يبدوا أن
الصورة في أقصى جنوب الجزيرة العربية لا تزال ضبابية، بل إن بعض أجزائها بحاجة إلى
مُحترفين ينتشلون تفاصيلها الدقيقة لتكون بيِّنة للجمهور، فلا تزال أسئلة المواطن
الخليجي والعربي تتواتر بين حين وآخر عن
ماهية هذا الزخم المهول للترسانة الحربية التي تُدكُّ بها اليمن على مدى ستة شهور،
فلماذا لم تُحسم المسألة خلال أسابيع معدودة كما كان (يُغرِّد) بذلك عسيري –
المتحدث الرسمي لقوات التحالف – من أننا نواجه بعض المشردين من الحوثيين وسنمحقهم
من الساحة؟، ثم ما هو مستقبل النسيج الاجتماعي والمنوظمة الأمنية وسبيل المحافظة
على الإنجازات الحضارية بدول الحلفاء أمام الشَّرخ الخليجي والعربي الذي فلق
المجتمع إلى مؤيدٍ ومعارضٍ وأمام ملايين المواطنين الذين ينتشرون في ربوع دول
المجلس ومنها على سبيل المثال السعودية التي تتزعم الحلف إذ تضم 5 ملايين حسب
إحصائية المركز الوطني؟، وهل من مبررٍ لأن تتكبد دول المجلس فاتورة حرب بلغت حتى
اللحظة وفق التقرير الأمريكي الاقتصادي حول الإنفاق على الحروب واللاجئين حيث بلغ التكلفة
20 مليار دولار بواقع 25 مليون ريال سعودي كل يوم حيث تتكبد السعودية نصيب الأسد
في بلد يُعاني من أزمات داخلية سياسية وقبلية وفساد مُترهِّل على مختلف مؤسساته
المدنية والعسكرية في وقت تشير مجلة "وطن" الإخبارية السعودية أنه وحسب
نتائج دراسات يمنية أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر تصل إلى 45% ونسبة البطالة 35%
وأن نصيب الفرد السنوي لا يتجاوز 600 دولار
بينما ذلك الدخل يرتفع لدى جيرانها بدول المجلس ليصل إلى 33 ألف دولار؟،
لماذا لم يطبق الخليجيون المثل القائل: "لا تُطعمني سمكة بل علمني كيف
اصطاد" فلماذا لم يبذخ الخليجيون هذه المليارات والشيكات المفتوحة أمام غياب
الأفق بانتهاء الحرب نحو بناء مؤسسات الدولة الحديثة في اليمن، وتطوير المواطن،
وتجويد التعليم، وضخِّ الفكر التنويري لفهم الحياة المدنية، وشحذ الهمم نحو تمكين
ثقافة المواطنة المسؤولة بعيدا عن التمذهب والتحزب والقبلية السمجة؟، وأخيراً حينما
طالب اليمن بالانضمام إلى البيت الخليجي منذ العام 1996م؛ ليتمتع بامتيازات سياسية
واقتصادية واجتماعية تنتشله من براثن الفساد والتخلف أُغلقت أمام طموحه أبواب
أصحاب العِقال والبشوت إثر النزاع الحدودي
بين السعودية واليمن، وتوتر العلاقات مع الكويت على خلفية اجتياح العراق
للأخيرة وموقف اليمن مع الراحل صدام حسين فلماذا الآن دخلت جحافل الخليج وأموالهم
وفرشوا خرائطهم السياسية والاقتصادية على الطاولة اليمنية واستشعروا أنه مؤثر استراتيجي في الساحة بين
غمضة عين وانتباهتها؟.
لكن بالمقابل أليس من الحق أن يحفظ الخليجيون
ماء وجههم ويقفوا سداً منيعاً للذَّود عن بوابتهم الجنوبية تجاه تغلغل الدب الروسي
والثور الإيراني؟، لماذا يُلقي البعض على السعودية وحلفائها تُهم توريد التطرف
المذهبي وحب الانتقام من الشيعة وهم يرقبون قتل العرب بدم بارد في سورية والعراق
ولبنان بأيادٍ إيرانية أظهرت أدلتها كثير من الاستخبارات العالمية والعربية؟،
لماذا يتشدَّق بعض الخليجين حول الدور السعودي في اليمن وهم يشهدون بين فينة وأخرى
أنياب إيران في البيت الخليجي سواء في البحرين أوالكويت فهل يُنتظر أن يكون اليمن عراقا أخر؟
يبدوا أن
المواطن الخليجي وبعد ستة أشهر من الصراع العنيف والخسائر المتبادلة بشرياً ومادياً
دون النتائج الملموسة بدأ يتساءل عن
سيناريوهات المرحلة المقبلة في ظل غياب الحل السياسي أو العسكري وضبابية الصورة
الحقيقية بغياب الميثاق الصحفي لبعض مؤسسات القطاع الإعلامي ذات التأثير الجماهيري
الكبير والتي أصبح (بعضها) بوقاً ينعق بوزن الأموال (المنفوشة) على خصره من
الحكومات أو الأحزاب والجماعات الأخرى في سبيل تلميع المشهد وكشف عوراتٍ مُزيَّفة
عن الآخرين ولسان حالها "السبالة في عيون أمها غزالة".
إن
المتتبع للغضب الخليجي والذي يبرز جليَّاً في تصريحات وتصرفات السعودية والإمارات
يشعر أن هناك غصَّة كبيرة للواقع المُتأزم الذي يعيشه البيت الخليجي وغياب دوره
الريادي والقيادي في المشهد العربي بعد تقهقر الجبهة المصرية حول مناصرة القضايا
العربية وعلى رأسها القضية الفلسيطينة؛ بسبب الأزمات التي تعيشها مصر سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً، بالمقابل نجد أن الكلمة الخليجية أضحت مطَّاطية في بعض
المواقف وفي ذلك مؤشر قوي عن وجود خلل في أعمدة البيت الخليجي وذلك خطر كبير على
المنطقة؛ فاعتراض عمان على قطع علاقتها مع السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد 1987م،
وموقفها المتوازن بين المتحاربين في حرب الخليج الأولى الاستنزافية (1980- 1988) دون قطع العلاقات بينهما (العراق
وإيران)، وعدم المشاركة في إرسال القوات الوطنية العسكرية للبحرين إثر أحداث دوار
اللؤلؤة (2011) والتي اتهمت فيها دول الخليج إيران بخلخلت الاستقرار السياسي وفلك
لحمة النسيج الاجتماعي في الأخيرة، إضافة
إلى عدم الولوج في مشروع العملة الخليجية الموحدة، مرورا برعايتها للمفاوضات الأمريكية
- الإيرانية حول ملفها النووي، انتهاء باعتراضها ودولة الكويت للمشاركة في "عاصفة
الحزم" ضد اليمن وتبنيِّها لمفاوضات مسقط 2015 بين المتناحرين دون استشارة
خليجية، وفي الزاوية الأخرى وعلى مرمى حجر عن عمان كان هناك شقاق خليجي – قطري حول
موقف الأخيرة من النظام السياسي بمصر بعد انقلاب العسكر على الحكومة المنتخبة، أظف
إلى ما سبق فكرة مشروع إنشاء "قناة سلمان" والتي من المُتوقَّع أن تُكلِّف
الدول الأعضاء حسب التقارير الأولية للمشاريع الاستراتيجية الخليجية ما يربوا عن
80 مليار دولار؛ إذ من المؤمل أن تكون البديل الاستراتيجي لمواجهة النفوذ الإيراني
في مضيق هرمز إلا أن هذا المشروع يلقى قبول بعض الأعضاء ورفض آخرين.
لا يُزايد
أحد على أن المملكة العربية السعودية بشكل خاص ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام
وبعد غياب جبهة المقاومة للكيان الصهيوني، وامتزاج الغثِّ بالسمين فيما يحصل في
سورية والتي كانت بمثابة حجر عثرة أمام المشروع الصهيوني لاجتثاث الانظمة القومية
العربية– على الرغم من مساوئ النظام – وأمام زوال حكم بعض قادة العرب الذين كانوا
يطربوننا بالنَّصر المؤزر بالليل ويجزرون رؤوس الأحرار بالنهار إلا أنهم كانوا حماة
الوطن العربي من بغش التمدد الإيراني وتحقيق مصالحها ومآربها السياسي والتاريخي،
فإن هذه المرحلة تُحتِّم عليهم (دول الخليج) أن يكونوا على قدر كبير من المسؤولية
والحذر في علاج جراحات الجسد العربي المُتهالك، والخطأ أو المغامرة في التعاطي مع
مختلف القضايا السياسية والاقتصادية هو بمثابة تنازلات أخرى أمام بحر الظلمات الذي
أدخلنا فيه بعض مجانين السياسة وتُجَّار الدين والمال، نحن بحاجة لأن تتقلَّد
السعودية زمام القيادة بما يخدم مصالح الأمة ويرجع لها بريقها الناصع بالتسامح
والإنجاز والعطاء أمام ما تملكه من معطيات تؤهلها لذلك، نحن بحاجة إلى نبذ
التصرفات الطفولية لبعض السياسيين الذين تفضحهم مقاطع اليوتيوب المُسرَّبة والتي
تضم بين جنباتها هلوسات الثأر والازدراء واستصغار اليمن، نحن بحاجة إلى أن نقف في
المربع الصحيح ونراجع إنجازاتنا السياسية والاقتصادية ثم نتساءل لماذا نجحت إيران
وهي الآن تترقب أن يُفتح لها أبواب الجنة لتكون ضمن الدول العظمى بينما لا زلنا
نراوح مكاننا وإن غضبنا أحرق بارودنا الأخضر واليابس؟، نحن بحاجة لتكون لنا مبادرة
نصرة قضايانا العربية المصيرية وعلى رأسها فلسطين، واللاجئين، وتجويد التعليم،
وتنويع مصادر الدخل، وخلق مؤسسات قانونية مطلقة الصلاحية، وتكوين مبادئ
الديمقراطية السليمة، وخلق مواطن مُنتج لا جسدُ فيلٍ وعقل عصفورٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق