الاثنين، 28 ديسمبر 2015

لاَ تُصَاِلح..!

لاَ تُصَاِلح..!

(الإنسانية) كلمةٌ مطَّاطية تحمل بين جنباتِها عسل المعنى وسُمّ الواقع الذي يعيشه العالم؛ فأَينَعت حقائقها وأزهرت حيناً لدى ثُلة من الأُمم كما هو في عهد نبي الأمة الكريم، بينما شاخت وتشظَّت في حقبٍ حضارية أخرى فبصقت في جبين الدَّهرِ مآسٍ مُفجعة عنوانها القتل والتشرذم والإبادة واللإنسانية كما هو حال مشهدنا العربي (المُخجِل)، وقد لا يختلف اثنان أن المرجع الأصيل للعيش البشري السويّ يُبنى على ثوابت قويمة ترتكِزُ على مبدأ الحق في تقرير المصير ومتبوعاً بخطوطٍ عريضةٍ تُجنِّب الشعوب سرطانات الإحتقانات السياسية المُتصلِّبة، أو النعرات الطائفية والعنصرية المقيتة، فلا يمكن أن يُنازل المرء حقَّه مدفوعا بنوازع شخصية على أكتافِ الآخرين.

رُبما - شاء القدر- أن تُدوِّن المنطقة العربية ملحمة جاهلية مؤلمة في تاريخ البشرية  كما عاشتها أوروبا في القرون الوسطى، فبعدَ نفض غبار الثورات العربية – على قول -  والفوضى العربية – على قولٍ آخر-   ضد الاستعمار الفكري والسيادي والعسكري والسياسي الذي ظل واجما على قلوب العباد حينا من الدهر، فتشهد الساحة صورة ضبابية لِحراكٍ شعبي كان باطنه الرحمة فما إن انجلت حتى بان ظاهرها العذاب، فهي ليست كثورات عُرابي، أو ثورة الأحرار، أو أبناء المُختار، أو سعد زغلول وغيرهم الذين ناضلوا لتحرير الوطن من أنجاس الأوباش الطامعين أو كما سمَّاهم وزير الإعلام العراقي السابق محمد الصحَّاف في عهد الرئيس الراحل صدام حسين (بالعلوج)، لتظهر لنا فُقاعات الربيع العربي التي قلبت واقعنا المُتأزِّم في الأساس من سيئٍ إلى أسوأ، وكأن لسان الحال يقول "تمخَّض الجملُ فولد لنا فأراً".
 إن صيرورة الزمن تُنتج بعد حينٍ لأي استبداد ينهل من إستحمار واسترقاق العباد منهجا، وينهشُ من لحم حفاوة العيش وطهارة الروح سياسة؛ لا تأتي عواقبه إلا خيبة ونكالاً على المُستبِّد، وتخلق جبهة مناضلة شريفة تُنذر أجسادها وأرواحها قُرباناً زكيَّا للذوَّد عن البلاد والعباد من دنس المُغتصبين، فحين دخل الطليان إلى ليبيا واستبدُّوا واستباحوا أهلها وأرضها لم يشفع لهم الزمن لأكثر من قرن بأن يكسروا شوكة المقاومين الأحرار، فلقَّنوا المُحتل درساً خالداً في ضروب النزال والنضال بلا نهاية ولا هوادة حتى استطاع أولئك الفتية من تحرير بلادهم؛ لأنهم فتية آمنوا بحق العيش الرغيد وضرورة أن تكون مبادئ الإنسانية القويمة وأخلاقيات الدين السمحة هي المرجعية الأصيلة للتعاطي مع مُجريات الأحداث في جبهات القتال وفي غرف المفاوضات السياسية والدبلوماسية.
قد لا يختلف اثنان أن اليأس الذي يشعر به المواطن العربي أمام المهزلة التي خلَّفها الفراغ السياسي مردُّها ازدواجية فاضحة في المفاهيم والمبادئ والمرجعيات السياسية والفكرية والدينية والانهيارات الاقتصادية على حدٍ سواء؛ مما أوجد شريحة من الشباب الذين لم تتلقَّفهم المؤسسات – المعتدلة - فكرياً وسياسياً واجتماعياً لتُنير عقولهم وتُوسِّع مداركهم حول قراءة الواقع بمسؤولية وتبصُّر، وهنا كان لِزاماً على المؤسسات الرسمية أن تُجنِّد مَن هُم في مقام صِناعة القرار بجدارة لبناء منظومة فكرية سليمة غير ملوثة بفتاوى الدرهم والدينار أو بخزعبلات فكرية (شرشبيلة) تشعرهم بالعُزلة المجتمعية والتهميش وأنهم رقم في غير محله بأوطانهم؛ مما دفعهم إلى الانخراط في مستنقعات ضحلة قوامها تُجَّار دِين وسماسرة حروب ربحية تتّسم بالشكل الصُوَرِي لخِلافة الأمة والوريث الحقيقي لرسالة النبي الكريم.
لو تتبَّعنا الخيوط الرفيعة لبروز هذا التنظيم بوجه خاص (داعش) وبعض الجماعات المسلحة الأخرى سنجد أن جُلَّها يرجع للمربع الأول في التأسيس الفكري والسلوكي لهؤلاء الفتية من خلال العُقم الكبير الذي يجتاح مناهجنا التعليمية في أغلب أقطار الوطن العربي؛ فكيف يمكن بناء جيل طوال عقد من الزمان يعتمد على الكم المعرفي (الهزيل) دون الاكتراث إلى نوعية ذلك البناء؟!، فحينا لا تستطيع مناهجنا أن تُغلغل في قلوب الطلبة وعقولهم ماهية الوطن وقُدسيته ووجوب الدفاع عنه ضد أي مُغتصبٍ أو حاسدٍ أو متربِّصٍ فأنَّا لهذا التعليم أن يُحصِّن القلوب والعقول من سفك دماء أبناء الوطن الواحد؟، وحينما لا تستطيع مناهجنا التعليمية أن تغرس في سجايا المواطن سماحة الدين وجماله الذي اجتاح العالم ليُدخل البشرية في دين الله أفواجاً وشعاره "جئنا لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد"، فأنَّا لهذه المناهج أن تخلق جيلاً واعياً متوقِداً بالحِنكة والحكمة والمعرفة لإدراك عالمه المحيط؟، ثم كيف يمكن لمناهج هزيلة مُفرغة أن تواجه تيَّاراتٍ فكريةٍ وأيديولوجيةٍ شرسة تستقطب هؤلاء الشبيبة نحو مسالخ الموت بمُسميات هُلامية تتلوَّن (بماركة) الشهادة والجهاد فيُزجوَّن بهم كالقطيع إلى مرادم الموت؟!
"داعش" .. هي حديث الساعة الآن والشغل الشاغل للعالم، ومن خلاله انتعشت الرأسمالية بالإقبال المهول على شراء الأسلحة بشيكات موقعة على بياض، وهناك تحالفات دولية لا تزال في الأفران تُطبخ على نارٍ هادئة يُعوَّلُ عليها القضاء على القواعد العسكرية  لهذا التنظيم (داعش)، وتجفيف منابعه المالية المهولة دون أن ننسى أن فاتورة كل ذلك هي من جيوب العرب وليس من جيوب (الأصدقاء)!، والمتتبع لجذور هذا التنظيم يجده قد بدأ بمخاضٍ عسير منذ العام 2003م حينما غُزيَ العراق ليصبح اليوم وحشاً كاسراً يجتاح الوطن العربي بلا مقاومة من جيوش العرب التي التهمت مليارات من الميزانيات الوطنية!، ليبقى السؤال الجوهري: حينما تنتهي أسراب طيران التحالفات العربية وغير العربية بإلقاء أطنان من البارود الحارق، وتُغطي سماء دمشق وبغداد وصنعاء بسحبٍ رُكامية قاتمة، فهل العرب مستعدون لتحمُّل فاتورة ردةَّ فعل هذه الجماعات على الصعيد الأمني والاقتصادي والاجتماعي والتنموي؟!
 للإجابة عن السؤال المنصرم لابد أن نُراجع إحداثيات المنهج الذي تسير عليه مؤسساتنا المُختلفة والتي يراها هؤلاء الشباب بأنها مُستبدِّة فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، لابد أن تُعلِن حكوماتنا العربية عن ثورات إعلامية وعلمية وتربوية، لابد أن تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بمدلولها الحقيقي لا الصُورِي، لابد أن تؤسس منظومة شراكة سياسية فاعلة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، لابد من تحرير عقول الناس من سذاجة من يتاجرون بفتاوى ما يشتهيه المتشدَّقون فيُنزلون من البشر حجرا، لابد من احتضان هؤلاء الذين صُمَّت أذانهم بأبواق بعض رجالات النجاسة الذين يفاضلون مصالحهم الحزبية عن الوطن، لابد أن تُولي مؤسساتنا الرائدة ثقتها الحقيقية بأن هؤلاء الشباب هم حاضرها ومستقبلها، وأن تتنازل عن كبريائها الذي يعتبرهم كالقطعان؛ فالشباب حينما وجدوا أن مؤسسات وطنهم تعيش تصحُّراً كبيراً في تحقيق أدنى حقوقه كإنسان؛ التفتوا لمثل هذه العصابات فوجدوها تُغدِق عليهم المال والزوجة والمسكن والمأكل وقلَّدتهم مناصب قيادية وتوعوية ودعوية غلغلت في نفوسهم الولاء لها ليكونوا بعد حين حطب نيران الموت.
نحن بحاجة ماسَّة إلى مراجعة مُجريات الأحداث لنقرأ الواقع بحقيقته وجُزئياته الدقيقة، وذلك يستدعي من الحكومات العربية أن تُقدِّم تنازلات (مشروعة) لأبنائها في سبيل الحفاظ على النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية، فلسنا بحاجة إلى مجازر وحشية يقودها عُبَّاد المال والدَّم وتُجَّار الدِّين بينما يكون المواطن الذي خرج بائساً من وطنه فأر تجاربهم، كم يحدونا الأمل أن نُعلِن للعالم الراقي عن براءة اختراع عربية يُشار لها بالبنان لكن لا أن نوصف بالخزيِّ والعار بمثل هذه التنظيمات التي أبتكرها العرب بأنفسهم وقدَّموا لها المال الحرام والفكر المشوش والحاضنات النجسة، هذا التنظيم وغيره يستصرخ في جُنده جهارا نهارا (لا تُصالح) ليُعلن حرب إبادة للبشرية، ومن السليم أن تُصحح المفاهيم والمعايير لتنوير هذه الثُلة بدلا من حرقها وخلق مئات الدواعش ومن على شاكلتهم  وتعود حليمة لعادتها القديمة!.

الأحد، 15 نوفمبر 2015

هل فشل الربيع العربي؟!

يبدوا أن خارطة الطريق العربي نحو ديموقراطية المؤسسات المدنية وخلق بيئة الحياة الكريمة لإنسان القرن الحالي أضحت واقعا ضبابيا، كما أن تجميع قِطع الصورة المُبعثرة لتكتمل حُلتها أصبح ضربا من الجنون، علاوة على أن الشعب العربي (رُبما) أصبح اليوم يحِنُّ للعودة نحو المربع الأول حيث الأنظمة التوتاليتارية (التسلّطية) والتي كانت على ما يبدوا أفضل حالا من الفوضى العارمة التي تعصف بالمنطقة من تخبط سياسي وغياب للبدائل الحقيقة بعد انهيار النظام الحاكم، بل إن الأمر تعدى مسألة الفوضى المؤسساتي لندخل في مستنقعات الحروب الأهلية كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن والعراق، ويبقى السؤال الذي أشعل رأس المواطن العربي شيباً: هل فشلت ثورات الربيع العربي نحو الإصلاح وبناء المؤسسات المدنية الديموقراطية؟، فإن كان الجواب "بنعم" فلماذا فشلت؟، وما هي ملامح الصورة القادمة للمنطقة؟.
إن المتتبع للتاريخ الحديث وما أفاضت به صيرورة الحقب البشرية أن الثورات الشعبية غالبا ما تخلق مسارات مؤثرة نحو رسم معالم السياسة السويَّة بقيادات فذَّة تَخرجُ من صُلبِ الشارع، وتساهم في تحديد مصير الدولة بما يحقق مصالحها العُليا، وإيجاد فرص حقيقية وواقعية نحو رسم معالم العدالة الاجتماعية، وبناء ثقافة التعددية الحزبية السياسية والفكرية الناضجة، ولنا في أوروبا الشرقية خير مثال حينما كانت تطحنها أعتى الأنظمة الدكتاتورية المنغمسة في عمق المحيط البوليسي الأمني؛ حيث كانت السلطة العُليا منوطة للشرطة السِّرية والمتخصصة في تصفية المعارضين، وإعدام المُنتقدين للنظام الحاكم، وبناء مدن أشباح تضجُّ بمساجين الرأي من السياسيين والمعارضين والفنانين والكُتاَّب والمحاميين، إلا أن ثورات أوروبا الشرقية كثورة 1989م أخرجت قادة يحملون إحداثيات واضحة لمنظومة الإصلاح والخروج من عنق زجاجة الاضطهاد، وكذا الحال في أمريكا اللاتينية وعلى رأسها الثورة المكسيكية والكوبية وما تلاهما من ثورات تحررية ضد الاستعمار ثم الاستبداد والنضال من أجل صياغة دستور حقيقي يكفل الحياة الكريمة للإنسان ويبني معالم دولة المؤسسات، ومن خلال هذا السرد المبسط لنماذج قد تكون متشابهة في الظروف والأهداف نتساءل هل فشل الربيع العربي في بناء نموذج ديموقراطي عربي؟.
 من الصعوبة بمكان الحكم بنجاح أو فشل الربيع العربي منذ انطلاقته في 2011؛ حيث أن التاريخ يشهد بأن الولايات المتحدة الأمريكية استنزفت نصف قرن ملطخة بالاغتيالات والحروب الأهلية والتطهير العرقي المؤلم حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، فما بالك بثورات عُذرية لم تتجاور خمس سنوات حتى اللحظة أمام تغوّل كبير للاستبداد السياسي والتغلغل الأمني لها في كل مفاصل مؤسسات الدولة، إلا أن المؤشرات تُنذر (ربما) بفشل المشروع الثوري الإصلاحي الذي كانت باكورته تونس مرورا بمصر وليبيا وانتهاء بسوريا - إن استثنينا اليمن لأسباب متعددة- ؛ فمن يتتبع خيوط الحِراك الشعبي يلحظُ أن ثمة عوامل رئيسية تُضعف تيار نجاح هذا الربيع وربما تُسهم في مرحلة قادمة إلى إجهاضه والعودة إلى المربع الأول، ويمكن إيجاز بعضا من تلك العوامل فيما يلي:
1.         غياب البديل: فحينما خرجت الجموع الشعبية كاسرة حاجز الخوف وقد ملئت الطرقات والساحات بما تمتلكه من خزان بشري كبير تجاوز في بعض الأحيان الملايين – كميدان رابعة العدوية بمصر – تراجع بطش العسكر نوعا ما وبدأت بعض الأنظمة الاستبدادية بمراجعة حساباتها والخروج بأقل الخسائر عبر الهروب مثل (زين العابدين)، أو التنازل مثل (حسني مبارك)، أو التصادم مثل (القذافي، والأسد)، وعلى الرغم من أن النماذج السابقة كلها تتقاطع في تحقيق مصلحة واحدة وهي بناء دولة مدنية ديموقراطية، إلا أنها تشترك أيضا في غياب البديل الناجح لما بعد زحزحة النظام القائم؛ إذ لم يخرج من صلب هذه الثورات قيادات فذَّة يتفق عليها الجميع ويمكنها أن تقود الحِراك الشعبي نحو الإصلاح وبناء مؤسسات الدولة مع الأخذ بعين الاعتبار – محمد مرسي – الذي وصل بالانتخاب لكنه لم يكن على قدر من القبول لدى المؤسسة العسكرية، لذلك أضحت هذه الثورات فوضوية وعفوية استطاعت هز عروش الاستبداد لكنها أدخلت البلاد في فوضى عارمة.
2.         ضعف النضج السياسي للمواطن العربي: فقد شكل الاستبداد الحانق على المواطن والمؤسسات هاجسا حقيقيا لدى الشعوب العربية والتي أضحت تتقصَّد لقمة العيش وصرف نظر المؤسسات الأمنية عنها قدر المستطاع، كما ساهمت السجون السرية واعتقالات أصحاب الرأي وإعدام التعددية السياسية وسحق نزاهة الانتخابات البرلمانية والرئاسية على حد سواء في خلق ثقافة الرضى بالأمر الواقع؛ فانعكس ذلك سلبا عن ولوج المواطن العربي في السياسة وقراءة الواقع المحيط به خشية من بطش يد العسكر أو تصفيته لدى بعض القيادات الحزبية والفكرية، ليتجلى هذا الفقر الثقافي الآن في الاصطفاف مع من يربطه بالمذهب أو الحزب أو العِرق دون الاكتراث للخسائر البشرية والمادية التي يعاني منها الوطن؛ فأصبحت التصفيات والإرهاب مبني على مبدأ المذهب أو الطائفة أو العرق، وإن تعذرت كلها بُنيت على أساس الثأر وحمية القبيلة وكأننا نُعيد إحياء "الجاهلية الأولى"!.

3.         تغوُّل الأنظمة السابقة في مؤسسات الدولة: فيبدوا أن الولاء المؤسساتي لا يزال وفي هذه المرحلة بالذات يُذعن للأنظمة السابقة؛ وذلك يُعطينا مؤشر حقيقي حول مدى تشابك تلك الأنظمة بالقطاعات الحيوية بالبلاد وعلى رأسها المؤسسة العسكرية؛ ولا أدل على ذلك الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط الأركان بالجيش والاستخبارات المصرية ضد الرئيس الشرعي  - محمد مرسي- وإظهار وتلميع عملة "السيسي" كرئيس بديل للجمهورية، وكذا الحال في ليبيا حينما انبرى الجنرال "حفتر"، ونفس السيناريو يتكرر في اليمن حيث تحالفت قوات "صالح" ممثلة في مؤسسة الجيش مع الحوثيين لقتال دول التحالف، الشاهد في الأمر أن الحكم بالنار والحديد والذي تقوده المؤسسة الأمنية التسلطية لا يزال جاثما على كل مفاصل الدولة؛ مما يساهم بصورة مباشرة وشبه حتمية بفشل الثورات الشعبية ضد أنظمتها الاستبدادية المنصرمة ليفتح لها الباب بالعودة من جديد بثوب جديد، وفتح أبواب جهنم للشعوب لتكتوي بها جزاء لحراكها المناهض ضد الأنظمة؛  فتزداد أملا بعودتها لتكون أكثر إذعانا ورضوخا لها أمام شبح الفوضى العارمة وانبعاث رائحة الحروب الأهلية التي أزكمت الأنوف وقضت على مظاهر المدنية ودمرت البنية التحتية. 

الاثنين، 26 أكتوبر 2015

لاَ تُــصـَدِّقُــوَا...!

يبدوا أن الدين قد أزكم أنوف بعض العرب فأضحوا يبحثون من خشاش الأرض عمَّا هو أرقى وأنقى منه ليُوغِلوا فيه صنوف التقوى ورحيق النقاء؛ وكأنهم بذلك يتسابقون لنيل "صكوك الغُفران" وحجز ما أمكن لهم من إقطاعيات فارهة في جنَّات رَبِّ العالمين ولسان حالهم "كرتُك سِرُّ نجاتُك"، فلا تستغرب أيها القارئ العزيز إن صمُّوا آذانهم وأُسملوا أعيُنهم وقطعوا ألسنتهم عن الخوض في صرخات وآلام جموع المُشرَّدين والمُعدمين ومن تقطَّعت بهم السُبل من سوريا الشهباء أو العراق العظيم  أو ليبيا الصمود أو مصر التاريخ أو يَمنُ  الحضارات حيث تضجر منهم القارة العجوز فتسوقهم في القطارات وتعرضهم في المزاد لتُعزُّ من تشاء وتُذِلُّ من تشاء بينما تشظى العرب عن فتح أبواب إيواء بني جلدتهم ولهم عذرهم في ذلك لقلة الموارد وانعدام الأراضي البيضاء التي يمكنها أن تلملم بقايا عظام بالية أنهكتها الحروب والنزاعات، فأكتفى السادة  العرب بأسطوانتهم المشروخة بتمجيد تاريخهم الغابر متوشحين رائحة الكرم والنخوة والشهامة من اسم اغبَرَّ عليه الزمان يُدعى "حاتم الطائي" لكنهم لم يتعلموا منه ماهية تلك الصفات إذ أردفوا سيرته بالمثل القائل  "إذا كان  حبيبك من عسل فلا تلحسه كله"، فيا عجبا لشعوب العرب ألا تملء أعينهم هبات بعض الأنظمة العربية على طبقٍ من ذهبٍ مُنزَّلة من رب السماء اسمها "الحُرية"؟!، فليأكلوا منها حتى تُصاب أجسادهم بالتُخمة ولا ضير إن تبعثرت بعض أشلاء الطفولة على سواحل البحر المتوسط كأرسلان وغيره فهؤلاء شذرٌ من قُربانٍ الشعوب المُتنعِّمة بفردوس أنظمة بعض العرب المُستعرِبة!
لا تُصدِّقوا أن واقعنا ينطبق عليه المثل القائل: "على نفسها جنت براقش"؛ فالمليارات التي بُذخت بسخاءٍ ولا تزال الفاتورة في ازدياد لتسليح المؤسسات والقطاعات العسكرية من عِدَّةٍ وعتادٍ لمواجهة العدو المحوري (الكيان الصهيوني) تغيرت بوصلتها (لتُطهِّر) بعض العقول والأفكار السمجة في مجتمعنا العربي والإسلامي!، فلا تُصدِّقوا أن الصهاينة هم من يتربَّصون بنا الدوائر فهم من الشعوب السَّامية المُحبة للسلام، ومسألة المسجد الأقصى والهيكل المزعوم هي قضية خِلافية وجدلية فلرُبما يَصدُقُونَ القول أو يجانبهم الصواب فاعتباره عدونا الاستراتيجي هو تفكيرٌ ضحل يُعيدنا لزمن (الطيبين)، والحق أن عدونا اللحوح اللدود هم الإيرانيون؛ حيث أوحى (الربُّ) لبعض رجالات الدين الفُضلاء رؤية حقيقية في منامهم بأنهم عدو الأمة فلابد من محقهم وسحقهم، فلا يضيرُكم أنها – أي إيران-  تُحقق مكاسب ناجحة ومدروسة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يوما تلو الآخر على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ولا يجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ يُمجِّدُون صنيعهم وقفزاتهم العسكرية وإثبات رقمهم كمؤثر حقيقي في المنظومة العالمية، فكل ذلك لا يشفع لأن نُحسن جوارها ونُحدد خريطة المصالح المتبادلة بيننا، فقتالهم جِهادٌ أزلي علينا كعرب تعقبُه الحور العين لأننا ببساطة "شعبُ الله المُختار" ونحن أحق بهذا اللقب من اليهود!
لا تُصدِّقوا حينما كانت بوادر الغضب الجماهيري بسوريا في بداياتها وكانت الجموع تُطالب بالعدالة الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة لم يبادر الأشقاء العرب عموما وامبراطوريات النفط الخليجي خصوصا لاحتواء الموقف وتدعيم أركان الدولة والمؤسسات العصرية  في هذا البلد الأشمِّ، فتُرك الحبلُ على الغارب حتى إذا ما انفلت الأمر وأصبحت مدن سورية الشامخة في العراقة والتاريخ والمجد لا تعدوا سوى (كنتونات) أشباح، حينها استُمطِرت خزينة قارون لإغراق البلد بالمُرتزقة والمُدمنين والمُنشقِّين، وتدفقت أنهار الأسلحة بمختلف أصنافها لتطحن البلاد والعباد، فالواقع يقول أن تقتُل الحياة وتختزل مؤسسات الدولة والقانون بكلمتين خفيفتين في اللسان ثقيلتين على التاريخ والأخلاق: "يا نِحن يا بشَّار" فلا تهتموا كثيرا بالإنسان قبل رحيل بشار وإن حُرقت سوريا من أقصاها إلى أقصاها، المهم من يصرخ أولاً بعد غرس الأنياب فبناء العقل أرقى وأبقى من بناء الحجر ولا يتأتى ذلك إلا بالنار والحديد!
لا تُصدِّقوا أن ما يحصل في اليمن هو محرقة للوحدة الوطنية التي تكللت بالنجاح في 1991م بعد مجازر ومذابح أهلية أهلكت الحرث والنسل، فما تقصفه قوات (التحالف العربي) في اليمن التعيس هو عربون وفاء طال انتظاره ليكون اليمن سعيدا بعد (تطهيره) ممن لا يروقون لبعض أمزجة دول الحلفاء، وها هو اليمن تدخله جحافل جيوش مجلس التعاون الخليجي باستثناء عُمان دخول الفاتحين بعدما كان يحفظ ماء وجهه للانضمام إلى القبة الخليجية طوال خمسة وثلاثون عاماً لكن الأبواب كانت موصدة، فلا ضير اليوم بأن تُطحن البُنية التحتية وتتناثر بعض الجثث وتدمر مؤسسات الدولة والقانون في سبيل بناء نموذج (ديمقراطي) على غِرار النموذج العراقي وربما أكثر رُقيَّاً، فلا يهم أين تسقط قذائف المدفعيات والبوارج والطائرات فهي كلها سهام من رب العالمين لدحض (الفئة الضالة) ولسان حالها "وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى" فهي موجَّة بعين ملائكة الرحمن وحفظه!، فــ(التحالف العربي) يسعى لتحرير اليمن من أبنائها فما المستغرب من ذلك!
لا تُصدِّقوا أن بعض رجالات الدين (يَتعرّون) من لباس الدين الساتر الوقور؛ إذ يرون أن تتقلب بين أحضان المومسات وتُقارع الكأس والغانية لهُوَ (أعظمُ) عند الله من قتل مسلم بدون وجه حق!، فيُحدِّثون النّاس بأن قول النبي الكريم في خطبة الوداع "دمُ المؤمن على المؤمن حرام" يحملُ التأويل والتمطيط واللبس واللمز والهمز، لكنهم يبتُّون في الفتوى بحزمٍ وعزمٍ شديدين حينما يتصل الأمر باستباحة دم وعرض مخالفيهم!، فأعراضهم وأموالهم ودماؤهم حلال وإن كانوا يوحِّدون الله ويؤمنون بحق رسالة نبيه محمد الكريم، فلا غرابة من أن (تنبح) حناجر بعض مشاهير القنوات الدينية بالجهاد في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر فتُضَخّ أنهار من الأموال في سبيل القتل والتدمير والتمزّق والتشرذم واستباحة الأعراض تارة باسم الجهاد وأخرى باسم السبايا والغنائم حتى إذا ما انجلت الغُمَّة قُبضت الأيادي ولم يخرج درهم واحد للبناء والتنمية!.
لا تُصدِّقوا أن عالمنا الإسلامي والعربي يموج في بحر الطائفية والمذهبية والنعرات القبلية وإن استُغلت مراقد الأئمة الكرام وعلى رأسهم سيدنا علي (كرم الله وجهه) في التحريض على المُخالفين واستنهاض حميَّة الجاهلية بالتمذهب والانتماءات النتنه على حساب الوطن وكرامة الإنسان، أو انتهكت قُدسيَّة الحرم الشريف في بيت الله العتيق أو في أعظم مشعرٍ بالحج  حينما وقفت جموع المسلمين بعرفة تبتهل إلى رب العالمين لتصدح حنجرة من يقف مقام النبي الأعظم فيبدأ يفصِّل الإسلام على الناس بين ضالٍ ومهتدٍ، بل الأدهى والأمرّ حين تُستثمر الأجساد الطاهرة التي فاضت إلى ربها في مشعرِ منى للتنابز بالمذهبية وتمرير أجندة سياسية نجسة تدور رحاها بين إيران والسعودية وكل ذلك أمام عظمة خالقهم الذي أمره بين الكافِ والنون!
ختاما أيها السيدات والسادة نحن في موقف لا نُحسدُ عليه من التخلّفِ العِلمي والفِكري والتصحُّر الديني والجهالة الاجتماعية والاضمحلال الثقافي والتخبط السياسي والفقر الإعلامي الناضج، كل هذه الصورة القاتمة لا تعني بالضرورة أن نكون ذلك الحملُ الوديع الذي تتقاذفهُ أيدي الصديق والعدو، فنحن بحاجة إلى إعادة ترميم بيتنا الإسلامي والعربي وأن تكون قيم المواطنة هي الفَيصل للاحتكام وتحقيق المصالح المُتبادلة، فليس من التحضُّرِ بشيءٍ حينما تُضجّ بيوت الآمنين بضوضاء الرصاص ليس إلا لتصفية بعض الأمزجة العقيمة والعقول البالية، ليس من المدنية بمكان حينما تُسمَّم المناهج الدراسية بقذارة التعصب بمختلف ألوانه ليتحمَّل الوطن أعباء تراشق المُراهقين، إن الوقت الراهن يتطلب منا إعادة ترتيب حجر النرد بعد هذه الفوضى التي اتَّسمت بالألم والفضيحة الإنسانية في تاريخنا العربي والإسلامي، فكيف لامرءٍ تسيل دموعه في جُنح الظلام طالباً الغُفران من ربه وبالنهار يستحلُّ دم إنسان حرم الله سفك دمه بدون وجه حق "فمالكم كيف تحكمون"!؟.

القيصرُ الرًّوسِي وَسِياسَة كَسر العَظم

يبدوا أن القيصر الروسي قد أربك الحسابات الأوروبية والأمريكية والعربية التي كانت تُراهن
 على أن سقوط الأسد وحلفائه (غير المرغوب بهم) على مرمى حجر والأمر لا يعدوا سوى مسألة
 وقت لا أكثر، وحينما بدأت معاقل الأسد تتهاوى أمام الضربات العنيفة نوعا وكما من قِبل الدواعش وفلول المعارضة ومن أحزاب ظاهرة وأخرى باطنة؛ حينها كشفت روسيا الستار لتعلن للعالم أنني لا أزال ذلك القطب العنيد العتيد الذي ورِث الاتحاد السوفيتي بشكيمته وغِلظة قلبه وفضاوته، ويبدوا أن الروس قد ضجروا من سياسات الغرب والولايات المتحدة الأمريكية المبنية على صناعة الحروب لترويج تجارة السلاح وهي صورة طبق الأصل حول قراءة قدَّمها الكاتب السياسي "فائد مرسي" في كتابه "الرأسمالية تجدد نفسها" حيث جسَّد لنا الخيوط الرفيعية التي تنطلق منها الرأسمالية الغربية والأمريكية نحو تصدير اقتصاد السلاح بدلا من المعرفة والتكنولوجيا والشاهد على ذلك الوضع العربي الفوضوي على إثر "الحريق العربي" أمام الأرقام الضوئية للمليارات التي تهدر في عقد صفقات الأسلحة الأوروبية والأمريكية بينما يكمن تدخل الأخيرين في إذكاء فتيل الخلافات العميقة التي تجرُّ البلاد والعباد إلى واقع الأرض المحروقة كما يحصل في سوريا والعراق واليمن وليبيا.
  لكن المواطن العربي يتساءل عن ماهية ونوعية التدخل الروسي (المباشر) في سوريا دون استئذان مع الغرب أو الأمريكان؟، وما الذي دفع الروس الآن بالذات للزج بأسراب طائرتها وخبرائها في بلد مضطرب مستنزف منذ أربعة أعوام دون أن يكون لها تدخل في الأمر من قبل باستثناء التلويح بحق النقد (الفيتو) لاعتراض أي تدخلات عسكرية أوروبية أو أمريكية؟، هل دخول بوتين في سورية وفي هذا التوقيت بالذات هو إعلان لكسر حاجز العزلة القيصرية الروسية في منطقة الشرق الأوسط واتباع سياسية العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم تجاه الأمريكان والغرب تجاه تقزيمهم المستمر للدب الروسي؟، ثم ما صحة تصنيف بعض السياسيين والقادة العسكريين أن العالم العربي انقسم بين أصدقائه إلى مؤيد للسنة عبر النافذة الأمريكية والغربية وآخر مدافع عن الشيعة عبر النافذة الروسية؟، وأخيرا هل نشهد استعراض عضلات حقيقة بين الشيوعية ممثلة في روسيا والتحرك الصيني والرأسمالية حيث الأمريكان والغرب ولربما هي بداية نهاية الحرب الباردة لتشي بإرهاصات حرب عالمية قادمة رُبَّانها جنرالات الكبار ووقودها الشعب العربي المغيب من خريطة صناعة القرار؟.
  تشكل الأسئلة الآنفة الذكر منعطفا مهما لقراءة المشهد العربي الذي يبدوا أنه في منأى عن مناصرة قضاياه الجوهرية والمصيرية في مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفع الكفاءة التنموية، وبناء تكتلات سياسية واقتصادية بماركة عالمية تنعش الحياة الإنسانية الكريمة للمواطن، ومحاربة الفساد الإدراي والمالي، وبناء المؤسسة العسكرية الوطنية، وتجويد مظاهر البنية التحتية، وتعزيز قيم المواطنة الصالحة، وبناء منظومة تعليمية سويَّة، كل تلك المجالات أصبحت في خبر كان بالنسبة لسياسات الحكومات العربية إلا ما ندر جدا.
 وعودة حول الولوج الروسي في المستنقع العربي فيبدوا أن التخلف الرسمي والجماهيري في هذا الجزء من العالم حول مصالحه الوطنية وغياب الرؤية حول ما نريد ان نكون عليه بين دول العالم جعلها أرضا خصبة لاستعراض العضلات للصراع الأزلي المتشظي منذ القرن المنصرم حينما كان على أشده بين الشيوعيين والرأسماليين ليتم إنشاء ما عرف بحلف بغداد (1956م) ضد المد الشيوعي والذي ضم كلا من المملكة المتحدة والعراق وتركيا وباكستان وإيران وبمباركة ودعم منقطع النظير من الولايات المتحدة الأمريكية ليتم إحلاله في (1979م) بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران وانسحابها منه، واليوم يبدوا أن ملامح هذا الحلف بدأت تتشكل من جديد ولكن بصورة مغايرة جعلت من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خارج الأسوار وكأن لسان الحال يقول "كما تدين تُدان" حيث أن أجندة هذا الحلف بُنيت على مُعطيات (غاضبة) من حكومات وشعوب الدول التي قامت فيها الثورات العربية؛ إذ تُتهم الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الغرب بالتنصُّل عن مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية تجاه تأزُّم المشهد السياسي، وضعف البُنية التحتية، وتدمير الاقتصاديات الوطنية العربية، وركاكة الحياة الثقافية، وانعدام للعدالة الاجتماعية، وترهُّل الفساد في المؤسسات والقطاعات العسكرية، ويبدوا أن هذا الحلف الذي أعتُمدت بغداد مقرا له ويضم كلا من سوريا وإيران وروسيا والعراق قد يضع ممارسات السياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية أكثر جدية في ظل انتهاج اللامبالات وعدم الاكتراث بالمآسي والتخلف الحضاري الذي أجَّجته سُخرية حكومة (أوباما) لكثير من الملفات الساخنة التي كانت تتطلب جدية حقيقة في تحقيق صور الحياة الديمقراطية بالمنطقة.
قد يُحرك تدخل الدب الروسي الماء الراكد الذي طالما استفردت به أمريكا طوال عقود عجاف في سعيها الحثيث نحو تعزيز القدرات العسكرية والسياسية والديموغرافية للكيان الصهويني على حساب مصلحة الشعوب العربية في ظل انظمة استبدادية أو فوضى سياسية عارمة، وهناك من المراقبين من يرى أن التدخل الروسي في الوطن العربي وفي هذه الظروف شبه الميتة سياسيا وعسكريا واقتصاديا من البوابة السورية هي ظاهرة صحية لاستعادة التوازن العالمي بين قطبي العالم دون تطبيق سياسة الفرعون الأوحد، وما يهمنا أمام كل هذه المواقف المشحونة والوقائع المتسارعة في الميدان هو في أي مربع يجب أن نقف عليه أمام كل ما يحدث؟، فهل نملك قوة مؤثرة تمُكننا الإمساك بالعصى من الوسط بين طرفي النزاع المصلحي (الأمريكي- الروسي) لنحدد مصالحنا العليا أو ينطبق علينا المثل القائل "أطرش في الزَّفة"؟

حكاية انتفاضة

"...وتقدمت قواتنا الباسلة لنصرة أرض الرباط والنضال بكل ما يحمله المجاهد العربي من نخوة النصر عازما على استرجاع الحقوق من درن الغاصبين..." ذات مساء مفعم بنشوة المناصرة للقضية الفلسطينية وبالتحديد في 8 ديسمبر (كانون الأول) من العام 1987م أذاعت القنوات العربية ما يدور في فلسطين المحتلة والتي (كانت) القضية الجوهرية الأزلية بين العرب والصهاينة حينما بدأت شرارة الانتفاضة الأولى والتي عرفت بانتفاضة الحجارة من جباليا بقطاع غزة، لتنتشر إلى المدن الفلسطينية كانتشار النار في الهشيم، وبعد أربع سنوات عجاف انطفأت جذوة تلك الانتفاضة وبالتحديد في 1991م،  لتُختزل أرواح الشهداء الألف والأربع مائة – حسب الإحصائيات الفلسطينية- بين أدراج اتفاقية "أوسلو" والتي أبرمت بين الصهاينة ومنظمة التحرير الفلسطينية بمدينة واشنطن وبمباركة "بيل كلينتون" – الرئيس الأمريكي السابق-  حيث  تضمنت نصا صريحا باعتراف  الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"- باعتباره ممثلا للشعب الفلسطيني- بالحق الأزلي سياسيا وتاريخيا وجغرافيا لإسرائيل في قيام دولتها بأمن وسلام، بل وتجريم المنظمة لأي سلوك عدواني تجاه الطرفين، مقابل أن يتعرف الطرف الآخر (الصهاينة) بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل حقيقي للفلسطينيين تجرى معها المفاوضات لمختلف الملفات المتبادلة بينهما، ومن خلال ذلك نلحظ تنازلا فلسطينا  صارخا حول التشبث برفض الاحتلال،  بل والتسول لإيجاد اعتراف شكلي بقيادة هُلامية للطرف الآخر، من جانب آخر نلحظ براءة عربية مطلقة من القضية وانسلاخ شبه كامل عن التدخل في الحسابات الدولية المتصلة بالقضية الفلسطينية.
بعد عقد ونيف من الزمن الملطخ بدماء الحرية والنضال يجدد الفلسطينيون العهد والولاء لوطنهم وقضيتهم الإنسانية،  تاركين خلافاتهم وانشقاقاتهم خلف قضبان المحتل،  لتنطلق ثورة الحجارة من جديد في 28 سبتمبر (أيلول) من العام 2000 ويقدم الفلسطينيون ملحمة سخيَّة من خلال 4412 من الشهداء – حسب المصادر الفلسطينية–  فتُحرِج هذه الانتفاضة العروش العربية وتُذكِّرهم بمعنى حُرية الدم والعقيدة والوطن، حينها خرجت بعض المظاهرات الخجولة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي منددة ببشاعة سلوكيات الصهاينة غير الإنسانية ومناصرة للفلسطينيين، بينما سكتت بقية دول العالم العربي دهرا ونطقت كفرا بعد مماطلات وإحراجات وضغوطات جعلتها في صورة غير أخلاقية لتعقد قمة عربية طارئة في القاهرة، وبعد أخذ ورد تمخض الجمل فولد لنا فأرا حينما خرج العرب المجتمعون بنفس الأسطوانة المشروخة حيث الكلمات الثلاثة المضحكة (نُدين، نستنكر، نشجب)،  ومرة أخرى ينفض العرب أياديهم من غبار القضية الأزلية التي ناضل من أجلها حكام وسياسيون وأدباء عرب عبر تعاقب الحقب، لتنجلي الانتفاضة الثانية في 8 فبراير (شباط) 2005 عبر قمة شرم الشيخ بمصر وتختزل من جديد عبر تعهد محمود عباس  وأرئيل شارون للمضي  قدما في  تحقيق أبجديات خارطة الطريق – للسلام الشرق أوسطية – برعاية مصرية وأردنية.
ومرة أخرى يجدد الفلسطينيون العهد للعالم وللعرب بأننا بشر يحق لنا العيش الرغيد والحياة الكريمة باسم الإنسانية والحق التاريخي والحضاري، ففي هذه الأيام الحبلى بالأحداث الجسام والتي (قد) تُنذر باندلاع انتفاضة ثالثة يقدم فيها الشعب العربي الفلسطيني فاتورة المراهقة السياسية للحكام العرب منذ سعيهم لفسخ عباءة الدولة العثمانية وإعلان الثورة العربية الكبرى 1916م بقيادة الشريف حسين بُغية الاستقلال، يجدد الفلسطينيون الولاء لوطنهم وشرفهم وكرامتهم التي حاول العالم أجمع بلا استثناء أن يطمر حقهم بالعيش في الحياة كما أعدمت قبلهم شعوب برمتها مع بدايات العصر الحديث، وأمام كل ذلك لا يزال المشهد يتكرر من قبل السادة العرب ولسان حالهم: " نحن في شغل فاكهون"!، نعم أصبحت الطائرات العربية تُحلق في سماء المعارك وتقصف بلا خجل ولا وجل، وأضحت البوارج تُحكِمُ قبضتها على البحر من أقصاه إلى أقصاه، وبدأت حناجر القادة الأشاوس تصدح وتُهدد وتساوم في المحافل الإقليمية والدولية برغبة دون رهبة، وبذخت الأموال ولا تزال لتقوية شوكة العسكر للذَّود عن الحق ونُصرة المظلومين، واجتمع العرب بالقول والفعل في تحالف عربي عجيب ليكسروا المثل الدارج "اتفق العرب على أن لا يتفقوا"، لكن السؤال الذي يُطرح: إلى أي اتجاه أشارت بوصلة العرب حتى يزجوا بكل هذا الزخم والإنجازات العظيمة؟، أترك لكم الجواب أيها السيدات والسادة.

الأحد، 4 أكتوبر 2015

حديثٌ في التاريخِ

مضت خمس وأربعون ربيعا وعُمان ترفل بحقب تاريخية ماجدة اتسمت بعنفوان تنمية الإنسان المُتلهف بعشقٍ حضاري خالد يزدان حبا ووئام بين جموع الشعب وعدالة الحاكم، هي ملحمة خالدة يشدوا برُبابتها التاريخ ليَسمع أثيرها جموع الأُمم والشعوب، فيرشفون من مَعِينِ جنائِنِها أُرجوزة المدنِّيَة والتحضُّر، فأضحى اسم "عُمان" نغمٌ تتعطَّرُ به ألسنة الطفولة الواعدة، وتصدحُ به فخراً حناجر الشبيبة الظافرة، وتلهثُ بعبقِها ألسنةُ آباءنا وأجدادنا الذين عمروا أرض مجان الطاهرة خير عمارة، وقد تنوعت حقب التاريخ العُماني في عهد النهضة الزاخرة والتي عضَّت بالنواجذ على مفاصل المواطنة والانتماء في زمن نادت به جموعا غفيرة من الأمم المحيطة بها لكنها كانت أقربُ ما توصمُ بالكذب والسذاجة في هذه الادعاءات؛ فتسمع بين حين ٍوآخر دعوات تنازل الثريا لاستثارة الشعوب نحو أهداف وطنية هُلامية تمضغها الألسنة لتكون بعد حين مناص قُربان لتحقيق مقاصد حزبية أو قومية أو قبلية أو مذهبية كما هو واقعنا العربي الآن، حتى إذا ما انقشعت غيوم الكذب وشراء الذمم تراشق أبناء الوطن الواحد بنباتات سامة قاتلة تربتها الخبيثة ترتوي بمعين التحزّب والانشقاق.

 إن المتتبع لسيرورة الزمن العُماني في عهد السُلطان قابوس يلحظُ أنها تمضي قُدما نحو بناء مفهوم ودلالات دولة المؤسسات العصرية القائمة في المقام الأول على سواعد المواطنين والتي تمثل باكورة الازدهار الحضاري في مختلف المجالات المدنية سواء السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعمرانية؛ إذ استطاع السلطان قابوس إخراج السلطنة من عمق الزجاجة والعُزلة إلى محافل الوجود الدولي، فأصبحت عُمان بذلك رقماً صعباً ضمن المنظومة العالمية قوامُها التبصُّرِ والحكمة والثوابت الإنسانية النبيلة نحو عيش رغيد للجميع، عاشت عُمان قبل نهضة السبعين كما تذكر كتب التاريخ حياة الغاب من خلال عُزلتها السياسية، ديدنُها الأول والأخير الذوّد عن (فُتات) دولة مُقسَّمة آنذاك بين الداخل والخارج؛ فقد عصف الاحتقان القبلي والأيديولوجي بالثقل السياسي العُماني ردحاً من الزمن ليهوي بالبلاد والعباد نحو مُستنقعات  سحيقة مظلمة ومفترقات طرق وجِلة من استعار الحرب الأهلية النتنه؛ فخارت مكانتها الإقليمية والدولية وأضحت من المُستضعفين الذي سال عليها لُعاب أهل النفوذ من سماسرة وشراذمة الموت؛ فدُمِّرت البلاد ونُكِّل بالعباد فلم يبقى بها شجرٌ ولا حجرٌ ولا مدرٌ إلا ويلهجُ بصوت الرصاص والاغتراب في أرض الوطن، وأضحت دعوة النبي الكريم "لو أنك أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك" وكأنها ضرب من ضروب الماضي المندثر، وقد جرَّ ذلك الضمور السياسي زُهداً اقتصادياً أمام ما تملكه البلاد من خير وفير فغابت العدالة الاجتماعية وشهدت البلاد عقما ثقافيا لا مثيل عبر صفحاتها الظافرة، فعاش الناس فقراً مُدقعاً وإحباطاً مُفزعاً ألقى بضلاله على الداخل والخارج؛ وأصبحت طيور العمانيين المُهاجرة سعياً للعيش الرغيد تُبصَرُ على امتداد البصر تتقاذفهم أمواج البحار- وهم نواخذته وقبطانه بلا مُنازع - نحو العمل في الكويت، والسعودية، والبحرين، وجنوب شرقي أفريقيا وغيرها من مجاهيل العالم الشرقي والغربي، في وقتٍ كان جيرانُهم يتقلبون في نعيم البترول الآسر.

وفي زاوية أخرى كانت البلاد تَألَمُ من جِراحات الخِنجرِ المسموم الذي أشهرهُ بعض رجالات الشيوعية في جنوب عُمان والتي شكَّلت مُنعطفاً ثالثاً يستنزفُ جُرح الوطن المُتهالك بين الإمامة والسلطان والأجندة الخارجية، فمنذ منتصف الستينيات وحتى مطلع السبعينيات وبالتحديد في عام 1975م كانت حركة التمرد تتلَّقى دعماً سخياً من الجمهورية الليبية بقيادة الراحل العقيد معمر القذافي وبعض الاشتراكين في العراق وسورية ومن قوى دولية ترعرع فيها الفكر الشيوعي في قطبين رئيسيين هما الصين والاتحاد السوفيتي آنذاك، وفي خضم هذه الزوبعة التي تعيشها البلاد والاحتقان السياسي وغياب العدالة الاجتماعي الذي كان يلتهمُ الأخضر واليابس، انبرى السلطان قابوس على منصَّة القيادة وعلى كاهله إِرثٌ مُثقلٌ بالجِراح، ووطنٌ مُتهالكٌ ومُترهلٌ بالدماء الفاسدة من الداخل والخارج، وسهامٌ مُتواترة بين الحين والآخر من الشيوعية في الجنوب، وبذور الإمامة النائمة في الجبل الأخضر وضواحيه، وتراشق دولي كبير بين الرأسمالية والشيوعية، علاوة على الخطر الإيراني الذي كان ولا زال تتوجس منه رِيبة ورَهبة دول مجلس التعاون الخليجي، فكان خطابه السامي يشي بما تشعر به نفسه ونفس العمانيين من الإحباط والبؤس تجاه الموقف العربي وهو الذي كان يطمح منهم احتواء تمرد الجنوب إذ أن عددا من الدولة العربية كانت تقدم دعما كبيراً للمتمردين، فكان خطابه السامي: "إنني كنت أنتظر بمجرد أن أصبحت عمان عضوا في الجامعة العربية أن يبادر الأخوة إلى وقف هذا النزيف!".

وحينما لم تُمدُّ له يد العون سوى من إيران إبان حكم الشاه فقد قطع القائد العظيم عهداً خالداً على نفسه بتحرير كل شبرٍ من هذا الوطن باسم عُمان دون غيرها من المسميات والتحزُّبات، كما تعهد بأن يرفل كل عماني بالعيش الهانئ الرغيد، فاستطاع أن يوحِّد الصف ويلم الشمل في (11/ ديسمبر/1975م) بعد دحر جماعات التمرد، مُعلناً العفو والصفح عمن أجرم في حق الوطن والمواطن مُتوشِّحاً في ذلك فعل النبي الكريم حينما فتح مكة فقال لأهله: "اذهبوا فأنتم الطُلقاء"، فلم يكن جسوراً على الضُعفاء، ولا مُتعجرفاً على المهزوم، ولا سيفاً مُسلَّطا على من أعمتهُ قبليَّته أو تزمَّت بالدين والمذهب والفكر، فلم يكن مثل كثير من قادة العالم الذين يقتاتون على دماء شعوبهم، فينكِّلون من خالفهم، ويستحِلُّون أموالهم وأعراضهم؛ لذا خلَّد التاريخ تلك الملحمة التي دفعت جموع العمانيين للوقوف خلفه وشعارهم "ماضون خلفك لا شِقاق ولا فِتن"، كما أنه لم يحجُر نفسه ووطنه عمن كانوا أعداءه وأعداء الوطن بالأمس، فعانقت يداه الصين والسوفييت ومصر والعراق وسورية وكثير ممن كانت تلطَّخت أياديهم ذات يوم بدماء الشُرفاء من أهل مزون الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أظف إلى ما سبق فإنه لا يخفى على عين بصير الموقف العُماني الذي انتهجه السُلطان قابوس سياسته الخارجية مع كثير من مجريات الأحداث الملتهبة، ففي المشهد الإيراني نجد أن الفكر المستنير لقائد النهضة المباركة يستوحي مبدأ الحوار والجوار بمسؤولية حضارية وتاريخية عميقة، قوامُها المصالح المُتبادلة سياسياً واقتصادياً وثقافياً؛ فكانت السلطنة تقف موقف الحياد في الكثير من الأزمات التي تكون فيها إيران طرفا مباشرا مع دول الجوار أو مع تطورات المشهد العربي، فبعد المأساة التي عصفت بالعلاقات العربية – الإيرانية إثر حرب الاستنزاف بين العراق وايران على مدى ثمان سنوات عجاف (1980- 1988م) نجد أن الموقف العماني كان يتوخَّى الحذر لينزوي بعيداً عن التصعيد أو الاحتكام للرصاص والمدافع بل كان يدعوا إلى تغليب الحكمة والعقل والاحتكام للروح الإنسانية النبيلة، أضف إلى ذلك أنها القُطر الوحيد في المنظومة الخليجية التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع إيران باسم الإنسانية وحسن الجوار، متناسية في ذلك شبح المذهبية المقيتة التي يتعاظم أثرها المخيف في نفوس كثير من الأنظمة الخليجية والعربية، فنأت بنفسها عن أن تكون مياهاً راكدة تقطع حلقة الوصل بين الخليج العربي والبوابة الشمالية له بفضل القيادة الحكيمة والحنكة السياسية النبيلة؛ فكانت محل ثقة الإيرانيين في التعامل مع كثير من المواقف الخليجية والعربية والعالمية، ولا أدلَّ على ذلك أن عُمان شكلت على مدى السنوات العشر الأخيرة جسر التلاحم والتواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في وقت كان الكل يرى استحالة أن تكون هناك أي بوادر للقاء من هذا النوع لتتوج تلك اللقاءات بتوقيع اتفاقية نووية بين إيران والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في 2015، وعلى الرغم مما تتمتع به السلطنة من تنوع مذهبي إلا أنها استطاعت أن تُشكل لحمة من الانسجام في دول المنطقة لتكون باكورة فريدة من نوعها في وقت تشهد فيه المنطقة غليان مذهبي مخيف.

وفي الداخل العُماني نجد أن التعامل مع كثير من الأفكار والمواقف والأزمات اتسمت بالحكمة والمسؤولية الوطنية الرائدة؛ فكثير من الأحداث التي توالت على البلاد طوال أربعة عقود مثل ظهور بعض التنظيمات السرية التي حاولت إحداث انقلابات سياسية مدفوعة بأيديولوجيات معينة – كما هو الحال في كثير من بلدان العالم العربي- إلا أن التعامل المسؤول من قبل القيادة الحكيمة كان فريدا من نوعه ومتميزا؛ اتسم بالتعامل مع الموقف من خلال تِبيانُ الحقيقة وتبصِير من غُرٍّر بهم بضرورة التوبة والعضِّ بالنواجذِ على مُقدّرات الوطن والإيمان بقُدسيته، كما أن الكثير من الاعتصامات والإضرابات التي توالت على الساحة العمانية والتي كانت تنادي جهاراً نهاراً بالإصلاحات التعليمية، والاقتصادية، ومحاربة الفساد، والترهل المؤسساتي لاقت آذاناً صاغية من قبل القيادة الحكيمة؛ لأنها على قناعة تامة بأن أربعة عقود من البناء والتطوير الإنساني كفيلة بخلق جيلٍ واعٍ يقرأ الأحداث بمسؤولية وتبصُّرٍ في سبيل رفع راية عُمان خفَّاقة بين الأمم، فحقَّ للسلطان قابوس أن يفخر بوطنه وشعبه، وحقَّ للعمانيين أن يرشفوا من كأس الخلود الحضاري لباني المسيرة الظافرة، وحقَّ لنا أن نُجلجِل أقدامنا وأيدينا تصفيقاً وتعظيما للقائد الوالد، وحقَّ للجميع أن يُقلِّدوا التاريخ وساماً خالداً ويُطربوا العالم بسمفونيتهم الهادئة الصامتة ويغنوا أوركسترا التضحية والفداء الحقيقي بعيداً عن الهُلامية والنفاق.
كل عام وعُمان تزهوا بالخير والسؤدد

حَمد الخَروصِي.. رَحِيلٌ بلِا مِيعَاد

ما أصعبَ تِلكَ اللحظات المُفجِعة التي تسرقُ سُهادَ الطُمأنينَة والهدوءِ من قلبٍ يُغدِق الوطن قِنطارٌ تلو آخر بين الغزل والمدح والوطنية وعتابُ النفس ودماثة الخُلق وشذرٌ من اللطائف والبسمة، ما أثقلَ ذلك الحِملُ الذي يُلقيهِ القدرُ على قلوبٍ وَجِلةٍ عذراءَ لا تفقهُ من مَملكةِ الموت وفلسفتها قيد أُنملةٍ من القساوةٍ والغِلظَة، بين غمضةِ عينٍ وانتِباهتِها يذبلُ سِحرُ الجمالِ والبهاءِ ليشتعل رأسُ الوِلدانِ شيباً؛ فيُسدِلُ على نُعومة السعادةِ أطناناً من الشُحب والبُؤس المريرِ، يعجزُ قلمي المكلوم اليوم عن نسج ملحمة عندليب القصيد الذي توشَّحت بزهرهِ الفوَّاح عُمان من أقصاها إلى أقصاها، تخطَّفه الموت في غمرة الحُبِ والسَعادة بين أحضان الثقافة والحضارة دون أن يطرق ربيعه الأربعين، فلا عزاء لعُمان وسُكَّانها الطيبون إلا الإيمان الصادق بحقِ قضى الله وقدره.
"الشعرُ هو السفرُ الذي يطوي الطريق المار في وسطِ غاباتِ الحياة المُظلمة, وهو عمود النور الهابط من شمس الأمل، هو الطفل الذي يتمرجح ُبلا أغصان ويلعب بماء النهر, هو الحُلم الذي لا يتكرر مرتين, هو الهواء الذي لا نستطيع القبض عليه ولا نستطيع العيش بدونه، نُحبه حينما يتمرَّدُ علينا, ويدهشنا حينما يثور ويغضب ويحطم أنخاب الوهم، وننزعجُ منه حينما يكون بسيطا وطيبا وساذجا" كلمات توحي بوزن قلم رصين وحصيفٍ حينما سُأل ما الذي يعنيه الشعرُ لحمد الخروصي؟، ألِفَ بساطته وسماحته وكرمه وخُلقه النبيل كثير من عاشقيه في عُمان والخليج العربي وبلاد شتَّى، تغنى كثيرا في بحور الشعر وأطرب محبيه وحاقديه بنبراته الرخيمة، وأوزانه السجيَّة، ومفرداته العذبة، تأبَّطت عليه شرا بعض الأيادي لتُلقيه في غياهب التُهمة بالخيانة والنذالة لكنه كان عصيَّا في أن يُمضغ لحمه الطاهر بدناءة المال وشراء الذمم، صدح بأعلى صوته أن عُمان طاهرة بمُخلصيها وقائدها الهُمام، أنشد مدادهُ هيامُ عاشقيه لينثروه دمعاً وحُباً على روضة قبره الطاهر:
حمـامة الجنَّــة تعـــود
فــــاقده سرب الأهـــل
ســافروا خلف الحدود
يــوم ما حــان الأجــل
عْيونها حزن وصمود
باِلله وعــمــان الأمــل
 
دافع عندليب القصيد عن وطنه الطاهر وحارب مواطن الفساد التي غرسها في نفوس أبناء الوطن القائد الوالد حفظه الله، وحينما زُجَّ به بين القضبان وقبل أن تأتي براءته من سيد العدل وصاحب الرأي الحكيم حضرة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه، تدفق القصيد بين جوانح شاعر مجروح مكلوم؛ فشدا القلم قولا عميقاً جاء فيه:
 
شبيهك يالوطن هذي الوجوه النابتـــه بالـسُمر
شبيهك يالوطن هذي القصائد قهوة الغــــربه

شبيهك يالوطن أمـي العــزيزه واخـوتي والفقر
شبيهك بيتــنا المركــون والحــاره علــى دربه
كتبنا والـوجع طين الضلـوع اللي حَناها الحـبر
رضعنا والألم ثدي الجـروح وماتت الرغبـــه
هنا والمـوت أحلام وصبـايـا واغتصاب الشعر
هنا والموت تفاحة صلاة وجـــوع أشعــر بـه
شبيهك يالوطن وش هو شبيهـك غير هـذا الكفر؟
وأنا المنفــاي بترابك وأنـــا المسجـون بالرهبه
نعـم علَّقتك بغرفة حصاري والجـدار الـــقـبر
سنين وبيني وبينك يحـول الخـوف والتربـــه
 
يا أمي والــوطن حزمة دروب وطعنةٍ في الظهـر
يا أمي والــغياب اللــي نبـــش قــبــري قبـل ربه
يا أمي والزهـاب اللي كسر فيني زجاجة عطـر
يا أمي والوطن يا مــبعــدة عــني .. ويا قربه
يا أمي واصدقاي اللي دفنت إبملح هذا البحـر
يا أمي واصدقاي اشكثرهم .. يا قلّهم صحبه!
يا أمي والغياب أبن الرحيـل السرمدي للطُهر
يا أمي والــوطن اطلق عنان الريح مع سـربه
تذكرت الـوطن وأمي الحزينه وبيتنا والفـــقـر
تذكر يالوطن ليل الحـصار بغـــرفــة الـغـربه 
 
لم ينسى حمد الخروصي – رحمه الله – ألمه المدفون وجرحه النازف بفقد أخيه (حمود) إثر حادث سير لينسدل تبر الشعر حُزناً وألماً فيشدوا:
اليوم رابع يوم للفــقد يا حمـــود
والحال يعلم فيه يا أخوي ربَّــك
يا بعـد عمري إنت يا ليتك تعود
ما زال مـسجدنا يراقب لدربك
ماني مصدّق كيف ما عدت موجود
يعني محال ألقاك وأجلس بجنبك
ودِّي أشوفك نور في أيَّامي السود
وأهمس في أذنك يا حبيبي: أحبك
يا دعوة اخوانك وأنا أخوهم العود
يكون قبرك واســـع ٍمثــل قـلبـك
ويـفــوح مـنْه الورد ومعتَّق العود
الشمس مصباحك رضى الله سحبك
والله يجمعنا معك - مشط بـــارود-
وقبورنا يا أخوي شرقك وغــربك
تحكي لنا عن جنة الخلـــد يا حمود
دامك سبقـــت الـكل وأخترت ربك
كم سيفتقدك القصيد ويُبكيك القلم يا حمد، نحن بحاجة لأن نشنِّف آذاننا لشدو نبراتك المُخلصة وعذوبة خواطرك الصادقة، رحلت بلا ميعاد وكنت تتلقَّفُ الموت من كل حدبٍ وصوبٍ فلا يأتيك، دخلت قلوباً لم تعرفك، وأَلِفتك وجوهٌ لم تُبصرك، رحم الله روحك النقية، وأسدل على جسدك الطاهر فيضاً من أنهار الرحمة والمغفرة، نم بسلامٍ فستذكُرك الأقلام بعظيم قولك ونبيل خُلقك وتحتضنك قلوب المخلصين برونقها الإنساني الزاهي.
إنا لله وإنا إليه راجعون

الفوضى العربية

حينما تُغتال الكرامة والحُرية باسم الصَّالح العام فيُهانُ المرء ويُبتذل وتُكال عليه صُنوف العذاب والتنكيل؛ فإنَّ في ذلك مبرر لاندلاع الغضب وبحِّ الحناجر للذَّود عن الحقوق، ولرُبما تطور الأمر إلى مَشاهد تُعيدنا للقرون الوسطى التي عاشتها البشرية في حُبِّ الانتقام والانتفاع الشخصي على عموم العباد تحت شماعة مصلحة الدولة، يبدوا أن (البوعزيزي) الذي جعل من جسده المُلتهب قُربانا تكتويِهِ مظاهر البؤس والإحباط؛ إثر جبروت امرأة استحقرت (الشرطية فادية حمدي) عربته المهترئة فصادرتها وقطعت حبل رزقه ليجعل السابع عشر من ديسمبر 2010 شرارة حارقة ضد الفساد الاقتصادي والترهل السياسي والظُلم الاجتماعي الذي تعيشه تونس إبَّان عهد (زين العابدين)، لينسحب المشهد التونسي بعد حينٍ إلى مواطن عربية أخرى لا تزال شعوبها تُعاني من مستقبل فوضوي عارم في ظل بعض الحكومات الاستبدادية التي أحكمت على المواطن أَسوِرةٌ من فِضَّةٍ وأخرى من ذهب لكنها ألقتهُ في غياهب الجُبِّ ذات غسقٍ شديدٍ إذا أخرج يدهُ لم يكد يراها ليجد نفسه يعوم في بحرٍ فسيح.
جميعنا كمواطنين عرب تابعنا الحِراك الثَّورِي الذي بدأ يدكُّ عروش قومٍ كُنا قاب قوسينٍ على تصديق أنهم شبه مُخلَّدُون، ليخرُج من بطونِ الموت ثُلة من الشباب الطامحِ للإِصلاح والتغيير؛ إذ أثقل كاهلهم التهميش والاقصاء، فلم يُرضِهم أن تستمر جيوب الفاسدين في سرقة خيرات أوطانهم، ولم يُبهجهم رُؤية كروش بعض (الهوامير) وهي تعُوم في بحرِ الفُقراء فتلتهم لقمة المُعدمين ومن تقطَّعت بهم السُبل، وجدوا أنَّ الوقت حان لأن تُكشف الأوراق على طاولة الشَّعبِ، ويُفصح عن الأرقام الفلكية لكثيرٍ من الاتفاقيات التي أُبرِمت مع العدو والصديق دون أخذ أي اعتبارٍ لرُكن الدولة الأساس وهو المواطن، استشعروا مدى التَّخلُف التعليمي والتقهقر الصناعي و والرجعية الحضارية أمام ما تمتلكهُ بلدانهم من ثروات هائلة ورصيد تاريخي يُبرهن على أنَّهم أوائل الشعوب الإنسانية التي نهلت منها الحضارات اللاحقة بطون العلم والمعرفة، حينها صدح (البوعزيزي) ومن جاء بعده من الشباب في وجه الرجعية والظلم والقهر والتخلف على أمل التنوير وبناء مستقبل زاخر لأوطانهم وشعوبها الناضجة.
لكن يبدوا أن المشهد يُعيد نفسه بحِرفِية مُتقنةٍ ولربما ينطبقُ على الوضع الراهن المثل القائل: "يا زيد كأنَّك ما غزيت"؛ فأمام أنهار الدِّماء الزَّكية اختلطت دماء نتنة، وأمام التضحيات الطاهرة ولِجَت فيها مصالح نجِسة، وبين غمضةِ عينٍ واتباهتها بدأنا نرقُب تحول في المشهد المدني فيما أطلق عليه بــ(الربيع العربي) إلى دويلات عسكرية يتقلَّد زمامها جنرالات الجيش ورؤساء الأركان وكأن التاريخ يعيد نفسه حول صيرورة مستقبل الدولة حينما يحكمها العسكر ابتداء من الدولة العُثمانية وما قبلها مروراً بأبطال الحربين العالميتين الأولى والثانية وانتهاء بالدول التي اندلعت فيها الثورات وكان يحكمها آنذاك عسكريون، والمُخيف في الأمر أن قادة (الربيع العربي) أضحوا كما يقول المثل "برزت تفق" فبعدما أزاحوا قيادات ضاربة في العمق السياسي والاستحواذ الاقتصادي وما يملكوه من حُلفاء أشدَّاء أصبحت الساحة السياسية فارغة مما جَرَّ إلى ويلاتٍ اجتماعية وانهيارٍ اقتصادي مُفجِع.
أيها السيادات والسادة/ هل تتوقعون لو أن (البوعزيزي) أفاق من قبره وشاهد واقعنا العربي الذي يعيش فوضى عارمة من فقرٍ سياسي وتصحّرٍ ديني عبر فتاوى مُبعثرة تُبيح بعض الدماء عن الأخرى باسم المذهب والعِرق دون الأخذ بالاعتبار قول النبي الكريم "دم المؤمن على المؤمن حرام"، واقتصاد هزيل يعيش بعض ساستة و(الكبارية) على أبار النفط المنهوبة والموهوبة بين جحا والأربعين حرامي الذين يتسلَّقون على ظهور الشُرفاء والمُخلصين ليحقِّقوا مآربهم وكانوا في القريب المنصرم سماسرة الحروب، ناهيك عن التخلف التربوي والترهل في البطالة وانعدام براءات الاختراع وهزالة البحث العلمي، وبحش قبور من فاضوا إلى بارئهم لإذكاء روح التعصُّب والجاهلية وتحقيق مصالح التشرذم بالقبيلة والعشيرة والطائفة على حساب الوطن؟، هل كاد يصدحُ (البوعزيزي) بصوته المبحُوح تجاه من (هَرِمَ) الوطن بفسادِهم لو كان يعلم أنه بذلك سيُلمِّع صورة بعض من يُحسبون على الدين وهو بريء منهم كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب ليصبحوا وكأنَّهم مشاهير هوليود؟
نحن بحاجة لأن نبني منظومتنا الإصلاحية بتروٍ ومسؤوليةٍ بعيداً عن المِثالية الزائفة والمستقبل الهُلامي والمصالح الحزبِية والنَّعرات الطائفية؛ فالمواطن العربي اشتعل رأسهُ شيباً من الصِّراعات واستعراض العضلات وهو في أمسِّ الحاجة للعدالة الاجتماعية والنُّضج السياسي والازدهار الاقتصادي، والتاريخ لا يرحم الأُمم حينما يخطُّ مراحلها وما آلت إليه حينما يتصل الأمر بمرحلة مِفصلية، ما يبدوا حتى اللحظة أن المواطن وبعدما كان يستبشرُ بالربيع العربي خيراً أضحى وكأنَّهُ يدورُ في حلقةٍ مُفرغةٍ مُحاطةٌ بألغامٍ وكمائِن فلا يزالُ يشعرُ بالإحِباط والانهزامِ ويرى أنه في عمق معمعة الفوضى العربية.

الغضبُ الخليجيّ في اليمنِ .. زوبعةٌ فِي عُمقِ فنجَان!

يبدوا أن الصورة في أقصى جنوب الجزيرة العربية لا تزال ضبابية، بل إن بعض أجزائها بحاجة إلى مُحترفين ينتشلون تفاصيلها الدقيقة لتكون بيِّنة للجمهور، فلا تزال أسئلة المواطن الخليجي  والعربي تتواتر بين حين وآخر عن ماهية هذا الزخم المهول للترسانة الحربية التي تُدكُّ بها اليمن على مدى ستة شهور، فلماذا لم تُحسم المسألة خلال أسابيع معدودة كما كان (يُغرِّد) بذلك عسيري – المتحدث الرسمي لقوات التحالف – من أننا نواجه بعض المشردين من الحوثيين وسنمحقهم من الساحة؟، ثم ما هو مستقبل النسيج الاجتماعي والمنوظمة الأمنية وسبيل المحافظة على الإنجازات الحضارية بدول الحلفاء أمام الشَّرخ الخليجي والعربي الذي فلق المجتمع إلى مؤيدٍ ومعارضٍ وأمام ملايين المواطنين الذين ينتشرون في ربوع دول المجلس ومنها على سبيل المثال السعودية التي تتزعم الحلف إذ تضم 5 ملايين حسب إحصائية المركز الوطني؟، وهل من مبررٍ لأن تتكبد دول المجلس فاتورة حرب بلغت حتى اللحظة وفق التقرير الأمريكي الاقتصادي حول الإنفاق على الحروب واللاجئين حيث بلغ التكلفة 20 مليار دولار بواقع 25 مليون ريال سعودي كل يوم حيث تتكبد السعودية نصيب الأسد في بلد يُعاني من أزمات داخلية سياسية وقبلية وفساد مُترهِّل على مختلف مؤسساته المدنية والعسكرية في وقت تشير مجلة "وطن" الإخبارية السعودية أنه وحسب نتائج دراسات يمنية أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر تصل إلى 45% ونسبة البطالة 35% وأن نصيب الفرد السنوي لا يتجاوز 600 دولار  بينما ذلك الدخل يرتفع لدى جيرانها بدول المجلس ليصل إلى 33 ألف دولار؟، لماذا لم يطبق الخليجيون المثل القائل: "لا تُطعمني سمكة بل علمني كيف اصطاد" فلماذا لم يبذخ الخليجيون هذه المليارات والشيكات المفتوحة أمام غياب الأفق بانتهاء الحرب نحو بناء مؤسسات الدولة الحديثة في اليمن، وتطوير المواطن، وتجويد التعليم، وضخِّ الفكر التنويري لفهم الحياة المدنية، وشحذ الهمم نحو تمكين ثقافة المواطنة المسؤولة بعيدا عن التمذهب والتحزب والقبلية السمجة؟، وأخيراً حينما طالب اليمن بالانضمام إلى البيت الخليجي منذ العام 1996م؛ ليتمتع بامتيازات سياسية واقتصادية واجتماعية تنتشله من براثن الفساد والتخلف أُغلقت أمام طموحه أبواب أصحاب العِقال والبشوت إثر النزاع الحدودي  بين السعودية واليمن، وتوتر العلاقات مع الكويت على خلفية اجتياح العراق للأخيرة وموقف اليمن مع الراحل صدام حسين فلماذا الآن دخلت جحافل الخليج وأموالهم وفرشوا خرائطهم السياسية والاقتصادية على الطاولة اليمنية  واستشعروا أنه مؤثر استراتيجي في الساحة بين غمضة عين وانتباهتها؟.
 لكن بالمقابل أليس من الحق أن يحفظ الخليجيون ماء وجههم ويقفوا سداً منيعاً للذَّود عن بوابتهم الجنوبية تجاه تغلغل الدب الروسي والثور الإيراني؟، لماذا يُلقي البعض على السعودية وحلفائها تُهم توريد التطرف المذهبي وحب الانتقام من الشيعة وهم يرقبون قتل العرب بدم بارد في سورية والعراق ولبنان بأيادٍ إيرانية أظهرت أدلتها كثير من الاستخبارات العالمية والعربية؟، لماذا يتشدَّق بعض الخليجين حول الدور السعودي في اليمن وهم يشهدون بين فينة وأخرى أنياب إيران في البيت الخليجي سواء في البحرين  أوالكويت فهل يُنتظر أن يكون اليمن عراقا أخر؟
يبدوا أن المواطن الخليجي وبعد ستة أشهر من الصراع العنيف والخسائر المتبادلة بشرياً ومادياً دون النتائج الملموسة  بدأ يتساءل عن سيناريوهات المرحلة المقبلة في ظل غياب الحل السياسي أو العسكري وضبابية الصورة الحقيقية بغياب الميثاق الصحفي لبعض مؤسسات القطاع الإعلامي ذات التأثير الجماهيري الكبير والتي أصبح (بعضها) بوقاً ينعق بوزن الأموال (المنفوشة) على خصره من الحكومات أو الأحزاب والجماعات الأخرى في سبيل تلميع المشهد وكشف عوراتٍ مُزيَّفة عن الآخرين ولسان حالها "السبالة في عيون أمها غزالة".
إن المتتبع للغضب الخليجي والذي يبرز جليَّاً في تصريحات وتصرفات السعودية والإمارات يشعر أن هناك غصَّة كبيرة للواقع المُتأزم الذي يعيشه البيت الخليجي وغياب دوره الريادي والقيادي في المشهد العربي بعد تقهقر الجبهة المصرية حول مناصرة القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسيطينة؛ بسبب الأزمات التي تعيشها مصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بالمقابل نجد أن الكلمة الخليجية أضحت مطَّاطية في بعض المواقف وفي ذلك مؤشر قوي عن وجود خلل في أعمدة البيت الخليجي وذلك خطر كبير على المنطقة؛ فاعتراض عمان على قطع علاقتها مع السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد 1987م، وموقفها المتوازن بين المتحاربين في حرب الخليج الأولى الاستنزافية  (1980- 1988) دون قطع العلاقات بينهما (العراق وإيران)، وعدم المشاركة في إرسال القوات الوطنية العسكرية للبحرين إثر أحداث دوار اللؤلؤة (2011) والتي اتهمت فيها دول الخليج إيران بخلخلت الاستقرار السياسي وفلك لحمة النسيج الاجتماعي في الأخيرة،  إضافة إلى عدم الولوج في مشروع العملة الخليجية الموحدة، مرورا برعايتها للمفاوضات الأمريكية - الإيرانية حول ملفها النووي، انتهاء باعتراضها ودولة الكويت للمشاركة في "عاصفة الحزم" ضد اليمن وتبنيِّها لمفاوضات مسقط 2015 بين المتناحرين دون استشارة خليجية، وفي الزاوية الأخرى وعلى مرمى حجر عن عمان كان هناك شقاق خليجي – قطري حول موقف الأخيرة من النظام السياسي بمصر بعد انقلاب العسكر على الحكومة المنتخبة، أظف إلى ما سبق فكرة مشروع إنشاء "قناة سلمان" والتي من المُتوقَّع أن تُكلِّف الدول الأعضاء حسب التقارير الأولية للمشاريع الاستراتيجية الخليجية ما يربوا عن 80 مليار دولار؛ إذ من المؤمل أن تكون البديل الاستراتيجي لمواجهة النفوذ الإيراني في مضيق هرمز  إلا أن هذا المشروع  يلقى قبول بعض الأعضاء ورفض آخرين.  
لا يُزايد أحد على أن المملكة العربية السعودية بشكل خاص ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام وبعد غياب جبهة المقاومة للكيان الصهيوني، وامتزاج الغثِّ بالسمين فيما يحصل في سورية والتي كانت بمثابة حجر عثرة أمام المشروع الصهيوني لاجتثاث الانظمة القومية العربية– على الرغم من مساوئ النظام – وأمام زوال حكم بعض قادة العرب الذين كانوا يطربوننا بالنَّصر المؤزر بالليل ويجزرون رؤوس الأحرار بالنهار إلا أنهم كانوا حماة الوطن العربي من بغش التمدد الإيراني وتحقيق مصالحها ومآربها السياسي والتاريخي، فإن هذه المرحلة تُحتِّم عليهم (دول الخليج) أن يكونوا على قدر كبير من المسؤولية والحذر في علاج جراحات الجسد العربي المُتهالك، والخطأ أو المغامرة في التعاطي مع مختلف القضايا السياسية والاقتصادية هو بمثابة تنازلات أخرى أمام بحر الظلمات الذي أدخلنا فيه بعض مجانين السياسة وتُجَّار الدين والمال، نحن بحاجة لأن تتقلَّد السعودية زمام القيادة بما يخدم مصالح الأمة ويرجع لها بريقها الناصع بالتسامح والإنجاز والعطاء أمام ما تملكه من معطيات تؤهلها لذلك، نحن بحاجة إلى نبذ التصرفات الطفولية لبعض السياسيين الذين تفضحهم مقاطع اليوتيوب المُسرَّبة والتي تضم بين جنباتها هلوسات الثأر والازدراء واستصغار اليمن، نحن بحاجة إلى أن نقف في المربع الصحيح ونراجع إنجازاتنا السياسية والاقتصادية ثم نتساءل لماذا نجحت إيران وهي الآن تترقب أن يُفتح لها أبواب الجنة لتكون ضمن الدول العظمى بينما لا زلنا نراوح مكاننا وإن غضبنا أحرق بارودنا الأخضر واليابس؟، نحن بحاجة لتكون لنا مبادرة نصرة قضايانا العربية المصيرية وعلى رأسها فلسطين، واللاجئين، وتجويد التعليم، وتنويع مصادر الدخل، وخلق مؤسسات قانونية مطلقة الصلاحية، وتكوين مبادئ الديمقراطية السليمة، وخلق مواطن مُنتج لا جسدُ فيلٍ وعقل عصفورٍ.
 

قراءة في الموقف السعودي – الإيراني

" من دخل اليمن غازياً سيفرُّ منها خائباً وستكون محرقة للغُزاة"، "سينصرُ الله من يجاهدون لتطهير اليمن من رجس المجوس" عبارتان تناقضان بعضهما البعض فلقت المجتمع العربي بين مؤيدٍ لما يحدث في جنوب الجزيرة العربية وبين من يُعارضها، وبين المتناقضين أبواقٌ رخيمة تُفتي على ما يشتهيه الجمهور!، وأخرى تتقاذفها الفوضى بين واقعٍ مؤلم ومستقبل مُوحش وبينهما حجاب من حميَّة الجاهلية الأولى، يبدوا أن المواطن العربي أصابته التُخمة حول مُناصرة قضاياه المصيرية التي تدفَّقت في تأييدها دماء زكية وأزهقت الأرواح الطاهرة للذَّودِ عن حياضها المُقدَّس، وكما هو بيَّنٌ للعيان أن القضية الفلسطينية أصبحت في محل نصب خبر (كان)، وأن الفوضى السياسية والاندثار الاقتصادي والترهل الانهزامي في القرارات السيادية والاستراتيجية أضحى أمرا طبيعيا.

وبين كل هذا الزِّحام كانت دول الخليج العربي محط أنظار المراقبين؛ فيما تشهده من طفرة تنموية مادية وبشرية مهولة إلا أنها لا تزال تعتمد على النفط في قوَّتها الاستراتيجية مما قد يجرُّ المنطقة في مراحل لاحقة نحو مفترقات طرق خارجة عن الحسابات، وقد شكل تنامي الدور الإيراني في المنطقة وظهورها كقوة كبرى ذات أبعاد سياسية ودينية واقتصادية أثارت حفيظة ملوك ورؤساء الخليج والذين بدورهم صدَّروا هذا الهاجس لشعوبهم عبر المثقفين والكُتَّاب ووسائل الإعلام ليكون ذاك الشرخ العظيم بين الجانبين والذي بلغ أشده في حرب الاستنزاف لثمان سنوات عجاف (1980-1988) بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني وبين العراق بعُدَّته وعتاده وجنده بقيادة صدام حسين ومعه دول الخليج العربي بأموالها السخيَّة لتنتهي تلك الحقبة دون منتصر لكن نتائجها الوخيمة كانت أكثر إيلاما على دول الخليج التي تلقَّت ضربة موجعة بغزو صدام للكويت؛ بعدما خذله جيرانه حينوا اغرقوا العراق في ديون الحرب ولم يلتزموا بخفض انتاج النفط حتى يعوض العراق خسائره عبر رفع سعر البرميل، إلا أن الخسارة الأكبر من تلك الحرب – الحرب العراقية الإيرانية -  هي اهتزاز صورة السعودية وسحب البساط من تحتها من أن تكون صاحبة القرار السيادي والاستراتيجي في المنطقة؛ إذ أن الأخيرة (السعودية) ترى بأنها المسؤولة الأولى عن حماية دول الخليج والدفاع عنها والذَّود عن حياضها بكل ما تحمله هذه العبارة من دلالات سياسية وعسكرية، ولذا فلا عجب أن نجد امتعاضا سعوديا بين فترة وأخرى حينما تستقل عُمان ببعض قراراتها التي تجدها لا تخدم مصالحها الوطنية ولا تُقدم خيراً للمنطقة.

وعودة إلى المشهد اليمني فإن ما تقدم في المقال عن الشعور السعودي بوجه خاص والخليجي بوجه عام من أنها حُشرت في زاوية المُتفرج أمام كل ما تملكه من ترسانة حربية مهولة ومحيطات من الأموال والنفط، إلا أن سقوط نظام صدام – على الرغم من وقوفهم ضده- شكل علامة فارقة نحو الوقوف ضد الأخطبوط الثوري الإيراني في المنطقة والقائم على تصدير الثورة (للمستضعفين)، فارتفعت وتيرة هاجس خلخلت التوازن المذهبي والولائي في البحرين واليمن والمنطقة الشرقية بالسعودية ناهيك عن بعض الدول العربية كسورية وليبيا ومصر ولبنان، إلا أن السعودية وفي عهد الراحل الملك عبدالله كانت لا تزال تتشبث بسياسة إمساك العصى من الوسط  غير أن هذه السياسة اختلفت إثر اعتصامات دوار اللؤلؤة في البحرين في 2011؛ إذ تحركت الترسانة الخليجية – عبر درع الجزيرة- لإثبات الوجود وتمكين الذات السيادية والحفاظ على ماء الوجه خاصة أمام تواتر التصريحات الإيرانية بحقها في البحرين سياسيا واجتماعيا وحضاريا، إلا أن الامتعاض الخليجي وشكوكهم تجاه إيران ضل حبيس المفاوضات واللقاءات إلى أن أفرزت الساحة السياسية العالمية متغيرات أشعرت السعودية وحلفائها بأنها في موقع "كش ملك" ولربما يتم تقاسم الكعكة بين أعدائها وأصدقائها، فيكون الخليج بين كماشة المصالح المتبادلة بين الدول العظمى؛ فالاتفاق النووي بين إيران وشيطانها الأكبر أمريكا قد دقَّ ناقوس الخطر بأن الحليف الاستراتيجي للخليج العربي – أمريكا- قد تتخلى عنهم حينما يتعلق الأمر بمصالحها الوطنية، بالمقابل فإن إيران تحظى بعلاقات وطيدة مع روسيا والتي تجدها السعودية جبهة مضادة لتوجهاتها في سورية واليمن، أظف إلى ذلك مستقبل العلاقة الحميمية التي بدأت مياهها الدافئة تسري بين أحضان إيران وأمريكا وأوروبا، ومن هنا كان لابد من حِراك فعلي لإذابة الجليد وإثبات الذات؛ ومن هنا حلقت طائرات التحالف في اليمن دون علم الأمريكان الذين صرَّحوا بأن ما حصل كان دون علمهم أو تنسيق مسبق مع مملكة الاستخبارات التي يتمتعون بها وفي ذلك إشارة للغضب السعودي لما يجري على طاولة المفاوضات الإيرانية – الأمريكية.

مثَّل التحالف الخليجي بقيادة السعودية ضد الحوثيين ودكِّ اليمن بأطنان الترسانة الثقيلة محل استغراب واستهجان كبيرين في الأوساط العالمية، وقد لا يختلف اثنان أن الحرب هلاكٌ للبلاد والعباد؛ فلا يسلم منها بشرٌ ولا مدرٌ ولا شجرٌ إلا ويُصاب بالألم والدمار، وهنا يطرح المواطن الخليجي جُملة من التساؤلات التي تحاول قراءة واقع الصراع السعودي الإيراني ومنها: لماذا دخلت السعودية وحلفائها بكل هذه الترسانة المهولة لليمن؟، وهل شعور السعودية وحلفائها أن إيران تحشرهم في زاوية ضيقة منطقيا؟، ثم هل يصدق قول المراقبين أن الحرب بالوكالة بين ايران والسعودية دخلت إلى حرب مباشرة في الساحة اليمنية؟، وهل السعودية ودول الخليج على استعداد لتحمل التبعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه المعركة؟، ثم ما الفرق بين ما اعتبرته السعودية أثناء اجتياح الكيان الصهيوني للبنان في صيف 2006 بأن الأخير أدخل نفسه في مغامرة غير محسوبة – في إشارة لحزب الله- وبين ما تقوم به دول الحلفاء في اليمن أوليس صيف 2006  بلبنان هو ذاته صيف 2015 باليمن؟، وأخيرا هل قرأ الخليجيون التدخلات السعودية باليمن منذ ما قبل اتفاق الطائف 1934م وحتى اليوم ليضعوا إصبعهم على المربع الذي يحتويهم في المشهد اليمني؟، أسألةٌ كثيرة يفترض أن يطرحها المواطن الخليجي ليجيب عليه كبراء السياسة الذين يضخّون ليل نهار بحار الأموال في حرب استنزافية كان حريٌّ أن تبنى من خلالها مؤسسات الدولة العصرية في اليمن ويُنتشل من براثن الفساد والتخلف والتعصُّب، كان من المفترض أن تُبذخ تلك الأموال لتنوير بعض رجالات الدين في دولنا الخليجية التي (تُفصِّل) الفتاوى الباطلة، فيُصنِّفون هؤلاء شهداء وأولئك حطب جهنم دون تأصيل شرعي لماهية الشهيد ومعرفة أصول المُعتدِي والمُعتدَى عليه وهم يتلون قول نبيهم الكريم "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار".

 نحن بحاجة أن تُستهلك هذه الأموال في تنقيح مناهجنا التي لا تزال تتحدث عن تكفير الشيعة أو السنة أو إحلال دم المؤمن باسم المذهب والقبيلة والعِرق، نحن بحاجة لأن نقف دقيقة صمتٍ نُرتِّب من خلالها أوراقنا المُبعثرة، ونُلملم الفوضى التي قد تجتاحنا أمام ضجيج ما يحدث في الوطن العربي دون أي اعتبار للإنسانية والتاريخ والحضارة.