيحتها وهي تودع ذلك الوطن: "تبَّاً لك أيُّها الوطن الذي لمْ نجدْ فيك سوى المكائد! فلا شيء فيك غير الموت الزُؤام!، لن يعود ربيعك بعد اليوم ولن تقم لك قائمة".

وأختم قراءتي لهذه المجموعة بما قاله الكاتب والروائي المغربي مصطفى لغتيري عنها: "قصصٌ تؤمن بالهُوية، وتعضُّ عليها بالنواجذ، وتجد أحياناً في التاريخ داعما قويا لهذا التوجه الذي ارتضاه الكاتب لبعض قصصه من خلال استلهام الأحداث".

الخميس، 9 فبراير 2017

مَا الّذِي يَجرِي فِي حَلَب؟!

يبدوا أن المشهد السوري عموما والحلبي خصوصا يشوبه الكثير من المُغالطات والتَّكهُنات يوازيه إسهابٌ غير مسبوق في التمثيل وصِناعة السيناريوهات الإعلامية المُتضادة، لكن وفي الإجمال يبدوا ومن خلال المُعطيات السابقة لتعامل النظام مع الأحياء المُعارضة له وبالأخص الريفية منها تغلبُ على تصرُّفه سُلطة البطش وانتهاج سياسة الأرض المحروقة، ولكن السؤال الذي يُطرح وبقوة في هذه المعمة: لماذا كل هذا السُخط على حلب وفي هذا التوقيت حيث بدأت سماء الوطن تضيق بأهله فتُرسل لهم "طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ"؟!
للإجابة عن السؤال السابق دعونا نلتفتُ قليلاً إلى المشهد العراقي فربما يمكننا إيجاد عامل الرَّبط بينهما مع فارق في الزَّمان والمكان وآلية التنفيذ، كما يُمكننا استيعاب ماهية ودلالة فرقعة الأصابع السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في الوحل العربي، علاوة على الوقوف بمدى خواء المشهد السياسي العربي مع تغيرات المرحلة وعدم إدراكها لمصالحها الجيوسياسية إطلاقا، كما أن في ذلك ضربة قاصمة للواقع التعليمي العربي الذي تجلَّت نتائجه من خلال ضياع عقيدة المواطنة والمسؤولية الاجتماعية لمجرد حفنة مصالح حزبية أو قبلية أو نعرات طائفية.
بالرجوع إلى المشهد العراقي وعبر انطلاق حكومة الدبابات وزبانيتها من الحلفاء عبر شمَّاعة  "تحرير الفلوجة" وما آل إليه الواقع من فضائع مؤلمة بقتل الحياة والمدنيَّة بحجة التخلص من دواعش الفكر وكواعش السياسة بأي وسيلة وإن قُلب عَاليِها بسافِلها – وذلك الذي حدث – والانتقال بعد ذلك إلى الموصل وبإيعاز ودعم منقطع النظير من أصدقائهم الأمريكان، وفي ذلك دلالة على هشاشة القوة الأمنية التي تمتلكها الدولة؛ فلا يمكن الثقة والاعتماد على نظام سياسي قيادي يحكم جمهورية عريقة وهو يمدُّ ساطور الذبح بين المواطنين الآمنين بحجة التخلص من شرذمة العصابات المبعثرة، بل كان حريٌّ ومن باب المسؤولية الأخلاقية للدولة تطويع وسائل التكنولوجيا مع حلفائها لتحديد المواقع والنقاط الاستراتيجية وإحكام السيطرة على المدن الرئيسية وتطهير البلاد من هكذا فيروسات إنسانية، لكن يبدوا أن "الأصدقاء" يسترخصون دماء الشعب وثروته الوطنية الدائمة عِوضا عن تكريس ما توصلت إليه التكنولوجيا، لتكون النتيجة جرائم حرب وتصفيات ممنهجة وتدمير مؤسسات الدولة ومعالم الوطن ولسان حال مجلس الامن الدولي " لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم!
لو سحبنا خيطاً رفيعاً مما يحدث في العراق  وبسياسة "خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ" نجد أن النظام السوري وبقيادة زعيمه الفعلي – بشار الأسد – وإيعاز من روسيا بدأ ينتهج سياسة الأرض المحروقة كما فعلها الأمريكان قبلهم في الفلوجة والموصل، فها نحن نتابع بين حينٍ وآخر أبابيل من القنابل والبراميل المتفجرة والقَّناصة وكل ما أوتيت به آلة الحرب من قتل؛ لتدُّك كل شبرٍ من حلب، فلا صوت يعلوا على صوت "الجيش"، ولا نبضٌ بالحياة إلا نبض العسكر، ولا ساكنٌ يتحرك قيد أنملةٍ إلا وشرارة الموت تلتهمه بشهيَّة مُفعمة، وكأن الروس – اللاعب الرئيس في سوريا – يُنابزون الأمريكان بإسقاط ما فعله الأخير في الضفة السورية ولسانُ حالهم من سيصرخ أولاً يخسرُ رهان الشرق الأوسط؟
بالمقابل نشهدُ انجراراً عربياً مُريعاً إلى كهنوت اللاهدف؛ فسياسيا لا يملكُ العربُ انسجاماً عروبيا موحدا بقوميتهم ونخوتهم لبعضهم البعض، ودينيا بدأ البعض ويكأنه في عكاظ الجاهلية يبيع خمراً من فتاوى المزاج مُتناسيا بَسَاطة دين نبيه الكريم الذي كان يخصفُ نعّلَيه، ويجمعُ الحطب، ويحلبُ الشاة، ويرحمُ الصغير، ويوقر الكبير، ويفترشُ الحصير، وينام وقد نال الجوع منه نيلا بليغاً، فأصبح البعض يثّأر لمذهبه وفكره ويستبيح وطنه وبني جنسه وهو عند الله صغير، واقتصاديا فالعرب لا يملكون عُملة موحَّدة، ولا توحيداً جُمركياً، ولا ترويجاً اقتصادياً فيما بينهم (الاستثمار) بل حتى في عمودهم الفقري للاقتصاد ونعني النفط لم يجرؤا على الوقوف مع مصالحهم حتى استنزف الأصدقاء جيوبهم وبدأوا يشحتوا حينها فقط اتخذوا قرارهم على استحياء بضرورة التقليل من الانتاج لرفع القيمة السوقية للذهب الأسود، واجتماعيا أصبح مواطنوهم يشعرون بالغربة في أوطانهم؛ فهجره  بعضهم ولسان حالهم "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت"، وأما تعليميا فنِتاجُ الواقع خيرُ شاهدٍ على مُخرجات النظام التعليمي العربي!
نحن لا نرسمُ صورة سوداوية للواقع العربي بقدر ما أننا نقرأ زوايا المرحلة لاستشراق وتوحيد المستقبل العربي المُمزَّق أصلاً، وما يجري في حلب ورُبما في مناطق قادمة لا يجمع الشمل ولا يحلُّ الإشكالية في سوريا بل يسوؤها أكثر من ذلك؛ والروس ومع توافق سياسة الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب" يحاولون استغلال الفراغ السياسي حتى يناير القادم بإفساح المجال لحليفهم "الشخصي" للشروع في مرحلة مدروسة بعناية وحِرَفيَّة، قد يتفق البعض أن بقاء الرئيس السوري الحالي هو "هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا " من جحيم الجاهلية التي يعيشها العراق وليبيا ومصر وبعض دول العالم الثالث، لكن من الضرورة بمكان أن لا يتم إسقاط الأرض المحروقة في الفلوجة والموصل على حلب وما يُحضَّر له في المرحلة المقبلة؛ فقد سأم الموت من أهل سوريا، وحان الوقت لمصالحة وطنية أساسها إخماد صوت الرصاص ووضع الوطن بين أهله وليس بين أحضان الأقزام والغُرباء.
دُمتُم بودٍ