الأربعاء، 7 يونيو 2017

أَتــَسْـتَـفتـُـونَنِيْ وَفِـيْكُـمُ تَـرَامْـب؟!

يبدو أن التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية بات يوحي باشتعال الرأس شيباً، وبالمقابل نجد لوحة فنية بديعة للأنامل الروسية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ويبدو أن صراع الكبار بدأ يضع أوزار الحرب الباردة على صفيح من نار، فأمريكا التي زغردت وزمجرت للثأر سياسياً وعسكرياً وسيادياً ممن تراهم براثن البشرية ولعنة ديمقراطيتها بدأت اليوم تهيم على وجهها في مستنقعات حالكة وكأنها ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، فقبل أيام أعلن ريكس تيلرسون - وزير الخارجية الأمريكي- أن بلاده بحاجة إلى استراحة محارب؛ لتقييم مسار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التي أكلت البشر والحجر لأكثر من ستة عقود ونيف من الزمان، في وقت كان دونالد ترامب يملئُ العالمُ ضجيجاً بأنه مصباح علاء الدين السحري للبتّ في هذا الحمل الثقيل الذي ترفّع عنه العرب وجعلوا الفلسطينيين وقوداً لنار الاحتلال، والمتتبع لحقيقة (الأوفر تايم) الذي أعلنه تيلرسون ما هو إلا دلالة على احمرار خد أمريكا من صفعات انهالت عليها من الكيان الصهيوني المتمثّل في نشر سرطان الاستيطان في القدس الشرقية وما بقي من أراضي (1967)، علاوة على المُماطلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تنتهجها سياسة بنايمين نتنياهو – رئيس الوزراء الإسرائيلي- والتي تُتقن لعبة استغلال الوقت لصالحها، وما أعلنه ترامب ما هو إلا استصراخ صقور وحمام الكونجرس أننا لا نملك من الأمر شيئاً.

وفي الملف السوري يبدوا أن إعلان الرئيس بشار الأسد بقائه في السلطة وفقا للدستور الجمهوري السوري بل ونيته في مرحلة سابقة  بالترشح للرئاسة– وهو الفائز لا محاله- يشكل صفعة أخرى لترامب في وقت حُشرت فيه أعيُن العَالم نحو فوّهات البوارج والطائرات والقاذفات إبان حكم سلفه أوباما وحينما كان وزير خارجيته السابق جون كيري حصان طروادة الذي قاب قوسين من رسم صورة أخرى للمشهد السوري على غرار المستنقع العراقي إبان غزو (2003)، لكن البراعة الروسية أقوى مما كان يتوقعها الأمريكان آنذاك والذي أوهَم وزير خارجيته بحسن نوايا الروس فجعله حملاً وديعاً في أحضان لافروف – وزير الخارجية الروسي-  وزبانيته؛ إذ كان الفيتو الروسي حرسُ الحدود لأي تدخلٍ عسكري في سورية، وحينما اجتمع الكبار والأقزام في "جنيف1" واتفقوا على أن يتم نقل السلطة سلمياً من الأسد إلى من يراه الشعب السوري ممثلا حقيقيا له، استطاع لافروف (بنفاقه) السياسي أن يلدغ كيري بلسعات مسمومة عبر إفشال الخطوات التنفيذية المزمع ترتيبها في لقاء "جنيف2" والذي خرجت فيه جميع الأطراف بخُفي حُنين، وظل الرئيس الأسد يُعلنها جهاراً نهاراً أنني أنوي الترشح لولاية رئاسية جديدة، مُتخطياً في ذلك كبرياء أمريكا التي أضجّت العالم بصراخها وعويلها، بينما نجد أن لافروف يحشو الغليون في مدوخه وهو يغرد: "نحن لا نتدخل في السيادة السورية" وكأن الماء البارد قد انسدل على وجه كيري الذي بدا يستصغر نفسه وكأنه مُهرَّجٌ مجنون بين عصى بوتين وجزرة أوباما.

وفي المشهد العراقي نجد أن حكومة ترامب تقف موقف المُتفرج عما تشهده البلاد من اثخان في جِراحاتها المزمزنة والمُفعمة بالتصفيات السياسية والحزبية والمذهبية لتعلنها للملأ "يجب أن تكون هناك نيّة صادقة نحو اللحمة الوطنية في العراق" دون أن يكون لها أي موقف إزاء التدخلات الإيرانية وبعض الحركات الدينية التي تقتل الحياة البرلمانية والديمقراطية فيه، في وقت يفجر ربيبهم المدلل لثمان سنوات سوداء في رئاسة وزارء العراق "نوري المالكي" مفاجأة من العيار الثقيل أن "داعش" وسقوط الموصل بيدهم في العام 2014 وهي المحصّنة آنذاك بثلاثة ألوية كاملة ما هي إلا صناعة أمريكية وباتفاقيات مبرمة.

وولوجاً إلى المشهد الأوروبي يبدو أن ترامب يتلقّى صفعات متواترة من الروس وبالأخص من موقف الأخيرة الحازم في القضيتين الأوكرانية والسورية، فنجد أن حكومة ترامب تكرُّ وتفرُّ نحو القضيتين بخطى مبعثرة يغلب عليها التقهقر والرجوع إلى سياسة العُزلة التي انتهجتها إبان الحرب العالمية، ومما يتّضح أن الأمريكان يشعرون بالغضب الروسي في هذه المنطقة، والدليل على ذلك الرد الأمريكي الباهت نحو استحواذ الروس على شبه جزيرة القِرم، كما أن التدخلات الروسية في البيت الأوكراني واضحة للعيان لكن الموقف الأمريكي والأوروبي يشي بخطورة الموقف نحو أي مُراهنات أو حماقات قد ترتكبها حكومة ترامب في ظل رحابة الصدر التي انتهجتها حكومة بوتين نحو العقوبات الاقتصادية وهي تعلنها بوجهٍ صبوح "لكم دينكم ولي دين" وبالمقابل تُهدِّدهم "كُل نفس بما كسبت رهينة"، وكأنها بذلك تفتح على الأخير رُدهات مُظلمة توحي بخطورة المجازفة في ظل التحدي الروسي الكبير.

 وفي المشهد الإيراني يبدوا أن الضبابية هي سيدة المشهد في وقت ترقّب العالم أن يُغلق هذا الملف بغطرسة رجل المال والاقتصاد الذي راهن عليه العالم بقوة شخصيته وصراحتها وجرأتها، لكن يبدو أن النفوذ الروسي يمتصّ الغضب الأمريكي من خلال المُماطلات و(التّقيّة) اللافروفية في الملف النووي الإيراني، وعلى الرغم من الوساطة العُمانية في ردء الصدع بين الأمريكان والإيرانيين إلا أن المماطلة الناجحة للإيرانيين تسير على خطى الروس بثقة واتقان، وأمام هذا الثقل الكبير الذي يلقيه الروس على صدر ترامب المتحرِّز حتى اللحظة في كثير من الملفات الساخنة قدِم إلى الخليج في زيارة هي أشبه بترقيع مشهدٍ متناثر في ظل صراع واستعراض القوى بين دول المجلس مدفوعة بمؤثرات خارجية، وكأن لسان حاله يقول هبوني المشيخة ودثّروني ببشتٍ مُطرّز بالذهب (أُلحّفُ) به جراح الروس في جسدي وأظهرُ شيخاً جليلاً وقوراً يتمتع بفقاعات سياسة فذّة كما ألفناكم في كثير من قضاياكم؟!

والمتببع لأبهة الاستقبال وحفاوة الضيافة وكثرة جموع المستقبلين لهذا الضيف الذي طالما غنى في مناظراته الانتخابية أنه سيحلب جيوب الخليج والعرب، جاء ترامب وهو يقود معه بنته الحسناء التي أستنهضت مشاعر الشعراء الذين أسدلوا عليها وابلا من قصيد الغزل والمدح بل وتم توظيف بعض المشاهد سياسيا واجتماعيا، حضر العدد الغفير وهم لم يحضروا في قمة عربية أو إسلامية بهذا الجمع الكبير، أكرموه وأنعموا عليه وأعطوه (المقسوم) على شكل صفقات أو هبات أو استثمارات، ومثل تكلك الحفاوة تنبئ أن العرب يرون في هذا (البوديجار) مارد علاء الدين لحل قضاياهم الكثيرة التي أزعجت وسببت لهم الصداع، هو لم يتحدث عن المشهد الإيراني والذي يبدوا أن الهدف الأساسي لكل هذا الاستقبال العربي، ولم يتحدث عن القضية الفلسيطينة والاستيطان وهي القضية المصيرية الأبدية في النضال العربي، ولم يتحدث عن الانتهاكات الصهيونية  والتي تقتل البشرية يوما تلو الآخر، فيبدوا أن العرب يجدون فيه قمة الحنان والعطف وهو الذي عُرف عنه دفاعه المطلق والحقيقي عن مصلحة بلده في المقام الأول كما أظهر ذلك في انتقاده للاتحاد الأوروبي أن أمريكا لن تدفع أكثر من الأعضاء فعلى كل واحد منهم مسؤوليته، لكن المتتبع يجد وكأن العرب جعلوه "شيخ المسلمين"، فلسان حالهم حينما تستفتيهم عن برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المرحلة القادمة إبان الرئاسة الأمريكية الجديدة يقولون لك: أتستفتونا وفيكم ترامب!؟.


تقبّل الله منكم صيامكم وصالحات أعمالكم،،،

تَسَاؤُلاَت مُوَاطِنٌ خَلِيجِيٌّ

"لا يعبرون أجوائنا ولا نعبر أجواءهم، لا يزوروننا ولا نزورهم، نقطع عنهم حدودنا البرية والبحرية ويقطعوا عنا ذلك، نسحب سفيرنا وممثلينا ويسحبوا سفيرهم، هم ليسوا منَّا ولسنا منهم"، بمثل هذه اللّكنة الغليظة نهش الإعلام (السعودي- الإماراتي- البحريني) لحم أختهم (قطر) دون إكراه، وبمثل هذه اللّغة الرّعناء اهتز عرش الاتحاد الخليجي الذي لم يولد بعد، فقد استيقظ المواطن الخليجي في العاشر من رمضان المقدّس وهو يسمع صافرات القطيعة تسير على مؤسسات جيرانه، كانت بدايتها انتقادات ثم توبيخ ثم قطعية حتى وصل الأمر إلى التهديد (بما هو قادم) ولربما تغيير نظام الحكم والتدخل العسكري كما بطّن ذلك أحد المسؤولين في هذه الدول الثلاث، ويبدوا أن الفاجعة الخليجية تُنبأ عن أحقاد دفينة بلغ الصبرُ منها مبلغه، وتُنذر عن غضبٍ عميق يتلظًّى ببعض القيادات في سبيل تغيير البيت الخليجي أمام التغيّر في الفكر السياسي والاجتماعي مع تقلبات المرحلة من ملفات ساخنة يتصدّرها حروب الاستنزاف والملف الإيراني وثقافة التبعيّة.

وبالرجوع إلى الشرخ الخليجي المُوغِل نقرأُ من ذلك الكثير من الرسائل والتساؤلات التي يمكنها أن تُبرر حقيقة الرفض العُماني – آنذاك – في عدم الولوج إلى الاتحاد الخليجي والذي بُني أساسهُ على مقاصد خارجية في المقام الأول يتقدمها تأسيس جدار منيع أمام التمدد الإيراني، فمن يُمعن النظر في دلالات هذه القطيعة يستنتج ويتساءل في آنٍ واحد بما يلي:

1. لا يوجد توافق خليجي حقيقي نحو المصالح الوطنية العامة، كما أن الاستراتيجيات القومية لها تُبنى على المواقف الارتجالية دون الدراسة والإمعان في التبعات اللاحقة، فأصل الاتحاد يُبنى على توافق الجميع دون النشاز عن هدف معين لأي عضو، فإن كانت هناك اعتراضات معينة تُدرس ويتم التباحث فيها للوصول إلى الغاية، لكن ذلك لم يكن موجودا في حرب اليمن، وسوريا، وليبيا، ومصر، فتجد أن المشاركات في هذه الأحداث تقوم على شراكات أحادية أو ثنائية دون الالتفات إلى مكوّنات الأعضاء الآخرين للمجلس.

2. من الملاحظ أن قيادة الاتحاد الخليجي يُراد لها أن تكون بالتوريث دَيْدَنُها كخلافة الحكم في الأنظمة الخليجية، ويتبيّن ذلك من اعتراض دولة قطر في الأزمة الحالية بأن تكون تابعا للسعودية وقراراتها؛ وفي ذلك إشارة إلى أنها تود أن يكون لها سيادة قرارتها ومواقفها في بيتها الخليجي والعربي والعالمي كما هو حال سلطنة عمان، ومثل هذه التصرفات هي ما أثارت الغضب الخليجي الثلاثي والذي اعتبرته (قطع يد الطاعة)، فالفكر القيادي السعودي يرى من نفسه الزعيم دون منافس لاعتبارات الأرض و الديموغرافيا والمال والسلاح والزخم الديني، بينما تجد دولة قطر أنها صاحبة سيادة ولا يمكنها أن تكون البحرين الثانية التي تتبع الآخرين حتى في الحديث الذي يُراد أن تقوله؛ لذلك نجد أن قطر اليوم تُبرِّر موقفها بأنها ترفض الوِصاية على وجودها ومستقبلها.

3. نُشاهد أن الإعلام الحر في الوطن العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص أصبح يفتقر للمهنية والحرفيّة وينحى اتجاه الحضيض والإرهاب؛ فمن يتابع إعلام الدول الثلاثة المقاطعة يجد وكأنها تتحدث عن النكسة العربية الكبرى في التفريط عن فلسطين والتحريض ضد الصهاينة!، فمن يتتبع الإعلام (الرسمي) يجد أنه يصنّف دولة قطر وكأنها "داعش" الذي يجب أن يُجْتَذَّ من جذوره، فتجد فيه الغثّ والسمين والذي يحاول أن يُسقط الغضب الرسمي إلى المواطن الخليجي وتحريضه تجاه القيادة والشعب القطري دون أي اعتبارات للثقافة، واللغة، والعادات، والتقاليد، والتاريخ، وفي ذلك مؤشر خطير لحقيقة الثَّقة الخليجية ببعضها البعض في المرحلة الآنية والقادمة.

4. السلوكيات والقرارات التي اتخذتها دول المجلس الثلاثة وربما بعض التابعين لهنَّ بدول عربية هي قاسية وغير محسوبة إطلاقا، وهذا الحجم من القطيعة يُنذر بأن الدول الثلاثة لا تريد إيصال رسالة لقطر بقدر ما أنها تود تركيعها وفرض الوِصاية القسرية، ومثل هذه السابقة في البيت الخليجي تُشعرنا كمواطنين أننا بحاجة إلى إعادة هيكلة النفوس قيادة وشعوبا، فقرارات ارتجالية يدفعها الحماس والمشاعر وحب الانتقام لا يمكنها أن تَبنِي مؤسسات التنمية الحديثة بدول المجلس إطلاقا، فإن دلَّ ذلك على شيء فهو بُراهنٌ حقيقي عن عمق الخلافات الخليجية البيّنية والتي ربما تكون الساحة العربية بعد حين حلبة صراع بينهم بالمال وتجييش العصابات والمرتزقة والتي ربما تضرب بعد حين الاستقرار الخليجي.

5. من الواضح جدا أن الدول الخليجية الثلاث ماضية نحو التصعيد وتحقيق الهدف، بينما نجد أن قطر تتحلى بسياسة الترويّ وإيجاد مخارج لها في سبيل تسيير أمور حياتها، بل أكبر من ذلك أن الأخيرة لم تسحب قواتها المشاركة في حرب اليمن على الرغم من إصابة ستة جنود من جيشها قبل اندلاع الأزمة بيوم واحد، فلمن الحكمة والعقل في هكذا مواقف؟

6. يتساءل المواطن القطري خاصة والخليجي عامة هل بالفعل قطر ترعى الجماعات الإرهابية وعصابات المترديّة والنَّطيحة والمغضوب عليهم في السعودية والإمارات والبحرين؟، وهل بالفعل كانت هناك خطابات بينيه لحل هذا الموضوع – إن ثبتة صحته -؟، هل البيت الخليجي بحاجة لهذه البهرجة الكبيرة لكي يناقش بعضه البعض وإعلامهم وعلى مدار سنوات طويلة يقرع طبول التآخي والتعاون والمحبة والدم الواحد وغيرها من الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، فهل نحن صادقين فيما بيننا؟

7. يبدوا أن الاتحاد الخليجي قائم على ضلعين منفصلين، الأول ثُلاثي يضم (السعودية، والإمارات، والبحرين)، والثاني يضمهنَّ جميعا (السعودية، والإمارات، وقطر، وعُمان، والبحرين، والكويت) فكيف له يبني قراراته ومواقفه ويعمل على تحقيق التنمية المستدامة للدول الأعضاء؟!

نرقبُ التَّغيرات والتطورات بعين الرجاء أن يعود البيت الخليجي أكثر قوة ومتانة فيما بينه، وأن يستوعب ساسته وشعوبه حقيقة الاتحاد الخليجي بكل ما يحمله هذا الشعار من معنى،،،

دمتم باتحاد ومحبة

الاثنين، 20 مارس 2017

مجموعة "عاشقُ القمر".. حديثٌ للرُوح

كقارئ قبل أن يَخطَّ قلمي الكتابة والمُتابعة للمشهد الكتابي العماني الأدبي، شعرتُ بركودٍ نقديٍ لإصدارات الكُتّاب العمانيين في المشهد الثقافي الأدبي إن لم يكن فقراً مُدقعاً لمُتابعة ومواكبة وتغطية الإصدارات الجديدة باستثناء بعض الومضات الخجولة ضمن فقرات معرض الكتاب الدولي فقط، والأهم من ذلك أن أغلب الكُتّاب العمانيين – وبالأخص الشباب-  يعملون بصمت وبعيدا عن الضّوضاء، فنجد أن إصداراتهم تلقى تغطية من معظم وسائل الإعلام العربية، فهم بذلك خارج السلطنة أكثر حضورا من الداخل وهذه قضية بحاجة إلى طاولة مُستديرة للبحث والتقصِّي، وعلى العموم فإن المشهد الثقافي يُبشِّر بالخير العميم؛  فأكثر الكُتّاب الشباب – قد أكون مخطأُ – يتّجهون نحو الاستقلالية والبحث عن النصوص الحقيقية والتجديد بعيدا عن التّنظيرات والبهرجة والتغطيات والابتسامات الصفراء.
 وفي هذا الإطار عملت بعض الصُّحف العربية قبل أيام بتغطية حول المجموعة الجديدة للكاتب العُماني "خليل خميس" والتي حملت عنوان "عاشق القمر"، هي مجموعة قصصيّة وتُعتبر الأولى له فجميع مؤلفاته السابقة عبارة عن روايات بداية من "بيعة الروح" و"ثلاثية الصمت" و"الفلامنجو يُهاجر من تلمسان" و "لن أحمل البندقية" و "إنتظار"، والمُتلمِّس لعنوان المجموعة الحالي يجده ينضح ومنذ العتبة الأولى بالرومانسية والرِقّة التي ستقود القارئ نحو حديقة غنَّاء مليئةٌ بالقصص المتنوعة والأفكار العديدة.
"عاشق القمر" من لا يُحب القمر؟ ولماذا اختار الكاتب القمر بالذات؟ ولماذا هذا الإصرار على تشبيه الحبيب بالقمر منذ القِدَم ؟ هل يقصد الكاتب القمر الحقيقي الذي نراه في السماء أم القمر هو الحبيب والخِّل ؟، أسئلة كثيرة وجدتُ نفسي غارقا فيها وأنا أتصفح المجموعة لأول مرّة، شعرتُ بأنني منقاد نحو عالم الكاتب عبر فضاءات نصوصه السبعة عشر: "في بئر العصافير" و"الرحلة الطويلة" و"ومضات من مُخيّمات اللجوء" و"تميمة اللَّاعودة" و"نهاية الأسطورة" و"المحارب النبيل" و"رحيل غامض" و Dominika)) و"مبدأ ومصلحة" و"المنحدرات الزَّلقة" و"كان لي وطن" و"شجرة النَّبق الكبيرة" و"نحو المجهول" و"نريدك أنت" و"عاشق القمر" و"ارتْحَلّوا" و"رسالة حُب بطعم الألم"، نلحظُ تنوعا وتجديدا في العناوين التي لا تخلو منها كل قصة على حده.
 يُشعرك القاصّ بجمال الانتقال بين التاريخ والواقع والفكر والفلسفة، بين الألم والفُكاهة والحُزن، مجموعة تضجُّ بالكثير من المتناقضات والجدل والغرائب؛ وفي ذلك إشارة إلى أن القاصّ يمتلك رصيداً واحترافية في مهارة تحويل تلك القضايا والوقائع إلى نصوص  تنبض بالحياة عبر نافذة  الحوار والتماهي الذاتي كما يظهر ذلك جليّا في قصة "المنحدرات الزلقة" و"عاشق القمر"، ولنأخذ بعض النماذج من نصوص المجموعة فمثلا قصة "في بئر العصافير" مزج القاصّ التاريخ بالواقع مع الفكاهة، فسالم الذي علاقته بقيد الأرض سلطان بن سيف اليعربي وما رافقها من معارك وتهديد لأحد قادة الغُزاة وما تم تداوله من رسائل تهديد بين الطرفين، حيث الفصاحة واللغة لم يكن في نهاية المطاف سوى غيبوبة طويلة فيها ذلك الحلم الذي ينتهي بضرب القائد البرتغالي الذي لم يكن سوى ممرضة هندية كانت بالقرب منه، لقد كانت نهاية مُضحكة وغير متوقعة لكنها بالغة الأهمية.
أما قصة "الرحلة الطويلة" فهي إحدى قصص التغريبة العمانية التي تتحدث عن الغربة وتوابعها؛ فجاءت توضّح ما قام به الأجداد من مشقة لكسب العيش، علما بأن القاصّ لديه رواية كاملة بعنوان "ثلاثية الصمت" تتحدث إحداها عن أيام الغربة العمانية قبل النهضة العمانية المبارك، أما قصة "نبضات من مخيمات البؤس" فلم تغب القضية الأولى والأساسية عن القاصّ والعرب جميعا وهي ألا وهي القضية الفلسطينية؛ حيث ينطلق من مخيم اللجوء والشتات "مخيم الرشيدية" إلى ميدان الإبداع والتميز، فتوضّح القصة أن لا حدود للإبداع والتميّز لدى الشعب الفلسطيني رغم المآسي التي مرّت وتمر عليه، وكانت نهاية القصة تراجيدية جدا؛ حيث ختم عارف حديثه - خريج المخيم- قوله: "إنه السجن الكبير الذي عشته وعاشه قبلي وتعيشه الأجيال الحالية"، فالقضية الفلسطينة حاضرة لدى القاصّ في قصة أخرى من الكتاب والتي بعنوان "Dominika" وهي قصة جميلة جدا بطرح ذكي وبأسلوب فذّ.
وأما قصة "تميمة اللاَّعودة" فجاءت ضمن مئات القصص التي يحاول بعض المُخلصين التغيير في واقع أوطانهم نحو الأفضل وبالطرق السلمية المعروفة، لكنه يتفاجأ بالجُدُر الأمنية التي يصطدم بها لتدور الأحداث والحوارات التي تبحث عن صيغة فلسفية وأًطر معرفية في العلاقة بين من يُنفّذ القانون وبين من يحاول إيجاد صيغة توافقية للخروج من أخطاء الواقع أو قُل بين تناغم التداعيات التي تثيرها المؤسسة المسؤولة عن تنفيذ القانون والطريقة التي يُحاول البعض التغيير بها إلى الأفضل، لكن للأسف كانت النهاية أن تم انسحاب الطرف الذي يحاول التغيير من هول الصّدمة ومرارة الواقع، وفي قصة "كان لي وطن" تدور أحداثها في ستِّينات القرن الماضي، حينما حصل الإنقلاب الدَّموي في زنجبار وما تبعه من مذابح وتهجير مُمنهج للعمانيين في شرق أفريقيا، فتتقاطر التراجيديا في هذه القصة وتمتلأ بالآلام والأحزان لما حصل من خلال قصة "زليخة" التي حملتها مراكب الهروب مُخلِّفة ورائها أبنائها وزوجها الذين قُتِلوا بدمٍ باردٍ!، ولتكون صيحتها وهي تودع ذلك الوطن: "تبَّاً لك أيُّها الوطن الذي لمْ نجدْ فيك سوى المكائد! فلا شيء فيك غير الموت الزُؤام!، لن يعود ربيعك بعد اليوم ولن تقم لك قائمة".

وأختم قراءتي لهذه المجموعة بما قاله الكاتب والروائي المغربي مصطفى لغتيري عنها: "قصصٌ تؤمن بالهُوية، وتعضُّ عليها بالنواجذ، وتجد أحياناً في التاريخ داعما قويا لهذا التوجه الذي ارتضاه الكاتب لبعض قصصه من خلال استلهام الأحداث".

الخميس، 9 فبراير 2017

مَا الّذِي يَجرِي فِي حَلَب؟!

يبدوا أن المشهد السوري عموما والحلبي خصوصا يشوبه الكثير من المُغالطات والتَّكهُنات يوازيه إسهابٌ غير مسبوق في التمثيل وصِناعة السيناريوهات الإعلامية المُتضادة، لكن وفي الإجمال يبدوا ومن خلال المُعطيات السابقة لتعامل النظام مع الأحياء المُعارضة له وبالأخص الريفية منها تغلبُ على تصرُّفه سُلطة البطش وانتهاج سياسة الأرض المحروقة، ولكن السؤال الذي يُطرح وبقوة في هذه المعمة: لماذا كل هذا السُخط على حلب وفي هذا التوقيت حيث بدأت سماء الوطن تضيق بأهله فتُرسل لهم "طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ"؟!
للإجابة عن السؤال السابق دعونا نلتفتُ قليلاً إلى المشهد العراقي فربما يمكننا إيجاد عامل الرَّبط بينهما مع فارق في الزَّمان والمكان وآلية التنفيذ، كما يُمكننا استيعاب ماهية ودلالة فرقعة الأصابع السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في الوحل العربي، علاوة على الوقوف بمدى خواء المشهد السياسي العربي مع تغيرات المرحلة وعدم إدراكها لمصالحها الجيوسياسية إطلاقا، كما أن في ذلك ضربة قاصمة للواقع التعليمي العربي الذي تجلَّت نتائجه من خلال ضياع عقيدة المواطنة والمسؤولية الاجتماعية لمجرد حفنة مصالح حزبية أو قبلية أو نعرات طائفية.
بالرجوع إلى المشهد العراقي وعبر انطلاق حكومة الدبابات وزبانيتها من الحلفاء عبر شمَّاعة  "تحرير الفلوجة" وما آل إليه الواقع من فضائع مؤلمة بقتل الحياة والمدنيَّة بحجة التخلص من دواعش الفكر وكواعش السياسة بأي وسيلة وإن قُلب عَاليِها بسافِلها – وذلك الذي حدث – والانتقال بعد ذلك إلى الموصل وبإيعاز ودعم منقطع النظير من أصدقائهم الأمريكان، وفي ذلك دلالة على هشاشة القوة الأمنية التي تمتلكها الدولة؛ فلا يمكن الثقة والاعتماد على نظام سياسي قيادي يحكم جمهورية عريقة وهو يمدُّ ساطور الذبح بين المواطنين الآمنين بحجة التخلص من شرذمة العصابات المبعثرة، بل كان حريٌّ ومن باب المسؤولية الأخلاقية للدولة تطويع وسائل التكنولوجيا مع حلفائها لتحديد المواقع والنقاط الاستراتيجية وإحكام السيطرة على المدن الرئيسية وتطهير البلاد من هكذا فيروسات إنسانية، لكن يبدوا أن "الأصدقاء" يسترخصون دماء الشعب وثروته الوطنية الدائمة عِوضا عن تكريس ما توصلت إليه التكنولوجيا، لتكون النتيجة جرائم حرب وتصفيات ممنهجة وتدمير مؤسسات الدولة ومعالم الوطن ولسان حال مجلس الامن الدولي " لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم!
لو سحبنا خيطاً رفيعاً مما يحدث في العراق  وبسياسة "خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ" نجد أن النظام السوري وبقيادة زعيمه الفعلي – بشار الأسد – وإيعاز من روسيا بدأ ينتهج سياسة الأرض المحروقة كما فعلها الأمريكان قبلهم في الفلوجة والموصل، فها نحن نتابع بين حينٍ وآخر أبابيل من القنابل والبراميل المتفجرة والقَّناصة وكل ما أوتيت به آلة الحرب من قتل؛ لتدُّك كل شبرٍ من حلب، فلا صوت يعلوا على صوت "الجيش"، ولا نبضٌ بالحياة إلا نبض العسكر، ولا ساكنٌ يتحرك قيد أنملةٍ إلا وشرارة الموت تلتهمه بشهيَّة مُفعمة، وكأن الروس – اللاعب الرئيس في سوريا – يُنابزون الأمريكان بإسقاط ما فعله الأخير في الضفة السورية ولسانُ حالهم من سيصرخ أولاً يخسرُ رهان الشرق الأوسط؟
بالمقابل نشهدُ انجراراً عربياً مُريعاً إلى كهنوت اللاهدف؛ فسياسيا لا يملكُ العربُ انسجاماً عروبيا موحدا بقوميتهم ونخوتهم لبعضهم البعض، ودينيا بدأ البعض ويكأنه في عكاظ الجاهلية يبيع خمراً من فتاوى المزاج مُتناسيا بَسَاطة دين نبيه الكريم الذي كان يخصفُ نعّلَيه، ويجمعُ الحطب، ويحلبُ الشاة، ويرحمُ الصغير، ويوقر الكبير، ويفترشُ الحصير، وينام وقد نال الجوع منه نيلا بليغاً، فأصبح البعض يثّأر لمذهبه وفكره ويستبيح وطنه وبني جنسه وهو عند الله صغير، واقتصاديا فالعرب لا يملكون عُملة موحَّدة، ولا توحيداً جُمركياً، ولا ترويجاً اقتصادياً فيما بينهم (الاستثمار) بل حتى في عمودهم الفقري للاقتصاد ونعني النفط لم يجرؤا على الوقوف مع مصالحهم حتى استنزف الأصدقاء جيوبهم وبدأوا يشحتوا حينها فقط اتخذوا قرارهم على استحياء بضرورة التقليل من الانتاج لرفع القيمة السوقية للذهب الأسود، واجتماعيا أصبح مواطنوهم يشعرون بالغربة في أوطانهم؛ فهجره  بعضهم ولسان حالهم "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت"، وأما تعليميا فنِتاجُ الواقع خيرُ شاهدٍ على مُخرجات النظام التعليمي العربي!
نحن لا نرسمُ صورة سوداوية للواقع العربي بقدر ما أننا نقرأ زوايا المرحلة لاستشراق وتوحيد المستقبل العربي المُمزَّق أصلاً، وما يجري في حلب ورُبما في مناطق قادمة لا يجمع الشمل ولا يحلُّ الإشكالية في سوريا بل يسوؤها أكثر من ذلك؛ والروس ومع توافق سياسة الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب" يحاولون استغلال الفراغ السياسي حتى يناير القادم بإفساح المجال لحليفهم "الشخصي" للشروع في مرحلة مدروسة بعناية وحِرَفيَّة، قد يتفق البعض أن بقاء الرئيس السوري الحالي هو "هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا " من جحيم الجاهلية التي يعيشها العراق وليبيا ومصر وبعض دول العالم الثالث، لكن من الضرورة بمكان أن لا يتم إسقاط الأرض المحروقة في الفلوجة والموصل على حلب وما يُحضَّر له في المرحلة المقبلة؛ فقد سأم الموت من أهل سوريا، وحان الوقت لمصالحة وطنية أساسها إخماد صوت الرصاص ووضع الوطن بين أهله وليس بين أحضان الأقزام والغُرباء.
دُمتُم بودٍ

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

الهيئةُ العامةُ لحمايةِ المُستهلك تَتَحدَثُ فِي دَافُوس

يُشكل الإحتكار أحد الأمراض المُعضلة التي تنسفُ اقتصادات العالم، بل وتدفعه إلى واقعٍ هشٍ لا يحفظ لها الأمن الاقتصادي القومي وربما يخلقُ غضبا اجتماعياً؛ فأيّنما وُجد الإحتكار وُجِدت المحسُوبيات والغشُّ وإِحكامُ قبضة الأسعار على المستهلكين وفق المزاج، علاوة على إندثار ماهية الجوّدة والخدمات المُقدَّمة للمُستهلكين، من هنا فقد اهتمت السلطنة في الآونة الأخيرة بالوقوف عازمة وحاسمة أمام الأُسر المُحتكرة للسوق المحلي طوال عقود خلت، وسعت لتأسيس روح التنافس الشريف بما يخدم الاقتصاد والمستهلك على حد سواء، وأُوكلت تلك المسؤولية الجسِيمة على عاتق مؤسسة ناشئة استطاعت أن تُثبت وجودها وتتحدث للعالم بصمتها الملكي عبر نافذة "الهيئة العامة لحماية المستهلك"، إذ أن الصحف العالمية قد أظهرت تقدم اسم "عُمان" في مواجهة الإحتكار وقدرتها على تأسيس قواعد مكينة للتنافسية بالسوق ضمن التقرير السنوي للتنافسية العالمية للعام 2016م في دافوس بسويسرا، حيث تقدمت السلطنة 29مرتبة عن العام المنصرم، ونعني بالتنافسية وفقا لتعريف المنتدى الاقتصادي العالمي "توفر المؤسسات والسياسات القادرة على تحقيق نمو اقتصادي على المدى الطويل بصورة تفوق نضيراتها لدى المنافسين في السوق العالمي، والذي بدروه يعمل على تحسُّن مستوى المعيشة للمواطنين وتحرير السوق من هيمنة القطب الواحد"؛ ومما دفع العالم للإلتفات إلى سياسة التنافسية وتحرير السوق من هيمنة القطبية المحتكرة هي تلك التغيرات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وتأثيراته الاجتماعية والسياسية والمعيشية، علاوة على التطورات التقنية والعلمية، أظف إلى ذلك الطموح لتحقيق نمو اقتصادي قومي وعالمي عالي.
والمتابع لنجاحات هذه المؤسسة الوليدة (الهيئة العامة لحماية المستهلك) يلحظُ أنها تُقدم عطاءات ومراتب عالمية تفخر بها السلطنة، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى لفت الانتباه وتعزيز الثقة بها من قِبل المؤسسات والأفراد من خلالها إعطائه جملة من الصلاحيات وتعزيز اعتماداتها المالية المُستحقة وتمكينها ضبطيا وقضائيا، فأقرب إنجاز نفخر به هي هذه القفزة الطُولى في المنظومة الاقتصادية العالمية لهذا العام وضمن تقرير "التنافسية ومنع الإحتكار" حيث تقدمت السلطنة من المرتبة 90 إلى 61، كما قفزت 13 مرتبة في مجال الحد من الهيمنة والإحتكار؛ ومثل هذه المراتب من الصعوبة بمكان الوصول إليها في ظل اقتصاديات عالمية عملاقة إلا بجودة العمل والعطاء ووجود كوكبة على مستوى رفيع من الفهم والاستيعاب وقراءة واقع السوق وجسِّ سيناريوهاته اللاحقة، جدير بالذكر أن قانون "حماية المستهلك" رقم (76/2014) والذي تطرق في أحد فصوله إلى "حماية المنافسة ومنع الإحتكار" لم يتم صرف أي اعتمادات مالية لتنفيذه حتى اللحظة على الرغم من مرور عامين  منذ اعتماده، وهنا نتساءل عن سبب كل هذا التأخر في ظل حساسية وأهمية هذه المؤسسة الرائدة في تنقية السوق المحلي من دنس الإحتكار وخلق روح التنافسية وتعزيز ثقة المستثمرين؟!.
جدير بالذكر أن الهيئة وفي ظل سعيها لتحقيق تفاصيل قانون التنافسية ومنع الإحتكار استطاعت أن تُقدِّم – حسب قدراتها – الكثير من العطاءات والخيارات والبدائل للمستهلكين مع حفظ حقوق الوكلاء والتُجَّار على حدٍ سواء؛ فعلى سبيل المثال ألزم هذا القانون وكالات السيارات بأن تشمل خدماتها وصيانتها للمركبات من ذات النوع حتى لو تم شراؤها من غير الوكيل مع بقاء الضمان؛ وذلك ساهم في انتعاش سوق التنافس وانخفاض أسعار المركبات، كما استطاعت الهيئة بهذا القانون إرجاع الحديد لسعره الطبيعي العالمي بعدما وصل إلى أسعار خيالية في مرحلة سابقة أثقلت كاهل المقاولين والمواطنين، علاوة على عودة بيع بعض السلع بسعر التكلفة، أظف إلى ذلك متابعة أسعار وجودة قطع الغيار المختلفة والذي أنعش السوق وأدخل العديد من الشباب العماني في التوريد وطرح أسعار تنافسية بجودة عالمية، دون أن ننسى الجهود الجبارة التي تُبذل في سبيل الحدِّ من الغش الغذائي والدوائي والتعليمي والمواد الكمالية.
نبارك للسلطنة من جدير هذا التفوق والتقدم الذي جعلها رقما في سماء العالمية، كما ينبغي على المؤسسات العُليا بالدولة ورجال المال النَّافذين ومُختلف المؤسسات الرسيمة والمُستقلة أن تشُدَّ على يدِ الهيئة في سبيل تطهير الاقتصاد المحلي من مافيا المال الذين لا يُولون اهتمامهم بجودة ما يُقدِّموه ولا يرضون بخلق جو تنافسي شريف قائم على المعايير العالمية ونحن في مرحلة استقطاب رؤوس الاستثمار العالمي بالدقم وصحار ومناطق إقتصادية استراتيجية قادمة، فشكرا للقائمين بالهيئة العامة لحماية المستهلك رئيسا، وخبراء، وموظفين.

الاثنين، 15 أغسطس 2016

"إذا الشَّعبُ يَوماً أَرادَ الحَيـاة"

من لا يستحق الديمقراطية لا تحقُّ له الحياة الكريمة، ومن ينسف إنجازات وطنه لحُفنة من أفكار بالية أو أجندة خارجية رخيصة فليس له مُقام عند الأحرار، يُذكِّرنا التاريخ الحديث أن جُلَّ الانقلابات العسكرية كانت شبه ناجحة لأنها تُبنى على جسِّ نبض الشارع وتكدُّس أخطاء الحاكم بما لا يدع له مقام للرحمة والشفقة ما لو انقلب السحر على الساحر، لكن من الغريب جدا أن يكون هناك زخمٌ كبيرٌ من القادة العسكريين بمختلف الرُّتب والمناصب وممولين بأنهار متدفقة من المال والسلاح استطاعوا بين غمضة عين وانتباهتها أن يسيطروا على مفاصل الدولة وما هي إلا بُرهة من الزمن حتى انقشع كل ذلك الضجيج بمجرد مكالمة فيديو مسجلة يبثّها رئيس الدولة لشعبه!، نعم حصل ذلك في تركيا الديمقراطية حيث الإبداع والحرية والإنتاجية والتطور والنمو المتنامي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وقبل ذلك ثقافة الديمقراطية الحقيقية بين أفراد المجتمع وتلك ثروة لا تقدر بثمن.
"أردوغان" هذا الرجل الذي شغل العالم بإنجازاته الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والعسكرية وشغلهم كذلك في إخفاقاته السياسية الخارجية والداخلية – كما يراه البعض- ، كثير من المسؤولين العرب والغرب راهنوا على زعزعة عرش السلطان الثاني عشر لتركيا الحديثة، وكثير هم "العواذل" الذين اصّطفُّوا خلف شاشات التلفاز مُهللين ومُكبرين وساخرين من هذا الرجل الذي شعروا ذات يوم أنه ثقيل على صدروهم لأنه – حسب تعبيرهم – لا يخدم المصالح العربية (إن وجدت أصلا مصالح عربية)، وأذكر أنني حينما كُنت أناقش أحد الزُّملاء أن تأييد الانقلاب العسكري هو خطأ جسيم باعتبار أنه تقويض للديمقراطية التي سعت الدولة غرسها في المجتمع ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، فقال لي بالحرف الواحد "تريث قليلا من الزمن يا سُلطان فعهد أردوغان قد ولَّى وسيحصد نكاية ما زرعه!"، وما هي إلا دقائق حتى نزل الشارع كالمطر المنهمر ليملأ ميادين تركيا المختلفة وهم يهتفون باسم الحرية والديمقراطية، وأصبحوا كطير أبابيل ترمي الحجارة على رؤوس جبروت العسكر حتى لا تكون تركيا هي مصر أو ليبيا أو العراق العربي.
انقسم المجتمع العربي بمختلف أطيافه بين مؤيد ومعارض لما حصل؛ لاعتبارات متباينة منها ما يتصل بشخص أردوغان أو اتجاهاته الفكرية والدينية وفي ذلك نستشهد قول نائب رئيس شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان: "لو يحدث في الخليج العربي أي عمليات لجماعات الإخوان، فإن أول نصير لجماعة الإخوان سيكون أردوغان، فهو لا يخدم الأمن القومي العربي" – وأتساءل عن ماهية الأمن القومي العربي الذي يعنيه؟-، ومنها اعتبارات سياسية من خلال ممارساته العسكرية في سورية والعراق أو غيرها، لكن الشاهد في الأمر هو هذه الصورة الدراماتيكية العجيبة التي نادرا جدا ما تحصل في العالم حينما يكون الانقلاب مدفوعا ماديا ومعنويا من أقوى دول العالم ويقوده عدد من رجالات العسكر النافذين بهذه المؤسسة والتي تمثل خط الدفاع الأول للدولة وأمام كل ذلك يقف المنقلبون عاجزون أمام تدفقات الشعب الذي يلفظهم، وما هو سر الالتحام الشعبي المباشر بين رسالة القائد بالنزول للشارع وهذه الاستجابة السريعة بتدفق الملايين، فهل يدل ذلك على دكتاتورية الرئيس وتسلطه وظلمه كما زعم بعض العرب الأشاوس؟!، ويُقال من أراد أن يباهي بعظمته أمام الأقزام عليه أن يجعل على صدره وساما كتب عليه:
ليس الفتى من يقول كان أبي**إن الفتى من قال ها أنا ذا
وهنا نطرح سؤالا كبيرا إلحاقا بما جرى: فما الذي جرَّ ملايين الأتراك من معارضين ومؤيدين للاصطفاف خلف هذا الرجل ليتقاطروا دفاعا عنه من كل فجِّ عميق؟، وقبل الإجابة عن هذا السؤال أطرح قصة حول أحد الإعلاميين العرب حينما سأل مواطنة تركية علمانية لماذا نزلتِ للشارع وأنت ضد الرئيس؟، فقالت: "أكره أردوغان لأنه يدافع عن الحجاب والمعتقدات الإسلامية، لكنني نزلت دفاعا عنه لأنه علَّمنا معنى الحرية والديمقراطية المدنية، ولأنني قبل حكمه كنت أزور والدتي فالشهر مرة واحدة بسبب الطريق والآن أزورها مرة فالأسبوع، ولأن أبنائي عشقوا التعليم والمعرفة بسبب تشبثه بتطوير التعليم، ولذلك سأدافع عنه"، وذلك يدفعنا للتساؤل: ما هي الإنجازات التي قدَّمها أردوغان للشعب التركي ليعشقوه حتى الثّمالة ومستعدون للدفاع عنه بكل ما يملكوه؟!.
 بالرجوع إلى تلك الإنجازات نجد أن هذا الرجل استطاع انتشال الاقتصاد التركي من وحل الركود إلى الانتعاش حيث كان أعلى معدل لقيمة الصادرات التركية للعام المنصرم إذ وصلت 152 مليار دولار بمعدل 10 أضعاف ما كانت عليه قبل توليه الحكم، كما تقدَّم ترتيب تركيا العالمي في منظومة الاقتصاد الدولي من المرتبة 111 إلى 17، وكان معدل دخل الفرد السنوي قبل توليه الحكم 3.5 ألف دولار ليرتفع في عهده إلى 10.5 ألف دولار، وفي العام 2011 قامت حكومته بسن قانون الأقليات المسيحية واليهودية لإرجاع الحقوق لها بعدما تم مصادرتها عنوة في العام 1930م، وعمل على إعادة قيمة الاستثمار العقاري من 0.05 إلى 2 مليار دولار، واهتم كثيرا بالتعليم فهو ركيزة الدولة وعماد قوتها واقتصادها فرفع ميزانية وزارة التربية والتعليم من 7.5 إلى 34 مليار ليرة تركية في العام 2011، وأعلن في العام 2008 عن مجانية التعليم وإرجاع المطرودين والمفصولين للتعليم بل جعله إلزاميا بين 8-12 سنة، وعمل على استقلالية الجامعات في كل محافظة ليرتفع معدل الجامعات بعدما كانت في عام 2002 حدود 98 جامعة لتصل في العام 2012 إلى 186 جامعة، ورفع عدد المطارات بالجمهورية من 26 مطارا حتى وصلت بنهاية عام 2015 إلى 50 مطارا، وفي خلال ثمان سنوات وبالتحديد ومنذ العام 2009 وأثناء تقلّده المناصب السياسية من رئاسة الوزراء وحتى رئيس الجمهورية استطاع مد السكك الحديدية على مستوى عالمي عالٍ بامتداد 5500 كم، كما بدأ في العام 2004 ببناء أضخم وأطول نفق مغمور بالمياه على مستوى العالم بطول 9 كم تحت مضيف البسفور، وأمام كل هذه الإنجازات الداخلية والسجل الحافل بالعطاء يتساءل السادة العرب لماذا الشعب التركي يناصر أردوغان!، وهم يقرؤون أبيات أبي القاسم الشابي:  
هــو الكــونُ حـيٌّ يحـبُّ الحيـاة           ويحــتقر المَيْــتَ مهمــا كــبُرْ
فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ        ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
الكثير من السادة العرب يعيبون على أردوغان تدخلاته السياسية الخاطئة في الوطن العربي وتحالفاته مع الكيان الصهيوني ويغضون الطرف عن تحالفاتهم مع هذا الأخير اقتصاديا واستخباراتيا، يتناسون أن التجربة التركية كان محكّها صناديق الاقتراع النزيهة وليس خزعبلات الكلام المعسول "بالروح بالدم نفديك يا رئيس" أو أفكار بالية أو التصويت تحت قبضة النار والحديد، هكذا هي ديمقراطية الشعوب المسؤولة تدافع عن حقها في الحفاظ على الإنجازات الوطنية لا التشبث بالكرسي وهو يعلم أن شعبه يلعنه جهارا نهار وليلا ونهارا، فما يكون الحل في ذلك إلا تدمير الوطن بكل إنجازاته على العباد، لتظل جوانحُ المواطن العربي تتساءل كما قالها أبو القاسم الشابي:
تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ؟ *** وسِــحْرُ المسـاء؟ وضـوء القمـرْ؟
                            وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق؟ *** ونحــلٌ يغنِّــي وغيــمٌ يمــرْ؟
                            وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ؟ *** وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ؟

البُكاءُ على اللبَّنِ المسكوب!


يبدوا أن المشهد العربي عموما والعراقي على وجه الخصوص بدأ يُفرز في الفترة الأخيرة غُثاء التدخلات الأجنبية في العمق السياسي العربي بما يُحقق المصالح "الدراكولية" تجاه معالم الحياة والمدنيَّة، ويبدوا أن المشروع العربي القومي أضحى أكثر ضبابية وهشاشة مما كان عليه سلفا، والمتتبع لمستنقعات الدم المهراقة في بلاد الرافدين بعد مجزرة "الكرَّداة" التي حصلت مئات الضحايا وبعد الإعدامات العشوائية التي قادها أشباح الجيش العراقي وقوات "جحش" في الفلوجة واستعدادهم لمذبحة الأنبار، كل ذلك بدأ يُكمل أجزاء الصورة المبعثرة حول مستقبل العراق الذي لا يزال يستنشق البارود والجاهلية الأولى.


بالرجوع إلى العراق وبالتحديد في الثلاثين من مايو 1990 وقبيل دخول الراحل "صدام حسين" للكويت - والتي أصبحت شمَّاعة لنسف أحد أبرز أعمدة الحضارة الإنسانية والإبداع الفكري والعلمي-  نشاهد وفي فيديو "موثَّق" عبر الإنترنت أن الرئيس العراقي كان يمدُّ يده لأشقائه العرب نحو إنقاذ بلدهم الحضاري من محرقة انهيار الاقتصاد العالمي؛ بسبب إغراق السوق العرض عن الطلب والذي هوى بأسعار النفط إلى ما دون السبعة دولارات وكان مرشحا للانخفاض أكثر من ذلك؛ وذلك بدوره كبَّد العراق خسارة مليار دولار يوميا في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني من تبعات حرب الثمان سنوات التي خاضتها مع إيران (1980 -1988) بدعم وتمويل وتشجيع خليجي خالص خشية من تصدير الثورة الخمينية آنذاك، لكن كل تلك الدعوات لقيت آذانا صماء ليُقدِّم الرئيس الراحل بعد ذلك طلبا لخادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز في عقد قمة عربية استثنائية على مستوى رؤساء الدول لمعالجة المشكلة، فجاء الرد السعودي بعقدها على مستوى وزراء النفط فقط ليتمخض الجمل فيلدُ من الأمر فأرا، حينها قدَّم العراق اعتراضا لوزير خارجية السعودية الراحل سعود الفيصل بأن الأمر يبدوا كمؤامرة كيدية لضرب العمق العراقي من خلال تخفيض أسعار النفط وإغراق السوق بالذهب الأسود وبالأخص من الإمارات والكويت والعراق وصل إلى درجة من الضغط الذي لا يتحمله وربما يدفعه لاستخدام وسائل أخرى، فجاء الرد السعودي خاويا بأن التوجه القومي البعثي في العراق غير مرحب به، وأن نهايته كنهاية عبدالناصر والاتحاد السوفييتي وغيره من الحديث والذي اعتبره العراق من باب الشماتة والاستخفاف به، فكانت الشرارة التي وجَّهت مدافع العراق للكويت وكانت على تخوم السعودية لولا تدخلات الغرب بقيادة أمريكا وإدخال العراق بعد ذلك في مفترقات طرق انتهت بغزوه عام 2003  تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل وما تلاها من المذابح والتي نشاهدها الآن مرورا باعترافات "توني بلير" مهندس التدخل الإنجليزي في الغزو وقوله :"أعترف بكل أسف أن غزو العراق كان خطأ كبيرا خدعتنا به الاستخبارات الأمريكية، ووجود صدام حسين في العراق كان أكثر استقرارا وأمنا للعالم وللعراق نفسه بدلا من الحروب الأهلية والمذهبية وأنا أتحمل تبات تدخل بريطانيا في الحرب"، لكن الغرب ينطبق عليه المثل القائل "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" إذ تكرر نفس السيناريو في ليبيا وفي سورية مع اختلاف المكان والزمان والتفاصيل.


وبعد اغتيال الرئيس العراقي السابق وتغييبه بالموت عن المشهد السياسي بدأنا نقرأ ونسمع عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بين الفينة والأخرى أن من حطم تمثال الرئيس أو من رقص مجونا أو فرحا بعد اختطافه او اغتياله أصبح يعضُّ بنانه من الحزن والأسى على عزٍّ قد مضى، وبدأنا نسمع أن العراق أصبح ولاية إيرانية – ولا أحد ينكر التدخلات الإيرانية السافرة في العمق العراقي- ، كما بدأنا نسمع أن الجيش العراقي الذي كان في عهد (الطاغية) – كما يسميه البعض والذي تبوأ المرتبة الخامسة  عالميا والأولى عربيا في عهده -   أضحى وبعد التجربة الديمقراطية الأمريكية لأكثر من ثلاثة عشر عاما لا يقوى على اتخاذ قرارات سيادية وتكتيكية قبل التمشيط من قوات "جحش" والتي تدخل المدن بنزعة مذهبية أو عرقية أو تحرق الأرض باسم الهوية، والسؤال الأهم من ذلك وعلى الرغم من اختلافنا مع القيادات السياسية في الوطن العربي ومع انتماءاتهم حيث مصالحهم الشخصية هل نريد إسقاط المشهد العراقي على بقية أقطار الوطن العربي؟، اليوم لا نملك قوى توزان أو ثقل وطني وقومي يدافع عن مصالحنا وهويتنا أمام عمالقة العالم فلِم نرتجِي خلق جراثيم فكرية وأيديولوجية تستبيح الحياة حيثما وجدت؟

البعض قد يفسر أن هذا المقال ما هو إلا بكاء على اللبن المسكوب أو دفاع عن رئيس حكم وقضى أمره – ولكل شرعة ومنهاجا – لكن من الضرورة بمكان أن توزن الأمور كما هي، فإن كان جحيم صدام أو بشار أو القذافي أو البشير أو غيرهم يبعث للإبداع والعلماء والمبتكرين حياة واقعية فهو أرحم من نعيم فوضى هلامية، وحديثي عن الراحل صدام حسين كان من باب المثال لا أكثر فنحن لا نعرف ما سوَّقه الإعلام عنه حول مجزرة حلبجة، أو حرب الثمان سنوات، أو غزو الكويت، أو حتى عن تفاصيل غزو العراق واغتيال الرئيس، لكننا نشاهد الواقع والمؤشرات والتي بدروها تُنبئنا عمَّا كان عليه الوضع وما آلت إليه الأمور، العراق اليوم أضحى مستباحا حضاريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا وفكريا ممن كانوا أعدائه بالأمس، وأصدقاء العراق بالدم واللغة والدين وأعدائه  بالفكر أصبحوا مُطوَّقين بأقزام الأمس فأين السبيل ؟!

لكُم كُل الوِدّ

الاثنين، 13 يونيو 2016

أَنصِفوا عُمَان!

في أحد المقاهي الجميلة كنت ألتقي بين الفينة والأخرى بجمال الذي ما إن بدأ يغرد بالنقاش فكأنه ينتقي أطايب التمر، كنا نتسامر في أحاديث كثيرة منها سياسية، وأخرى ثقافية، وحينا رياضية، وأحيانا أخرى مواضيع دينية، وتارة تقذفنا الكرة في ملعب التُجَّار فنتجاذب القول وكأننا أحد (الباشوات) وبعد حينٍ نعود لموقعنا الحقيقي كــ(دراويش) تعلوا محيَّاهم ابتسامات بيضاء بعيدا عن الابتسامات الملونة التي يضطر المرء ينثرها في مواقف مختلفة ولسان حاله "مكره أخاك لا بطل".
مع انطواء صفحات الأسبوع المنصرم جلست في موقعي مترقبا جمالا وقد حضَّرت له (مرجل) من المواضيع المتنوعة؛ فلطالما وجدت الحوار معه متنفسا يانعا على الرغم من التضاد بيننا في الرأي والفكر، وفي نفس المكان والزمان استقبلت جمال لكنه كان متجهما مكفهرا، جلس بهدوء الملوك على عرش الصمت، بدأت بغيث النقاش لكنه آثر التواضع في الردود!، تنامى إلى نفسي أن ثمت مواضيع خاصة لا يحق لي الولوج في كُنهها حتى لا أكون (ملقوفا) يسأل بما لا يعنيه، وجدت أن الموقف متشظٍ لا يحتمل المكوث، أوكلت إلى قدميَّ بحمل أكتافي مع ابتسامة نقية على أن ألتقيه في وضعية أحسن حالا، وما إن هممت بالقيام من موضوعي حتى انفجر علي كالبركان الثائر قائلا: "متى ينصفوننا ويعترفون بوزننا الحقيقي في المنطقة؟، لماذا يكابرون على فضلنا في حلحلت الكثير من القضايا العالمية؟، أستغرب هل هي ثقيلة كلمة "شكرا عُمان" ومنحهم ثقتهم فينا لتحقيق الاستقرار الإنساني في منطقتنا العربية؟، أليس من المعيب أن تولي إيران وأمريكا وأوروبا ثقتهم ببلادنا في الكثير من القضايا التي كانت تهدد الأمن والاستقرار العالمي بينما دول الخليج العربي وكثير من أقطار العالم العربي يوبخوننا ويُشككون في نوايانا ومبادراتنا؟، لماذا بعض العمانيين حينما يُذكر فضل عُمان عبر التاريخ القديم والمعاصر يستهزأ بك ويدَّعي أنك (مُطبِّلٌ) ويتناسون القول المأثور "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"؟.
  أسئلة جمَّة أمطرني إياها مُزن جمال بعد أن ملئت جوفه بالهم والضجر، وقد لامست في حشرجة آلامه العميقة تساؤلات يجب أن تُطرح  وتُكشف من خلالها كل الأوراق على الطاولة، إذ يحق للمواطن العماني أن يُقدم تساؤلاته لبعض دول مجلس التعاون والدول العربية بل وبعض المواطنين الذين يستعرون بقذارات النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية لماذا كل هذا البذخ في تشويه الموقف العماني والتقليل من شأنه؟!، ثم ما دلالات بعض التقارير الجيوسياسية التي تنشر بين الفينة والأخرى وتحاول تأليب الرأي العام على مؤسسات الدولة والتشكيك بمنجزاتها على الصعيدين الخارجي والداخلي؟، لماذا لا يعترف أشقاؤنا الخليجيون بأن عمان في هذه الظرفية الحساسة بمثابة البيئة الحاضنة لتأليف القلوب والتخلي عن المُهاترات السياسية والمراهنات العنصرية والمذهبية؟، لماذا لم يحتفل الخليجيون والعرب بالإنجاز العماني الخليجي العربي بتجنيب المنطقة حربا عالمية بسبب المفاعل النووي الإيراني؟، لماذا لا يعترف الخليجيون بفضل عُمان في تحرير رهائنهم بين الحين والآخر في حرب اليمن؟، لماذا يستثقل الخليجيون الاعتذار لعُمان بعد قصف مقر السفارة في صنعاء دون أي سلوك معادٍ أو سحب سفاراتها المنتشرة في الدول الخمس متناسين قول عمر بن الخطاب  رضي لله عنه- حينما خطَّاته امرأة فقال "أخطأ عمر وأصابت امرأة" ؟، لماذا يُصرُّ بعض الأكاديميين بدول المجلس على وصف عُمان بمسميات بالية بأنها أداة لتحقيق المصالح الإيرانية، أو أنها تتربع عرش الفساد، أو أنها مُنشقَّة عن دول مجلس التعاون متناسين كل الحقائق التي تشير على أن بعض الدول الخليجية هي أكبر سوق إيراني بالمنطقة، والبعض الآخر تُملَّك آبار نفط لأشخاص بعينهم كاملاك خاصة، كما أن بعضها نصب حبل المشنقة على بعض إخوته ليكيدوا له كيدا حتى الرجوع إلى يد الطاعة مُكرها؟!

هذه الأسئلة وغيرها هي لا تفيد المواطن العماني بشيء لأن التاريخ والتجربة علَّمته معنى الحياة والتآلف وبناء المدنية، وهذا المقال لا يستعرض الفضل العماني في الجانب التاريخي، أو السياسي، أو الثقافي، أو المعماري في حضارة الجزيرة العربية أو العالم العربي والإسلامي فذلك شأن عظيم له جهابذته في الطرح والتحليل، بل هي جُملة من الأسئلة التي تحاول أن تصل للمواطن الخليجي الكيّس الفطن فلا يزايد ولا يُبجِّل، كما أنه لا يستحقر ويستصغر إنجازات من دخلوا في دين الله أفواجا دون إراقة الدماء أو استباحة الحرمات، لابد أن تستثمر عُمان في حلحلة كثير من القضايا العالمية بما تمتلكه من ثروة فريدة بقيادتها النادرة وشعبها الرصين، وما يطلبه المواطن العماني هو قليل من الإنصاف والكفِّ عن بعض تصريحات المراهقين والمغلظين الذين يحاولون التسوّل للحصول على الشُهرة على رقاب بعض القطعان؛ فعُمان كانت ولا تزال وستبقى تلك الجوهرة الناصعة في عِقدِ الحياة الإنسانية الكريمة.

الفلوجة التي لا نعرفها

بعد سقوط بغداد في العام 2003 وأمام البربرية التي كانت تشنها قوات الغزاة في العراق من قتل وسلب وتدمير واستحقار لكرامة الإنسان وقدح في قدسية الوطن؛ انتفض ثلة من أبناء الفلوجة (مدينة المساجد) والتي تتمتع بكثرة منابرها ضد وجه هذا المارد الفاحش بالغطرسة والتنكيل (الأمريكان وزبانيتهم)، لتنقضي تلك الوقفة الاحتجاجية بنهاية مأساوية راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء والتي رفعت من وتيرة الشحن المعادي لوجود هؤلاء "العلوج" – كما سماهم وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصَّحاف – وتجسد ذلك الغضب في إسقاط مروحية "شينوك" العسكرية والتي قتل فيها عدد من الجنود الأمريكيين، وفي العام 2004 كانت الشرارة التي أثارث الغضب الأمريكي الذي شن حربا ضروسا ضد كل ما هو حيٌّ في هذه المدينة والتي تبعد حوالي 60 كيلومترا شمال العاصمة بغداد؛ إذ استطاع فتية من أبنائها أسر أربعة من مرتزقة شركة "بلاك ووتر" وسحل جثثهم في الشوارع وحرقها وعُلّقت على جسر يُطل على نهر الفرات كدلالة غضب ورفض لاستباحة العراق من قبل الغزاة وأذيالهم.
حينها تدخلت الشركة بكل عدتها وعتادها لحفظ ماء الوجه وهي مصدومة بهكذا جرأة وغِلظة قلب يملكها هؤلاء الفتية في هذه المدينة التي "لم يعرفوا" خلفياتها التاريخية والعسكرية، فأعلنت الحرب عليها "المعركة الأولى" من خلال القصف المتواصل واتباع سياسة الأرض المحروقة وتبرير ذلك بأنه "ردت فعل طبيعية"، بعدها استكانت الأمور لبُرهة من الزمن لتُعلن قوات الغزاة أنها تُحضِّر "للمعركة الثانية" في سبيل "تركيع" المدينة وارجاع ولائها وطاعتها لولي الأمر "شرشبيل"، فقامت وبمعية الحرس "الطائفي" بقطع الماء والكهرباء والإمدادات الغذائية والدوائية وبدأت بحرق المدينة بكل ما أوتيت من قوة لمدة خمسة أشهر متواصلة تناوب الليل والنهار على استقطاب كميات مهولة من البارود والموت والدخان والدماء وروائح احتراق كل ما هو حي وإمطار المدينة بالقنابل الفسفورية المحرمة دوليا وقنابل "النابالم" شديدة الاحتراق، ناهيك عن تدمير 90% من البنية الأساسية للمدينة – حسب تقارير رسمية حكومية – من المستشفيات والمدارس والمعاهد والمساجد وغيرها وكل ذلك أمام مرآى ومسمع العالم ومن هذا الحضور في هكذا فلم دموي كان السادة العرب ونظيرتهم إيران في المقدمة دون أن يكون لهم أي حراك ملموس!
بقيت الفلوجة صامدة في وسط هذا الزحف العسكري المخيف والذي لا تحتمله دولة فكيف بحجم مدينة؟، وظلت تلك المناوشات منذ العام 2003 وحتى 2007 بين "حيص وبيص" في من يكسب الرهان؟، فالفلوجة ظلت تقدم مقاومتها من خلال نعوش الشرفاء الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن مجد العراق العظيم الذي باعه العرب في سوق النخاسة لمرتزقة الأمريكان وايران ومن على شاكلتهم، بينما ظلت فوهات البارود تقصف الحياة في هذه المدينة تارة باسم "تحريرها" وأخرى "لطرد الإرهابيين" وتارة "إرجاعها للحكومة المركزية"، وقد أنعشت هذه التصرفات جيوبا كانت نائما، وحركت المياه الراكدة منذ العام 2014 والتي عرفت لاحقا بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لتبدأ مرحلة جديدة من التنكيل والمكيدة نحو هذه المدينة والتي نشهد حرقها من جديد في هذه الأيام من قبل الحشد الطائفي وبعض مرتزقة الجيش الذين يَسِيمُون بأنفسهم بحماة الوطن، والتي كان آخرها تعيين عدو العراق اللدود "قاسم سليماني" مستشارا لحكومة العراق الجديدة!.
يبدوا أن حب الانتقام من محرقة "بلاك ووتر" لا تزال جاثمة في قلوب وعقول الغزاة، ولا يزال حب رد الكيل بالمكيالين على أشده، والأخطر من ذلك هو استبدال جلود الانتقام من الأمريكي إلى الحشد الطائفي وبتدخل سافر من كان طرفا في حرب الثمان سنوات وديدنه في ذلك انتهاج ثقافة "كش ملك" دون الالتفات إلى "ارحموا عزيز قوم ذل"، ها هي الفلوجة من جديد تعود للمشهد العراقي والعربي بدموية أكثر وبعنهجية أشد، الأمريكان اكتفوا بتوفير التغطية الجوية وهم يرفعون تقاريرهم جهارا نهارا عن انتهاكات طائفية محضة توثِّقها التقارير الدولية والصور وشهود العيان، ها هي الفلوجة تضرب موعدا مع الموت والتهميش والتدمير وحرق الحياة فيها من جديد، ها هو "قاسم سليماني" ــ مهندس ــ إيران الأول في تدمير العراق يدخل المدينة عنوة بدعم أبناء العراق في الدم وأبناء إيران في الولاء الطائفي النَّت، هو اليوم – أي سليماني - بشهادة إبراهيم الجعفري – وزير خارجية العراق الكرتوني ـــ مستشارا رسميا لحكومة العراق فهل من معتبر؟!
الفلوجة حتى اللحظة لم تسقط في يد المعتدين لكنها لن تصبر بقدر ما قدمته من تضحيات تدافع عن كرامة العرب والعراق الأصيل، قد يقول التاريخ أن الفلوجة التي فتحها خالد بن الوليد في 12هـ في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – استطاعت دحر العثمانيين من قبل، ومن بعهدهم الإنجليز الذي عمدوا للانتقام منها بعد مقتل أشهر ضباطها "جيرارد ليجمان" بيد أحد شيوخها إلا أنهم تركوها خائبين، وعلى الرغم أنها استطاعت أن تكون جسر دفاع مستميت عن كرامة العراق وخلال سنوات الاحتلال الأربعة عشر عاما هل تستطيع أن تقدم الأكثر أمام السلاح الطائفي الشرس الذي لا يتق الله في دينه أو وطنه، والسؤال العريض الذي نطرح هنا: من يتحمل فاتورة استباحت الفلوجة في ظل تمكين القيادات الإيرانية في المؤسسة المدنية والعسكرية العراقية؟.
حفظ الله العراق وأرجعه منيرا مستنيرا بحضارته وعراقته ومكانته في البيت العربي المتهالك  

اجتماع الدَّوحة واستعراض العضلات

يُقال: "من لم يتعلم من التاريخ يؤدبه الزمن" يبدو أن الساحة العربية  وما جاورها على موعد من سعير فيما ستؤول إليه المرحلة المقبلة في ظل الفشل المخيب لاجتماع الدوحة بالدول المنتجة للنفط وعلى رأسها أوبك، ويبدوا أن الصراع السياسي – حسب الظاهر- أضحى جليّا بين الفيلقين السعودي ولفيف من بعض دول المجلس والدول الإسلامية  وبين الفيلق الإيراني المدعوم من روسيا وبعض الحلفاء المقربين جدا بما تقدم إيران من قفزات سياسية واقتصادية وعسكرية بُعيد رفع الحظر الدولي عنها، والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: ما هو السيناريو المحتمل بعد فشل اجتماع الدوحة؟، ثم لماذا فشل هذا اللقاء الذي عُقدت عليه آمال كثيرة لعلاج جراحات أسعار النفط بعد شُلَّت اقتصاديات ورفاهية شعوب كثير من دول العالم وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي والتي لا تنتج إلا النفط فقط؟!
  دعونا نرجع للمربع الأول حينما بدأت تتشكل ملامح التحالفات السياسية والعسكرية إبان اندلاع الثورة السورية في ظرفية جعلت لإيران - وهي الدولة الصاعدة وبقوة- أن تتقلَّد زمام الحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بالعراق وسوريا وجنوب لبنان وتعبث بأمن اليمن وزعزعت النسيج الاجتماعي والثقافي البحريني ناهيك عن بث روح العدائية الشرسة تجاه دول المجلس وعلى رأسها السعودية -على حد تعبير البعض- ، وأمام كل هذه الحيثيات المتسارعة وجدت إيران تحالفا حقيقيا وواقعيا في الساحة السورية عبر المقاتلات الروسية التي انتهجت سياسة الأرض المحروقة بامتياز، علاوة على أن الإشراف الإيراني في المناوشات السورية لم يقتصر على بعض الوحدات التابعة للحرس الثوري الإيراني بل كان إشرافا مباشرة من القيادة العسكرية العليا من خلال إرسال جنرالات وضباط وخبراء لهم ثقلهم في حسم الأمور وتضييق الخناق على ما يعرف بالجيش الحر أو جبهات المقاومة ضد النظام، إلا أن كل ذلك كان يجري تحت ضوضاء الدعوة للوفاق الوطني والسلام، وتقريب وجهات النظر، وضرورة تحكيم صوت الحكمة عوضا عن البارود والموت، وما ذلك إلا دليل قاطع على النضج الإيراني في التعامل مع المصالح العليا للجمهورية أيا كانت الدوافع سياسية أم مذهبية أم عرقية وقومية وكل ذلك كان ينقص يوما من عمر بعض الدول العربية التي كانت ترى من نفسها صاحبة القرار السيادي.
لكن بالمقابل ما الذي قدمه العرب وبالأخص الخليجيون بقيادة المملكة العربية السعودية في كل هذه المعمعة؟، هل تبنوا برنامجا سياسيا إصلاحيا توافقيا يبني لمرحلة جديدة يسودها الثقة المتبادلة؟، هل تبنى "مليارديرية" العرب قرارات بالاستثمار في الشام والعراق نحو تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص وظيفية للمواطن السوري والعراقي واليمني تحدُّ من البطالة وصدأ العقول بالأفكار الشاذة الماجنة من سماسرة الدين أو الدنيا؟، هل عملت الحكومات المعنية بالملف اليمني - على سبيل المثال  بحكم الجوار- على تقوية نسيجه الاجتماعي وبناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للحدّ من تسول العقول وهجرة الشباب نحو مواطن الموت والضلال الذي تجذبهم إليه "داعش" وأخواتها؟، ثم أين هي اليد الطولى للعرب للحد من النزيف العراقي منذ عقد ونيف؟، وما هي المبادرات التوافقية والإصلاحية التي قدمها الخليجيون بشكل خاص والعرب بشكل عام للقضية السورية منذ خمس سنوات وإلى الآن؟، وأخيرا حينما يمتطي الجندي الخليجي جواده وكأنه الفاتح العظيم هل تمت دراسة أدبياته ومرجعيته الثقافية والاجتماعية  ومدى استيعابه للإنسانية والمواطنة والمسؤولية تجاه العمل الذي يقدم عليه أم أن الأمر لا يعدوا سوى خذوه فغلّوه؟!
يبدوا أن الصراع السعودي- الإيراني في تصاعد مستمر، وأن المنطقة على كف عفريت تترقب استعراض عضلات من يُغرق السوق بالذهب الأسود بعد الفشل المخيب – كما نعته الرمحي وزير النفط العماني-  لاجتماع الدوحة في سبيل من يسبق بقول "كش ملك" بين الطرفين "المتزاعلين"!، بالمقابل نجد أن أكثر المتضررين من هكذا تصرفات "ارتجالية" هم أهل الخليج؛ فلا يخفى على ذي بصيرة أن الرفاهية التي كان يتمتع بها المواطن الخليجي أضحت في مراحلها الأخيرة، كما أن الحكومات بدت تضيق ذرعا من سياسة التقشف والتي من خلالها تسحب بساط العيش الرغيد من تحت أقدام المواطن الذي قد ينفجر عليها في أي لحظة، ثم هل البيت الخليجي قادر على مقارعة الاقتصاد الروسي المتين أو الإيراني الصاعد مع وجود ولاءات اقتصادية واجتماعية ومذهبية في قعر داره؟، وما هو سقف الفاتورة التي يمكن أن تتحمله الميزانية الخليجية في حروبها "غير المسؤولة" في ظل انتهاج الطرف الآخر سياسة حرب الاستنزاف؟

نحن لسنا بحاجة إلى فتح جبهات عراك وقتال تعيدنا للجاهلية الأولى، بل هو وقت التحالفات الدقيقة في سبيل أن نكون رقما اعتباريا  في خارطة العالم، فلن يتجرع آلام الاستعراض الحربي ماليا واجتماعيا وثقافيا سوانا فلماذا لا نقرأ الأمور بروية ونحدد موقعنا بدقة؟، فإيران وإن اختلفت الآراء حولها هل هي صديق أم عدو إلا أنها تعلمت من التاريخ في تحقيق مصالحها ودوافعها وحتى آلية انتقامها الموجع بصمت ظاهره السلام وباطنه الآلام وحق لها ذلك لأنها باختصار تقول :"ها أنا ذا فأين أنتم"، نحن بحاجة إلى أن يلتم مجلس التعاون الخليجي حول مصالحه العليا ومصالح العرب دون الولوج في رحم العنتريات الهُلامية، نحن نملك ما نريد لكن ينقصا أن نفكر كيف نستثمر ذلك في البناء والتطوير الحضاري والسياسي والاقتصادي في العراق وبلاد الشام واليمن والبحرين ومصر وغيرها.