الأحد، 4 أكتوبر 2015

حَمد الخَروصِي.. رَحِيلٌ بلِا مِيعَاد

ما أصعبَ تِلكَ اللحظات المُفجِعة التي تسرقُ سُهادَ الطُمأنينَة والهدوءِ من قلبٍ يُغدِق الوطن قِنطارٌ تلو آخر بين الغزل والمدح والوطنية وعتابُ النفس ودماثة الخُلق وشذرٌ من اللطائف والبسمة، ما أثقلَ ذلك الحِملُ الذي يُلقيهِ القدرُ على قلوبٍ وَجِلةٍ عذراءَ لا تفقهُ من مَملكةِ الموت وفلسفتها قيد أُنملةٍ من القساوةٍ والغِلظَة، بين غمضةِ عينٍ وانتِباهتِها يذبلُ سِحرُ الجمالِ والبهاءِ ليشتعل رأسُ الوِلدانِ شيباً؛ فيُسدِلُ على نُعومة السعادةِ أطناناً من الشُحب والبُؤس المريرِ، يعجزُ قلمي المكلوم اليوم عن نسج ملحمة عندليب القصيد الذي توشَّحت بزهرهِ الفوَّاح عُمان من أقصاها إلى أقصاها، تخطَّفه الموت في غمرة الحُبِ والسَعادة بين أحضان الثقافة والحضارة دون أن يطرق ربيعه الأربعين، فلا عزاء لعُمان وسُكَّانها الطيبون إلا الإيمان الصادق بحقِ قضى الله وقدره.
"الشعرُ هو السفرُ الذي يطوي الطريق المار في وسطِ غاباتِ الحياة المُظلمة, وهو عمود النور الهابط من شمس الأمل، هو الطفل الذي يتمرجح ُبلا أغصان ويلعب بماء النهر, هو الحُلم الذي لا يتكرر مرتين, هو الهواء الذي لا نستطيع القبض عليه ولا نستطيع العيش بدونه، نُحبه حينما يتمرَّدُ علينا, ويدهشنا حينما يثور ويغضب ويحطم أنخاب الوهم، وننزعجُ منه حينما يكون بسيطا وطيبا وساذجا" كلمات توحي بوزن قلم رصين وحصيفٍ حينما سُأل ما الذي يعنيه الشعرُ لحمد الخروصي؟، ألِفَ بساطته وسماحته وكرمه وخُلقه النبيل كثير من عاشقيه في عُمان والخليج العربي وبلاد شتَّى، تغنى كثيرا في بحور الشعر وأطرب محبيه وحاقديه بنبراته الرخيمة، وأوزانه السجيَّة، ومفرداته العذبة، تأبَّطت عليه شرا بعض الأيادي لتُلقيه في غياهب التُهمة بالخيانة والنذالة لكنه كان عصيَّا في أن يُمضغ لحمه الطاهر بدناءة المال وشراء الذمم، صدح بأعلى صوته أن عُمان طاهرة بمُخلصيها وقائدها الهُمام، أنشد مدادهُ هيامُ عاشقيه لينثروه دمعاً وحُباً على روضة قبره الطاهر:
حمـامة الجنَّــة تعـــود
فــــاقده سرب الأهـــل
ســافروا خلف الحدود
يــوم ما حــان الأجــل
عْيونها حزن وصمود
باِلله وعــمــان الأمــل
 
دافع عندليب القصيد عن وطنه الطاهر وحارب مواطن الفساد التي غرسها في نفوس أبناء الوطن القائد الوالد حفظه الله، وحينما زُجَّ به بين القضبان وقبل أن تأتي براءته من سيد العدل وصاحب الرأي الحكيم حضرة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه، تدفق القصيد بين جوانح شاعر مجروح مكلوم؛ فشدا القلم قولا عميقاً جاء فيه:
 
شبيهك يالوطن هذي الوجوه النابتـــه بالـسُمر
شبيهك يالوطن هذي القصائد قهوة الغــــربه

شبيهك يالوطن أمـي العــزيزه واخـوتي والفقر
شبيهك بيتــنا المركــون والحــاره علــى دربه
كتبنا والـوجع طين الضلـوع اللي حَناها الحـبر
رضعنا والألم ثدي الجـروح وماتت الرغبـــه
هنا والمـوت أحلام وصبـايـا واغتصاب الشعر
هنا والموت تفاحة صلاة وجـــوع أشعــر بـه
شبيهك يالوطن وش هو شبيهـك غير هـذا الكفر؟
وأنا المنفــاي بترابك وأنـــا المسجـون بالرهبه
نعـم علَّقتك بغرفة حصاري والجـدار الـــقـبر
سنين وبيني وبينك يحـول الخـوف والتربـــه
 
يا أمي والــوطن حزمة دروب وطعنةٍ في الظهـر
يا أمي والــغياب اللــي نبـــش قــبــري قبـل ربه
يا أمي والزهـاب اللي كسر فيني زجاجة عطـر
يا أمي والوطن يا مــبعــدة عــني .. ويا قربه
يا أمي واصدقاي اللي دفنت إبملح هذا البحـر
يا أمي واصدقاي اشكثرهم .. يا قلّهم صحبه!
يا أمي والغياب أبن الرحيـل السرمدي للطُهر
يا أمي والــوطن اطلق عنان الريح مع سـربه
تذكرت الـوطن وأمي الحزينه وبيتنا والفـــقـر
تذكر يالوطن ليل الحـصار بغـــرفــة الـغـربه 
 
لم ينسى حمد الخروصي – رحمه الله – ألمه المدفون وجرحه النازف بفقد أخيه (حمود) إثر حادث سير لينسدل تبر الشعر حُزناً وألماً فيشدوا:
اليوم رابع يوم للفــقد يا حمـــود
والحال يعلم فيه يا أخوي ربَّــك
يا بعـد عمري إنت يا ليتك تعود
ما زال مـسجدنا يراقب لدربك
ماني مصدّق كيف ما عدت موجود
يعني محال ألقاك وأجلس بجنبك
ودِّي أشوفك نور في أيَّامي السود
وأهمس في أذنك يا حبيبي: أحبك
يا دعوة اخوانك وأنا أخوهم العود
يكون قبرك واســـع ٍمثــل قـلبـك
ويـفــوح مـنْه الورد ومعتَّق العود
الشمس مصباحك رضى الله سحبك
والله يجمعنا معك - مشط بـــارود-
وقبورنا يا أخوي شرقك وغــربك
تحكي لنا عن جنة الخلـــد يا حمود
دامك سبقـــت الـكل وأخترت ربك
كم سيفتقدك القصيد ويُبكيك القلم يا حمد، نحن بحاجة لأن نشنِّف آذاننا لشدو نبراتك المُخلصة وعذوبة خواطرك الصادقة، رحلت بلا ميعاد وكنت تتلقَّفُ الموت من كل حدبٍ وصوبٍ فلا يأتيك، دخلت قلوباً لم تعرفك، وأَلِفتك وجوهٌ لم تُبصرك، رحم الله روحك النقية، وأسدل على جسدك الطاهر فيضاً من أنهار الرحمة والمغفرة، نم بسلامٍ فستذكُرك الأقلام بعظيم قولك ونبيل خُلقك وتحتضنك قلوب المخلصين برونقها الإنساني الزاهي.
إنا لله وإنا إليه راجعون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق