الثلاثاء، 26 مايو 2015

مَاذا خَسِر العَربُ بانحِطاطِ مِصر؟

في لفتةٍ خانقةٍ هزَّت كيان المجد القومي العربي الذي كُنا نستنشِقُ عبقهُ حيناً من الدَّهرِ ونتشدَّقُ به أحياناً أُخرى؛ لنسدلهُ حكواتٍ حُبالى بالقوةِ والمِنعةِ والذَّودِ عن الشَّرفِ ودفع الضَّيم عمن استجارك على عدوٍّ غاشم، أو مُتشرِّدٍ هائم، أو مُتربصٍ حالم، كانت حناجِرُنا تصدحُ في غسقِ التاريخ الكاذب بخُطبٍ عصماء نُشنِّفُ بها آذان أجيالنا وأحفادنا الذين تربَّوا على أوتارِ رُبابة النَّصرِ والفتح المُبين وهم يتلون القصيدَ بفخرٍ واعتزازٍ:
بلادُ العُربِ أوطانِ
من الشــــــامِ لبغـــدانِ
ومن نجدٍ إلى يمنٍ
إلى مِصرٍ فتطوانِ
ما أعظمها تلك اللحظات التي كُنَّا نستلذُّ بها زغاريد الطلبة في مدارسنا وهم يُؤذِّنون بأصواتٍ رخيمةٍ تهزُّ عروش الخونة والمرجفون
فلسطيــــــنُ داري
ودربٌ انتصاري
هوىً في فؤادي
كلماتٌ تبعثُ بين جنباتك ملائكة الوجود، وتُنعش بين خلجاتك بلسمُ الجسدِ الواحدِ الذي ما إن اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمى والسهر؛ فيخلقُ بذلك سياجٌ منيعٌ يحدُّ من براثن الفِرقة والتشرذُمِ الذي يعيشه العربُ اليوم في موقفٍ لا يُحسدون عليه إذ أنه لا يسرُّ عدو ولا يُضجرُ صديق، ما اعذب تلك الأبيات التي تغنّى بها عنادلُ الحُريَّةِ بمختلفِ أطيافهِا القومية والحزبية والعرقية التي اجتمعت أمام كعبة الوطن، وليس ببعيدٍ عنا ما فاضت به رياحينُ الجِنانِ المُفعمةِ بغرامِ الأرض الخالدة وحُريَّتهِ الإنسان البسيط حينما حفظت أفئِدتُنا قول المناضل العربيّ وهو يصدح:
سأحملُ روحي على راحتي
وأُلقي بها في مهاوي الــردى
فـــإِمَّـــــا حياةٌ تســــرُّ الـــصديق
وإِمَّا مــــماتٌ يُـــغيض العِدى
يلــــــذُّ لأُذنـــي سماعُ الصليــل
ويُبهجُ نفسي مــــــسيلُ الدمـــى
ما تقدم من أبياتٍ تبعث في القلب شُعل ٌمن الأسى والبؤس نحو واقعنا العربي، ولربما هي في نفس الوقت تعزيةٌ لمن يلعقُ نكسات الإنسان العربي المغلوبِ على أمره منذ (14/أيار/1948) حينما أعلنَ العَالمُ زرع الكيان الصهيوني في فلسطين قلبُ الوطن العربي وبحفاوةِ بعضُ أشباه الرجالِ من العربِ الذين أعادوا الصورة من جديد في مجزرة غزَّة (2014)، لكن وكما يُقال لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب؛ وبذلك لابد أن تُفنَّد المواقف العربية في ضوء ما أفرزته مجزرة غزَّة (يوليو/2014)، وقد يكون هذا المقال امتداد للمقال السابق الذي كان يتساءلُ حول الموقف الخجول حيناً والمنافق أحياناً كثيرة من بعض رجال الفتوى والدعوة في محيطنا الخليجي والعربي والإسلامي، وفي هذا المقال سنحاول قراءة ماهية الموقف المصري وتبعاته التي ينتهجها في معاملته نحو الإنسان الغزَّاوي (العربي) بالمثل مع موقفه السياسي والفكري والأيديولوجي ضد بعض التحزّبات المعارضة وعلى رأسها الإخوان المسلمين.
لا يختلفُ اثنانِ أن مِصر هي ثِقل التوازن العربي عبر حقبِ التاريخ في كثير من القضايا الجوهرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ فإنجازات مِصر ومآثرها وتضحيتها السياسية والبشرية والاقتصادية كبيرة نحو سعيها الحثيث لإيجاد مَواطِنَ التَّوازن ووضع النقاط على الحروف في كثير من الأزمات التي شاكت عالمنا العربي وبالأخص في أعقاب إعلان الكيان الصهيوني كدولة اجّتُثَّت من أوروبا ومجاهيل العالم لتُزرَع في المشرق العربي، إذ ذاقت مصر ويلاتٌ متوالية وعاشت أوقات عصيبة في سبيل إيجاد التوازن المنشود بين العظِّ بالنَّواجذ نحو القضية الفلسطينية كمسألة مصيرية في تاريخ الأمة وتحقيق مكاسب سياسية ودولية لمناصرتها والذَّودِ عن حياضها وحقوقها المشروعة وبين مصالحها الوطنية وموقعها الاستراتيجي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بالمنطقة في مواقف مُعقّدةٍ وحِقبٍ تاريخية عصيبة؛ مما حدا ببعض الكُتَّاب والنُقّادِ أن يخوِّلوا أنفسهم كقُضاةٍ شرعيين وقانونيين لإصدار أحكامٍ تراوحت بين التخوينِ والعَمالةِ والقوميَّة والجهاديَّة – كلٌ وحسب توجهاته في قراءة الأحداث- نحو كثيرٍ من رموزها الوطنية والقومية الذين عاشروا المخاض العسير لولادة الكيان الصهيوني وتَرَعرَعِهِ بين أحضان بعض المُستعربين وتُجَّار الدين والوطن؛ فلا غرابة أن تُلقى بعض التُّهمِ المُتشظِّية على الرَاحِلَينِ جمال عبدالناصر وأنور السادات اللذان عاشا ظروفاً استثنائية حجَّمت من دورهما في الجمع بين تحقيق المصالح الوطنية العُليا لمصر وبين قضايا الأمة القومية المصيرية في ظل النشاط المُستَعِر للكيان الصهيوني في العقود الماضية وخاصة إبان الحروب العربية الإسرائيلية في منذ ستينيات القرن الماضي.
 إلا أن تآمر مِصر بكل ما تحمله من إرثٍ تاريخي مُثقل بالعظمة والفخر والتضحية والنضال والكفاح النزيه ضد أصحاب القضيَّة ومن يفرشون صدورهم العارية للموت دفاعاً عن كرامة العرب والمسلمين والعالم فتلك قضيةٌ تستوجب من صُنَّاع القرار السياسي في مصر أن يعيدوا حساباتهم ويستشعروا موقفهم البطولي وموقعهم الاستراتيجي للتوازن العربي، فكثير من المواطنين العرب لا يُخوِّنون مِصر ولا سياستها تجاه كثير من القضايا العربية، كما أنهم لا يُحمِّلونها تَبِعات حروب الصهاينة ضد لبنان أو سوريا أو فلسطين بقدرِ اندهاشهم وتفاجأهم من ضجرِ عِلية القومِ في القاهرة بقضيتهم التي شغلت العالم لأكثر من ستةِ عقود وكان لها زمام المبادرة في قيادة الملفات بمهارة فذَّة ومسؤولية قويمة طوال تلك الفترة، فقد أوحت أحداث غزَّة الأخيرة بجُملة من التساؤلات للمواطن العربيّ الذي لا يزالُ يُمسك برُبابة النَّصرِ والفتّحِ المُبين، فبدى وكأّنهُ هائم على وجهه يترنَّحُ بين سؤال وأخيه:
- أليس من المعيبِ أن يُحاصر إنسانٌ صاحبُ حقٍ بمُختلف أطيافه وأديانه من بني جنسه وعرقه لأكثر من سبع سنوات حتى إذا ما اشتدت عليه نوائب الدهر دفعت القيادة السياسية في القاهرة بكل جحافلها العسكرية لتكون شوكة تطعنُ بها خاصرة العُزَّلِ والفُقراءِ والمُعدمين والمظلومين الذين دافعت عنهم طوال عقود مضت؟!
- أليس من العجيب أن تجد رئيس دولة تبنَّى لنفسه النُّبُوة وأسدل على نسله سُلالة طاهرة من الأنبياء والمُرسلين واشترى بعض رجال الفقه والدين بالأزهر الشريف ليشهدوا له بصدق نبوّته أمام المَلأِ بأنَّ رب العزَّة والجلالة قد وهبَ لمِصر رجُلاً رحوماً، لكن مجزرة غزَّة دنَّست نبوَّته في شهيِّته بدماء الأطفال وصيحات النساء وأنين الثكالى، وعِناقه الحميم لموت الأبرياء ليس إلا لأنه يُهلوِس جنوناً ضِدَّ أيّ إخوان فأيُّ نبيٍّ مُرسل هذا؟!
- أليس من المُستغربِ أن يتعالى وزيرُ الخارجية المصري أمام الصَّحفيين ووتتبجّحُ حنجرته بالحرفِ الواحد "من يودُّ أن يتبنى زمام المبادرة لحمل ثِقل القضية الفلسطينية من العرب دوننا فله ذلك أو دعونا وشأننا نفعل ما يحلو لنا"! فهل يعي معالي السيد الوزير أنه بذلك ينسفُ النضال العربي المصري الشريف طوال ستة عقودٍ ونيف تخللَّها مئات من الشُهداء وأنهارٌ من المليارات ومقدرات ضخمة كان يمكنها أن تُزهر ربيعاً يانعاً للاقتصاد المِصري، فلماذا نبرة التعالي هذه والتمنُّنّ؟!، ثم هل نسي معاليه محيطات الدولارات التي يضُّخُّها المواطن العربي عبر قياداته السياسية للخزينة المصرية في سبيل الحفاظ على الثوابت العربية القومية لقضيتهم المصيرية؟ أم أن الأمر مجرد استعراض عضلات وخلق جدار برلين آخر ضد الربيع الثوري المُترهِّل في مشرقِ الوطن العربي ومغربه؟!
يبدوا أن المواقف الرسمية على الصعيد العربي باتت تُؤمِنُ بالمواساة لها في القول "عظَّم الله أجركم يا عرب" وكأنها تحاول جاهدة خلق واقعٍ هزيلٍ يرضى بالهزيمة، فلا عزاء لكثيرٍ من قياداتنا العربية التي بدلا من أن تزأر وتُزمجِر لحفظ ماء الوجه ولو بالمال فقد عهدنا الموقف العربي في حرب تموز بلبنان، وغزو العراق، ومجازر صبرا وشاتيلا، وحرق المسجد الأقصى، وقصف مصانع الأدوية في السودان والقائمة تطول، لكن من المُخزي أن تُعلِن القناة الإسرائيلية العاشرة جهاراً نهاراً أن الهجوم على غزَّة كان مخططاً له بدعوة وتنسيق مصري – وخاصة أن القيادة السياسية الحالية عسكرية ومخابراتية بامتياز- كما أن هذا العدوان كان ممولا من دول خليجية، ومهما كانت دوافع إعلان الصهاينة لهذا الخبر وفضحها لشركائهم لكن حتى اللحظة لم نجد شجباً أو نفياً أو أي ردَّ فعلٍ ممن ذكرتهما القناة مما يدلُّ إلى حدٍ ما بصحة الخبر؛ وفي ذلك إشارة واضحة إلى توجُّه بعض القيادات العربية لتشكيل تحالفٍ متينٍ كَكِياناتٍ مُضادة لثورات ما عُرف بالربيع العربي، إذ تبنَّت حرباً هوجاء على جماعات الإسلام السياسي بمختلف توجهاتها دون أن تكون هناك دراسة واقعية وواعية بين أفكار ومواقف بعض الأحزاب الدينية كتنظيم القاعدة وداعش والنُّصرة وغيرها وبين المجموعات والحركات التحررية النضالية أيَّاً كانت دينية أو قومية أو حزبية تسعى لتطهير الوطن من براثن الاحتلال، وخاصة أن تلك الحركات النضالية المُّسلّحة الموجودة في فلسطين تُمثِّلُ كفَّة توازن الرعب الاستراتيجي بين العرب والصهاينة وهي بمثابة شعرة معاوية التي يمكن التشبُّث بها للتمسُّك بخيوط القضية بعد انزلاقها من يد العرب في ظل تصحُّرٍ ديني وسياسي لكثير من رموزها على الساحة المحلية والدولية، إلا أن ضخَّ الأموال والسلاح والاستخبارات والدعم اللوجستي المُنقطع النظير للكيان الصهيوني بأي مُبررٍ ضد أبناء الوطن وأصحاب الحقِّ في القضية العربية المصيرية غير مقبول شرعاً ولا قانوناً.
إنَّ ما تمرُّ به مِصر من نقلة نوعية مُضادة للثورة بقيادات عسكرية ستكون لها تبِعات وخيمة على المنطقة، وربما نتذكر أن الرئيس المخلوع حُسني مبارك كان يُريد أن يُورِّث الحُكم لشخصٍ من صُلبه لكنه استخلف في الحكم ابنا ليس من صُلبه أعاد نفس الوجوه والتوجهات والمواقف والسياسة ولسانُ حاله "عادت حليمة لعادتها القديمة" و"يا زيد كأنك ما غزيت"، وما تعيشه غزَّة اليوم من قتلٍ ودمارٍ وتشريدٍ وتنكيلٍ واجتثاث للإنسان الحُرّ ماهي إلا فاتورة رمزيِّة لما سيخسره العرب تباعاً بانحطاط مِصر سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً وقومياً، إذ لا يتمنَّى المُواطنُ العربيّ لمِصر بعد عقودٍ من النِّضالِ والكِفاحِ أن تنزوي للعُزلةِ والتقوقع لتجد فاتورتها بعد حينٍ من الدهرِ باهضة لا يمكن تسديدها إلى بخنوع ٍأكثر لعُبّاد المال والمصالح الشخصية ومراهنات العصابات العالمية وبعض من يشترون الذِمم والرِّجال من دول مجلس التعاون الخليجي.
 
 
 
 
همسةٌ أخيرة...
حينما كُنتُ أُقلِّبُ صفحات المجدِ الشامخ للجيش المِصري عبر الإنترنت وجدت صورة تحمل بين ثناياها ثُلة من الجنود المصريين من كتيبة الصاعقة تم أسرهم بيد الصهاينة  في حرب (1973م) مُقيَّدين ومُساقين للإعدام وتُظهر الصورة أولئك الفتية وهم يرفعون راية النصر والابتسامة على وجوههم وهم في ساحة الموت!، لكن الصورة اليوم مُغايرة تماماً فنجد أن جحافل الجيش المِصري تتربَّصُ على طول حدود معبر رفح وهي تتلصَّصُ نسمة فلسطيني يفيئُ للهربِ من الموت، أو ليجد قطرة ماء يرشفُ بها ريق أطفاله، أو يهنأ بلِحافٍ يُغطِّي به ما بقي من جثمان هالكة عن غطرسة طائرات (F16)، أو يُلملمُ بعضاً من جثامين عائلته المُختلطة بالشظايا والحرق ليُكرِمها بالدَّفنِ كحقٍ إنساني تستحقهُ.

رُبَّ إِشَاعَةٍ أَهلَكَت أُمَّة


هُناك مثل روسي يقول" امنحني فراغاً مميتا أُعطيك إشاعة قاتلة"، تُعاني المجتمعات في مختلف ربوع الأرض من تبِعات الإشاعات التي تُزلزل استقراراها وأمنها واقتصادها في كثير من مراحل بنائها المؤسساتي، وفي شواهد مُسترِقة من الزمان تُصبح تُربة خِصبة لزرع بوادر الشقاق والخلاف التي تهوي بالعدالة الاجتماعية إلى الحضيض، وقد يتساءل المرء لماذا تجد الإشاعة سوقاً رائجاً في المجتمعات البشرية وتنتشر بين أوساط الأمم كانتشار النار في الهشيم؟!.

في غالب الأحوال تُمثل الإشاعة مصدر الإثارة والتشويق لكواليس الحقائق التي يتوشَّحها السرّ والكِتمان وخاصة تلك التي تتصل بمصالح الناس الاجتماعية والاقتصادية علاوةً على تسارع المتغيرات والتطورات السياسية التي تُحدِق بالمجتمع، وكثيراً ما تتَّسم الإشاعة بإضافة الأقاويل والكذب والخيال حتى أن بعض علماء الفسيولوجيا أوضحوا أن الإشاعة حينما تولد فإنها تتغلَّف بنزرٍ يسيرٍ من الحقيقة لتبدأ تتعاظم حيثياتها بتواتر مُتناقليها حتى إذا ما تعدَّت سبعة أشخاصٍ فإن 70% منها يكون غير صحيحاً، وغالباً ما تتقصَّد الإشاعة تحقيق أهداف ومآرب متباينة؛ فبعضها يحلِّقُ بين أفئدة الناس من باب المزح والمرح والنُكتة والسُخرية وهي كثيرة في مجتمعاتنا الشرقية في ظل تردي الأوضاع السياسية واختلاط مظاهر الثورات الشعبية الساعية للتجديد والديمقراطية وبين الثورات المضادة التي تعود بالمشهد السياسي الآفل بديباجية مختلفة.

 ومنها ما تسعى لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية يُبتزُّ من خلالها رجالات الدولة ليكونوا طُعماً لأعدائهم من خلال تحجيم دورهم سياسياً أو اقتناصهم عسكرياً في ساحات الوغى ومثال ذلك في غزو قوات الحلفاء ليبيا حينما أطلقوا إشاعة تفي بهروب العقيد الراحل معمر القذافي من أرض الوطن ليجرُّوه نحو الأنفة والتحدي ليُظهر نفسه بعد حينٍ في تسجيلٍ مُتلفزٍ يُثبت فيه أنه لا زال مرابط في أرض ليبيا بل أكثر من ذلك حينما بدا يستعرضُ نفسه أمام مركبته ليكون بعد ذلك هدفاً سائغاً لطائرات الاحتلال التي أعلنت بعد حين عن مقتله في موكب رئاسي، وكذا الحال في غزو العراق 2003 حينما أعلن الحلفاء سقوط بغداد كان الصحاف - وزير الإعلام العراقي السابق في عهد الراحل صدام حسين- يُصوِّر من على أحد (سطوح) البنايات العالية في بغداد وهو يُظهر تسجيلاً مباشراً أن العاصمة في مأمن وما يتفيأُ به (العلوج) الأمريكان أنهم أحكموا قبضتهم عليها ما هو إلا ضربٌ من الكذب والمكر والإشاعات التكتيكية عسكرياً؛ لزعزعة ثقة القوات العراقية المُرابطة في الجبهات، ليُعلن بعد لحظات أن القوات الأمريكية تفرض حظراً للتجوال في بغداد وضواحيها بعدما أصبحت بيدهم ليتوارى الصَّحاف وتصريحات إلى الهدوء بعد ضجيج صاخب!.

علاوة على ما سبق فإن الإشاعة يمُكن أن توظّف حسب الهدف منها في النَّيل من رموز وطنية وحزبية ودينية في الدولة أو على مستوى العالم، فما يُثار من إشاعات مُتبادلة بين الحين والآخر بين الدولة ومعارضيها في المشهد السوري أو اللبناني أو العراقي أو المصري يخلق بين أوساط المجتمع حاجزاً منيعاً نحو انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة؛ وفي ذلك تهديدٌ صريحٌ لثوابت الدولة وخطرٌ جسيم يُحدقُ بنسف الاستقرار السياسي، وتكبيد الاقتصادي الوطني خسائر فادحة، ودقِّ عُنقِ التلاحم الإنساني بين أفراد المجتمع ليُمهدِّ الطريق نحو الولوج في ردهات مُظلمة كالحروب الأهلية والصراعات المُسلَّحة والتعنُّت بالرأي والمواقف وإثبات الرأي الأُحادي، فتبادل الإشاعات الميدانية والسياسية بين قادة الدولة في مصر وبعض الأحزاب المُخالفة لهم أودت مُؤخراً بضرب العُمق العسكري للجيش المصري في سيناء والذي هو بمثابة صمَّام الأمان لجميع المصريين وخطَّاٌ أحمر للذَّودِ عن كرامة الوطن والمواطن من المُتربِّصين والحاقدين والذين يتقدَّمهم الكيان الصهيوني في نشوة أفراح المصريين بحرب أكتوبر، أظف إلى ذلك أن تبادل مثل تلك الإشاعات المُغلظة الشحيحة من الحقائق والأدلة زجَّت بالشعب اللبناني في فترة سابقة لأن يدفع فاتورة باهظة من خلال دفعه لأن يطحن أبناءه بعضهم البعض زُهاء 16 عاماً (1975-1990) بما عُرف بالحرب الأهلية التي كان وقودها مئات الأرواح البريئة ليس إلا بسبب إشاعات متناثرة هُنا وهناك منطلقها المذهب والدين تم دبلجتها بمظاهر سياسية وتوظيفها بصورة مُخزية تمخّض عنها مظاهر الاغتيالات السياسية التي كانت شرارة تلك الحرب التي كان الخاسر الأكبر فيها هو لبنان.

لن تجد الإشاعة لها طريقاً مفروشاً بالورود إن قوبلت بمنهجية فاعلة ومسؤولة عبر توفّر المصدر الرسمي الدقيق والمسؤول للتعاطي مع هذه النماذج التي تكمن خطورتها في نسف النسيج المجتمعي واللحمة الوطنية للحفاظ على كرامة الإنسان، فالمصدر الرسمي يُبتِرُ الإشاعة من الوجود حينها لن يحتضنها رَحِمُ المُجتمع بل سيلفظها ويُلقي بها في مُستنقعات (لا مكان لكِ هُنا) لكن ما إن كان التَّكتُم والسِّرية وشُّح المعلومات والحقائق حول مواضيع تهم الناس وترتبط بمصالحهم فإن الإشاعة ستتوشَّحُ تاج المُلك لتكون الآمر الناهي بين عقول وقلوب الناس، فلا يُمكن أن تُشرَّع قوانين رادعة تَزجُر من يبثُّ الإشاعة أو يروجُّ لها دون أن تُبنى منظومة قِيَمية وثقافية للمرء يستطيع من خلالها انتقاء الغث من السمين فيما يُتداول من إشاعات أو حقائق عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

ختاماً أيها القارئُ الكريم: الإشاعة قد تضجُّ مضاجع الآمنين، وقد تُزهق الأنفس وتُبدِّد الأموال، وقد تهوي بك في غياهب المُسائلات القانونية والجزائية، وقد تُفقدك حبيباً أو أخاً لك لم تلده أمك، فلا تكن (بُوقاً) فارغاً ينقل كل شاردةٍ وواردةٍ دون أن تُثبت مبادئك الإنسانية النبيلة في الحفاظ على اللُحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي الذي "ما إن اشتكاء منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمى والسَّهر".

كَاتِبٌ فِي قَعرِ جَهنَّم!


في إِيوان الحيِّ الدُبلوماسي وبكرمِ جَرِيدة الرُؤية وتقديرِها للقلمِ ومِداده الوضَّاء نَحوَ تِبيَانِ الحقائق وما تحتضنُه حُبلى الأيام من تَشرذُمٍ في الفكرِ العربي وازدواجية كارثية في المفاهيم ومُغالطات مُفجعة في المصطلحات والمبادئ والقيم، كان الحديثُ ذو شجونٍ حول واقع الكاتب العربي وما تضمرُه المرحلة القادمة من مستقبلٍ مجهولٍ كضبابية الواقع السياسي والاقتصادي والديني وشبه انعدامٍ للعدالة الاجتماعية، قد لا يختلف اثنانِ أن القارئ هو ذلك المُستهلك الرئيسي لسِلعة الكاتب؛ فكلما وجد الأخير شريحة من المجتمع يستلذُّون قلمه وما يُدليه من حقائق وبراهين وتحليلات رصينة وأصيلة فإن في ذلك مكسبٌ للوطن من خلال رفع مستوى الإنتاج العلمي والفكري والعكس نقيض ذلك تماماً، لكن السؤال الذي يُطرح في هذا المقام هل واقع الكاتب العربي يدفع الأقلام (المُقنِعة) إلى جلاءِ غِشاوة المُغالطات التي عشَّشت على أعُينِ الناس فتكشف لنا حقيقة أقلامٍ (مُقنَّعَة) تحاول جهاراً نهاراً دسَّ السُّمِ الزُعاف في صفوة العسل؟، ثم هل المواطن العربي يقرأ ما يخطُّه قلم الفكر التنويري فيعظُّ بالنواجذ على ما يُقدَّم من عُصارة الأفكار المعتدلة بعيدا عن السماجة المقيتة؟، وهل يُمكن للكاتب العربي أن يكون البوصلة القادمة للثورات العربية بُعَيد عبث الربيع العربي الذي عاث بالأوطان فسادا؟، ثم هل يُبَرئُّ الكاتب العربي من تدنِيس نزاهة الفكر الثوري العربي ليمسخ عقول الأجيال فتنشأُ جماعات تكفيرية وظلامية أهلكت الحرث والنسل؟، وهل تولي المؤسسات الثقافية وعلى رأسها مؤسسات التعليم في الوطن العربي اهتماما بصرخات الكُتَّاب بضرورة اجتثاث التعليم من وحل الإرهاب التربوي؟، وأخيرا هل يخطُّ الكاتب العربي مداد قلمه باستقلالية تندفع نحو الإصلاح والتنمية أم أن الأمر لا يعدوا إلا شراء الذِّمم والبهرجة لتفقده بذلك جموعاً غفيرة من المُتعطِّشين للكلمة المُعتدلة والفكر المستنير المتوازن في منطقة تغلي بالتخبطات السياسية والفكرية والاقتصادية والتعليمية؟

تواترت الأسئلة الآنفة في مُخيِّلتي وأنا أستمع وأستمتع بآراء تلك النخبة من عمالقة الحبر العُماني والعربي في الجلسة الحوارية التي نظَّمتها جريدة الرؤية وحاولت قراءة واقع الكاتب العربي، فكانت الصورة سوداوية إلى حدٍ كبيرٍ في ظل انتشار سرطان (داعش) بجسد الأمة العربية والإسلامية والتي أضحت تحكم البلاد بالنار والحديد، وبين كل هذا الرماد يظهر قلم الكاتب العربي وهو مكلوم بصورة ضبابية دون خارطة طريق بَيِّنةٍ ولسانُ حاله يقول "فَدَارِهم ما دُمت في دَارِهِم، وَأَرضِهِم ما دُمتَ فِي أَرضِهِم" فلا يُمكن للقلم أن يصدح بالإنتاج والإبداع والتمّيز ما لم تكتنفهُ بيئة آمنة ومستقرة تَجُرُّهُ نحو التنوير والتجديد، أظف إلى ذلك أهمية وجود القارئ المُتفحِّص والمُنتقي لبناتِ أفكار القلم حين يرميها الكاتب في وعاء المجتمع إلا أن واقعنا يشي بعكس ذلك؛ فكم ما أقلامٍ حَملت على عاتقها مسؤولية تبصير شباب الأُمَّة بالفِكر المُعتدل والأخلاق الإنسانية النبيلة وسماحة الدين الشريف وتحفيزهم نحو الإنتاج والتنمية التطوير إلا أن شذر من مُراهقي الدين - وهو بريء منهم كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب- يُفتي باستباحة سفك دمه وذلك يُذكِّرُني بقول علي الوردي "من يحترم المكر السياسي باسم الدين إنما هو يمسخُ الدين من حيث لا يشعر"، وقول الإمام الغزالي "هجر المسلمون القرآن الكريم إلى الأحاديث، ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة، ثم هجروا قول الأئمة إلى أسلوب المُقلِّدِين، وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالاً على الإسلام وأهله" وكأن الدين عدوٌ للكاتب فيُحشر بآراء المُغلظين في زاويتن لا ثالث لهما إما معي أو ضدي وبهذه المُعادلة سُفكت دماء كُتَّابٍ لهم باع طويل في التنوير واستظهار فضائح المُقنَّعِين الذين يكيلون للأمة السوء ويتصيَّدون في الماء العكر.

 وفي زاوية أخرى نجد أن كثيرا من الأنظمة العربية تعتبُ على الإسلاميين أنهم (منغلقون) في فكرهم البالي وأدبياتهم (السمجة) من خلال تقصِّيهم للكاتب الذي يصدحُ بالحق ويفضح أشباه الرجال بأنهم ليسوا إلا (سماسرة) يعتقلون عقول الفُقراء وقلوبهم ليحلبوا جيوبهم بعد حين، لكننا نجد أن الوضع في أغلب الأنظمة العربية هي أشبه بــ(وجهان لعُملة واحدة)؛ إذ تضجُّ سجون أغلب الأنظمة العربية بأصحاب الرأي والذي هو انتهاك صارخ للديمقراطية التي تتغنَّى بها تلك الأنظمة، علاوة على ضعف دعم الجموع الشعبية للأقلام المُنتجة صاحبة الرأي والفكر التنويري المعتدل التي يعوَّلُ عليها الكثير في خضم تزاحم الجراحات والفوضى الفكرية؛ فغياب شراهة القراءة تُشكِّل خنجراً في خاصرة الكاتب إذ أظهرت الدراسات أن مُعدل القراءة لدى المواطن العربي سنويا لا تتجاوز (6) دقائق بينما نجد أن ذلك المعدل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يتخطى (200) ساعة سنويا، أظف إلى أن الطفل الأمريكي يقرأ (6) دقائق في اليوم الواحد بينما يقرأ الطفل العربي (7) دقائق في السنة كاملة!، وهنا يبرز دور المؤسسات التعليمية التي لا تزال مناهجها العقيمة جاثمة على صدور الأجيال؛ فهي لا تُحاكي واقع القراءة والكتابة الحديثة التي تغرس في نفوسهم قيم المواطنة والتشبُّث بالهُوية الوطنية وتجويد مهارات القراءة وإكسابه براعة النقد والتمحيص بعيداً عن ثقافة التقديس والتبجيل.

ما يعيشه الكاتب العربي هو واقع مُزري، ومستقبل مجهول، وصورة ضبابية، وما تخطُّه بعض الأقلام من جُرأة في توصيف الحقائق والتحليل وقراءة المشهد العربي والعالمي هي (مُجازفة) كثيراً ما تهوي بهم في غياهب الظُلمات، نحن بحاجة إلى أن يوضع كُتَّابنا في بيئة آمنة بعيدة عن بطش العسكر والاستخبارات وبعيدا على مشانق ومناشير المُتلوِّنيين بالدين والشريعة، الكاتب العربي المُخلص كَيِّسٌ فطنٌ لا يُمكن أن يُساوم وطنه بنجاسة المصالح الشخصية فهو أرقى من ذلك بكثير، من المُعيب جداً أن نَقهر هذه الأقلام ونجعلها تخطُّ مُكرهةً بما تُمليه يد البطش والقوة وكأننا في عهد ملوك الطوائف كُلٌ يرى نفسه وليُّ الله ونبيه المُرسل، الكاتب العربي بحاجة ماسَّة إلى أن يُعلن الشعب العربي الولاء لهُ فيما يخدمُ مصالح الأمة كثورة تُدافع عنه وتحفظ قلمه من الانجرار وراء (القطيع) قسراً وقهراً، علينا أن نُغيِّر الصورة المُكفهِّرة التي أوجزها محمد حسنين هيكل في قوله: "لدينا في وطننا العربي يمينٌ يذهبُ إلى الجهل، ويسارٌ يذهبُ إلى المجهُول"

قَابُوْسُ.. حِينَمَا يَسْمَعُ العَالمُ صَمْتُهُ


"أبشرِي قابوسُ جاء" كلماتٌ بَدَت خَفِّيَة وخجولة مُنذ الصباحِ الباكر من يومِ (23/مارس)؛ فحديثٌ هُنا بعودةِ قلب الوطن النابض، وأخرى تدحضُ ما سبق بأنه لا يعدوا سوى أن يكون مَحضُ إِشاعةٍ وبهرجةٍ تَهوِي بقلوبِ العاشقين بين فرحٍ وترحٍ، تقاطرت شذرُ الأنباء الشاردة والواردة أن حبيبَ الشعب وباني عُمان الحديثة ستطأُ قدماه تُراب من تضلَّع بحبه حتى النُّخَاع لكنه بصحة لا تسمحُ له أن يُطلَّ على القلوب الصامتة التي ادَّخرت زمجرتها لتُسمع العالم بعد حينٍ بأننا نملكُ عُملةً فريدةً في التاريخ البشري الحديث؛ فانهمرت الدموع بين ترقبٍ وحُزنٍ وفَرحٍ لتسقُط القلوب بين رُدهات اللامعلوم وتُحبس الأنفاس تحت قدميَّ الانتظار الأليم، دقَّت ساعة الصفر لينبلج الضوء من عُمق الظُلمات، وتتفجَّرُ ينابيع السرور من بين أكوام الحُزن والكآبة، وتُمطر السماء بركات الله على أفئدة المكلومين والصامتين فيخرجون زُرافاتٍ ووِحداناً لتفتدي روح قابوس، صغيراً أو كبيراً، رجلاً كان أو امرأةً، فقيراً أو غنياً، مواطناً كان أم مسؤولاً ضجًّت حناجرهم وصل قابوس.. وصل قابوس..!، إذاً أضحى الخبر يقيناً، فتوشَّحت أرض مجان لباس العُرس الوطني، وخرج الصامتون بعاصفة الحب والولاء.

ما أعظم صمت العُظماء وما أجلَّ أعمالهم قبل أقوالهم، كُنا نسمع بين الفَينةِ والأخرى ونحن في ميدان الحقل التربوي كلمات النشيد الوطني حينما يصدحُ بها طلبتنا "..أبشري قابوس جاء.." لكنها لم تسترعي انباهنا ودلالتها العميقة؛ فلم نُعاشر مرحلة عُمان التي تطحنها الانقسامات الداخلية، ولم نمضغ كآبة العيش الكئيب،  فلم نُبصِر عُمان الهُلامية التي يحكيها لن السابقون من عرين هذا الوطن، أبصرت أعيُننا وأفئدتنا على رِواق هذا الجُزءِ من العالم وقد ترصَّعت عُمان تاج الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي والعلاقات الحضارية الرصينة والرزينة مع العالم، عانقنا سماء عُمان المؤسسات والحداثة وهي ترفل في نعيم التعليم والصحة ورخاء العيش، بَصرنا عُمان الحديثة وقد نفضت عن ثوبها دنس الاقتتال القبلي والتشرذم المذهبي والتمزُّق العِرقي، بَصرنا أرض النحاس وهي تُعانق الثُريَّا في تلقين العالم دروساً رائدة في أدبيات السلام الحضاري وصون كرامة الحياة البشرية وإِجزالِ الحقوق وماهية التَّشبُّث بالهوية الوطنية.

ما أجل تلك العبارة وهي تشدوا بين أروقة البشر والحجر "..أبشري قابوسُ جاء.." وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فحينما تشرَّفت عُمان بالمقدم الميمون في بداية السبعينات تهلَّلت البلادُ شوقاً لبناء الدولة، وحُباً لمن بيده خارطة طريق تنموية تُخرجها من عمق الزجاجة ومن الظلمات إلى النور، واليوم يُعيد التاريخُ تلك الصورة لكن هذه المرة يُقدِّم فيها الشعبُ نفسه لمن عشقهم حتى النُّخاع ودموعهم تنهمرُ فرحاً وسروراً بعد صيامٍ مريرٍ زُهاء ثمانية أشهرٍ عجافٍ، ويبقى السؤال ونحن في وسط بُركان الانقلابات والثورات والاعتصامات والمعارضات والقتل والتدمير كيف يُمكنُ لرجلٍ أن يُخلِّد حُبه بين جموع الناس بمُختلف مذاهبهم وأجناسهم وأطيافهم الفكرية والمذهبية؟، ثم كيف لشعبٍ يغيب عنه قائده طوال ثمانية أشهرٍ وحوله دولٌ تستشيط بلغة الرصاص نحو القتل إلا أنه كان يتحرَّقُ عشقاً وشوقاً لقائده بل يستسرقُ كل شاردةٍ وواردةٍ ليطمئن عليه؟، إنها عظمة الصامتين وسِرُّ العاملين بإخلاص دون بهرجةٍ أو فقاعاتٍ إعلاميةٍ منفوخة، هي هكذا حتمية العدل والإنصاف والتنمية والتضحية بالصحة والحياة لخدمة الوطن ومن على أرضه.

حق للعمانيين أن يُفجِّروا ينابيع الحُبِ والولاء والوفاء للقائد الوالد، فلتنطلق مسيرات البهجة دون توقف، وليُسمع العمانيون العالم أننا نملك نموذجاً ديمقراطياً نُفاخرُ به بين أرقام العمالقة، ومسلكاً سياسياً رشيداً تفرَّدُ به ونسير على نهجه، وحق لعاهل البلاد المُبجَّل أن يُفاخر بشعبه الوفيّ الذي خرج وسيخرج زُرافاتٍ ووحداناً للتعبير عن سروره بعودة قائده الميمونة، وليرحم الشامتون والمُطبِّلون على وتر التفرقة والانشقاق قلوبهم التي تتقطَّعُ كمداً وغيضاً بعودة الرجل الأشمِّ وهو بوافر الصحة والعافية دون أن يكسر الشَّيبُ ظهره أو يُوهِنُ المرض هامته فهم لا يرقبون في البلاد إلاًّ ولا ذِمَّة فليموتوا بغيضهم، حفظ الله السلطان قابوس وألبسه ثوب الصحة والعافية وجعله ملاذاً للبُسطاء والفُقراء والمُخلصين لهذا الوطن الشريف، ثق أيها الأب القائد أنك ستظل نموذجاً خالداً تتعلَّمُ من هيبة صمتك وعظيم عملك الأجيال المتعاقبة، وستظلُ عُمان تشدوا عاماً بعد عام (..أبشري قابوسُ جاء..).    

حِكَايةُ حَنظَلَة!


بين أكوامِ الرُّكام المُنسدل على أكتاف الحياة البهيَّة، هُناك في زاويةٍ مُوغلة البُعد في ناظِريها وكأنها سرابٌ بقيعةٍ يحسبهُ الضمآنُ ماء، تهاوى (حنظلة) في مَقدَمِهِ نحو حَيِّهِ المُتهالك من سطوة العوز وشطحات المُنظِّرِين المُتهالكة، فذاك (مُصطفى) يُنادي بجنَّة الشيوعية التي يرى أنها الملاذ الوحيد لأن تُعيد بريق الحياة والوجود لسكان الحيِّ، وذاك (مُحمد) يبيعُ ويشتري أقوال فقهاءٍ وعُلماءٍ في إحلال دم قوم على آخرين، وذاك (عبدالله) يُفاخر بالقومية العربية فيتوشَّحُ على بقايا جُدران (كوخه) صور جمال عبدالناصر وحافظ الأسد وأحمد عرابي والشريف حسين ومعمر القذافي وصدام حسين وغيرهم ممن أسمعونا ضجيجاً ولم نرى منهم طحيناً!، ولا ينسى حنظلة (أم السعود) التي فارقها السعد ولم يبقي على مُحيّاها إلا أكوامٌ من البؤس والشقاء؛ فكلما مر عليها وجدها تسقي قبوراً بلا هوية وتصفصف دموعها وآهاتها وهي تتلوا قولٌ أُثر عن نبيها الكريم "..دم المؤمن على المؤمن حرام.. خافوا الله يا ناس، ما بدنا ثورات ولا تنمية ولا زقوم، بدنا نعيش حالنا كحال العالم".

 ما أقبح التناقضات حينما تغتال أرواح من لم يفقهوا في المصالح النتنه ولا المآرب السقيمة المُوجَّهة، هو هكذا القدر حينما يكون أمرُ الله نافذٌ فلا راد له، لكن هل القدر هو ما يسوق بني آدام في أن يتلذَّذ بالقتل تجاه بني جنسه – يتساءل حنظلة-؟، وفي غمرة تفكيرٍ عميقٍ ومُوحشٍ لفكره وقلبه العُذري فاجأه (عبدالله) بالتحية والذي طالما جعل من القومية العربية قُرآناً يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، فلا يرى في خلاص الأمة العربية إلا برجوعها قيد أُنملةٍ نحو المُنطلقات والثوابت والأُطر المرجعية الحقيقة للبيت العروبي الأصيل، بدا حنظلة غاضباً من ثرثرة جاره حينما انهمر عليه يُمطره بإنجازات روَّاد القومية العربية وكيف يمكن لأن تكون بمثابة القشَّة الأخيرة قبل غرقنا في الوحل، وفي لحظة انكسار وبؤس بادره حنظلة بقوله:

- أيُّ قومية عربية تُحدثني عنها؟، فلم تُسعف تلك النعرات العقيمة جِراحات الناس ومآسيهم الوخيمة.

- ليس ما تقوله صواباً يا حنظلة!، فمثل هذا القول لا يتفوَّهُ به إلا من تعرَّى عن مصلحة الأمة، وتشدَّق بالغرب وعلوجه الفكرية والأيديولوجية، والتاريخ العربي زاخرٌ بنماذج رائدة تروي ملحمة العطاء القومي العروبي الذي هزَّ عروش طُغاةٍ وغُزاةٍ لم يرقبوا في الناس إلاَّ كقطعان تُساق في ميزان صرافة البنك.

- وكأنك تجلد بسياطك فكرة الرأسمالية يا عبدالله!، طيب.. دعنا نكون واقعيين ولا نُحرِّف الكَلِم عن مواضعه ولا نُؤوِّل الأحداث والحقائق وفق أهوائنا ومصالحنا (بدأت ملامح عبدالله تتهلَّل لنقاش حامي الوطيس)، هلا أتحفتني بإنجازات الثورات العربية وما أفرزته من نماء وازدهار وتطور لمؤسسات الدولة الحديثة التي من المفترض أن نلامس نتاجها الحضاري والاقتصادي والسياسي الآن؟

- يا سيدي الحديث ذو شجون ولا أعرف من أين أبدأ وإلى أين انتهي، لكن على سبيل المثال هل يُمكنك أن تُنكر ثورة أحمد عرابي ضد المستعمر الإنجليزي في 1981م؟، وقبلها ثورة الشريف حسين ضد الاستعمار العثماني في 1916م؟، وهل يمكن أن تُنكر الدور القومي العربي المشهود للرئيس الراحل جمال عبدالناصر في الوحدة العربية المصرية السورية 1958م؟، ثم لماذا تُعمي عينيك عما يقوم به حزب البعث العربي القومي في سورية أو ممن ينتسبون إليه في العراق للذَّودِ عن حِياض الأُمَّة من الغُزاة والمُرتزقة وعُبَّادِ المال؟!

- أتفق معك في كثيرٍ مما ورد أن الفكر القومي وأدبياته (النظرية) تُعد إنجازاً حضارياً رائداً لو طُبِّقت بحذافيرها لعاش الناس في سخاءٍ ورخاءٍ، لكن ألا تلحظُ أنك تُسمِلُ عينيك وتصمُّ أُذنيك ولا ينطقُ لسانك بالواقع الحقيقي الذي يعيشه رُهبان القومية العربية؟، ألا تعلم أن هناك ديناً أنزله الله على نبي اسمه (محمد) وهو من أشرف وأجلِّ قبائل وأنساب العرب وقد فاخر العالم بذلك لكنه حكم فعدل فأمِن فأحبه الناس؟، ألا تتفق معي أن أغلب من توشَّحوا بأدبيات النهضة القومية العربية حادوا عن جادة الصواب فأوغلوا بِذُلِّ الناس واستعبادهم وشَقِّ صفوف الأمة بتحزبات ومذاهب ونعرات مقيتة؛ ليوقدوا الحروب والحميَّة حتى يكونوا كالربَّ الأوحد في الحياة السياسية والاجتماعي والاقتصادية؟، إن من أهم ما نادت بها القومية العربية هو العدل الاجتماعي والذَّود عن حياض العربي أينما كان واحترام الأقليات التي تعيش بأمن وسلام في كنف الدولة العربية، فلماذا يُباد أكثر من (5000) مدني ويصاب أكثر من (7000) آخرين بالسلاح النووي العربي في حادثة حلبجة في 1988م؟، ولماذا تُزهق حياة أكثر من (40000) – حسب تقرير الأمم المتحدة- من غير (15000) مفقود ونزوح أكثر من (100000) مواطن من حماة في مجزرة بطلها حافظ الأسد في 1882؟، وعن أي قومية عربية تُحدثني حينما تتصفَّحُ صور(1269) منكوباً من سجن أبو سليم في ليبيا والذين تم ذبحهم كالخرفان في 1996م؟، ناهيك عن ما تشهده حواضن القومية العربية اليوم من أمطار البراميل المتفجرة، والغازات السامة، والمواد الكيمياوية، علاوة على التخلُّفِ الاقتصادي والسياسي وغياب العدالة الاجتماعية وتقهقر في التعليم واضمحلال في التنمية وانعدام للابتكارات والتصنيع؟!

- أنت ظالم يا حنظلة.. ولم تقرأ التاريخ العربي؛ لذلك تملك هذه الصورة السوداوية التي أراد أعداء الأمة العربية غرسها في المُرجفِين والضُعفاء أمثالك، إنك تنسلخُ من أصلك وثوابتك وقيمك النبيلة، أنت تعلم علم اليقين أن الأحداث التي ذكرتها كانت تسبقها حيثيات وتفاصيل دفعت الحكومات العربية بأن تتعامل معها بما يخدم مصالح الأمة (يقولها بغضب).

- تتعامل معها بالإبادة والفناء؟! (يستغرب حنظلة).

-   ثم لماذا هربت عن الحديث عن الثورات التي ذكرتها سابقا؟ (يبدوا على وجه عبدالله وكأنه قد أوقع حنظلة في مأزق).

- لم أهرب وإنما أوجزت لك أنني أتفق معك في كثيرٍ مما ورد ولكني تساءلت عن المُحصِّلة والنهائية، فأنا لا أختلف معك أن الثوابت القومية إن استُغلِّت للوحدة والتآصر والتنمية فهي مرحبٌ بها ولكن إن استغلت كما هو واقعنا المُخيِّب فلا يُرتجى منها مُبتغاً نبيلاً، وبما أنك تُصِّرُ على نماذج الإنجازات القومية العربية في سيرورة التاريخ فدعنا نُناقشها بالحقائق والنتائج (يصلب حنظلة ظهره بعدما كان متكأً).

- تفضل يا باشا كُلي آذانٌ صاغية (رمش عبدالله حنظلة بترقب وغضب).

- أنت تعلم أن ثورة عُرابي كانت دوافعها تحرريةٌ صرفة بعيدة عن الشعارات القومية العروبية، وأن أغلب الضباط الذين كانوا يتحلَّقون حوله من مختلف المشارب العِرقية والدينية والمذهبية التي كانت رافضة للاحتلال الإنجليزي، بل إن أهم ما ورد في عريضته التي رفعها للخديوي توفيق هو تشكيل مجلس نيابي كتطبيق لمؤسسات الدولة المستقلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع المُجنَّدين والضباط دون النظر للعِرق أو المذهب وذلك ما دعى له الإسلام الحنيف، وفي الوحدة العربية المصرية السورية الكل أجمع أن هذا انجاز عربي وحدوي أصيل سيحقق مصالح جمَّة للطرفين لكن الهدف الأسمى من ذلك كان لتكوين جبهة مُضادة وتحقيق توزان القوى مع الكيان الصهيوني، إلا أن من أهم أسباب انفصال هذا النسيج الوحدوي هو رفض عبدالناصر نموذج التعددية السياسية التي كانت كظاهرة صحية تتمتع بها سورية، وكنتيجة مؤلمة لهذا الانفصال كانت سورية ومناطق أخرى في بلاد الشام لقمة سائغة لإسرائيل، وحول ثورة الشريف حسين أتساءل لماذا القوميون العرب يعتبرون أن الخلافة العثمانية هي احتلال؟، أنا أتفق معك أن العثمانيين أوغلوا في استغلال الشعوب العربية – حسب ما تذكره المصادر- كما تفننوا في تعذيبهم للتوافق مع سياسات الباب العالي، لكن هل القيادات الثورية العربية آنذاك كانت على درجة من الوعي بثقافة التحرر؟، ثم ألا يُعدُّ التواطؤ مع الإنجليز خرقاً للثوابت القومية العربية التي طالما أزكمت أنوفنا والتي تعتبر الأمر (خيانة)؟!، وأخيراً ما هي النتائج المصيرية المثمرة التي زفَّتها لنا هذه الثورة إلا وعد بلفور وأخواته؟!

- الحديث معك ضربٌ من الجنون وأنت شخص ميؤوسٌ منه (يُخاطبه بسُخطٍ وضجرٍ ثم يقفل راجعاً إلى كوخه وهو يغني):

بلادُ العُربِ أوطانِ

مِنَ الشَّامِ لبغدانِ

ومِن نَجدٍ إلى يمنٍ

إلى مِصرٍ فتَطوانِ

-       استصرخه حنظلة: "ارحمونا من أوهامكم وظُلماتكم فقد أهلكتم الحرث والنسل، واشتكى من منكم البشر والحجر والمدر والشجر، نحن معكم إن كان في سعيكم خدمة وطنكم ومواطنيكم لكن يجب أن تعاقبوا المُسيء فلا تجعلوه نبيَّاً مُنزَّهاً؛ فأرواح الناس ليست لعبة شطرنج تلعبون بها حسب أهواكم، لا تغُرَّنَّكُم تشدق بعض قياداتكم بثوابت القومية العربية النبيلة حينما يُوغل في تحقيق مآربه السمجة ومصالحه النتنه، اجعلوا العالم يُشير إلى وحدتكم وعدلكم واصراركم في تنمية الأوطان، أخرسوا صوت الرصاص وأزيحوا عن أنوفكم رائحة البارود (حتى إذا بدا عبدالله وكأنه شبح لم يكن)، أطبق على نفسه الهدوء وقفل راجعاً إلى كوخه المُتوشِّح ببعضٍ من بقايا عِظامٍ باليه، وشذر من أنصاف أرواح بائسه، وفي طريق عودته مر على (أم السعود) والتي لا تبرح من مكانها وهي تندب حظها وتهلوس بما يهلوس به حال العرب.

نتائج استطلاع رأي: واقع القراءة لدى مواطني سلطنة عمان


القراءة هي بمثابة الروح والغذاء الرصين للعقل الذي بدوره يقود دفة التنمية والازدهار لأي أمة عبر تعاقب الحقب، فطالما وُجد مواطنون يعشقون القراءة ويتلذَّذون بمعِينها الزُلال فلا خشية من اضمحلال شبابها أو تسمم عقولهم الغضَّة، وطالما وُجد التمجيد والتصديق بما (يُقال) من بعض أشباه العقول دون أن يمتلك الشابُ الرصيد القرائي المُتوقِّد فإنهم بذلك لن يكونوا سوى خيوط وهِنة كخيوط العنكبوت؛ وعلى ضوء ذلك بدت كثير من الدول تطبيق الكثير من البرامج الجاذبة والمشوِّقة للجمهور حتى يُخلق جيل مُتشرِّب بالكتاب والمعرفة، وبدت عدد من الدول استقراء نسب الاطلاع لدى مواطنيها من خلال الاستطلاعات الشعبية التي تتبنَّاها قِطاعات المؤسسات الحكومية أو الخاصة أو حتى الأفراد، فأظهرت مثل تلك الممارسات نسب على المستوى المحلي أو العالمي اتي يمكن من خلالها الكشف عن مؤشرات علمية لمعرفة واقع المشكلة من عدمها.

 

فنجد أن تقرير الأمم المتحدة حول القراءة قد أظهر أن مُعدل القراءة لدى المواطن العربي سنويا لا تتجاوز (6) دقائق بينما نجد أن ذلك المعدل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يتخطى (200) ساعة سنويا، أظف إلى أن الطفل الأمريكي يقرأ (6) دقائق في اليوم الواحد بينما يقرأ الطفل العربي (7) دقائق في السنة كاملة!، وهنا يبرز دور المؤسسات التعليمية التي لا تزال مناهجها العقيمة جاثمة على صدور الأجيال؛ فهي لا تُحاكي واقع القراءة والكتابة الحديثة التي تغرس في نفوسهم قيم المواطنة والتشبُّث بالهُوية الوطنية وتجويد مهارات القراءة وإكسابه براعة النقد والتمحيص بعيداً عن ثقافة التقديس والتبجيل.

 

ومن منطلق وضع النقاط على الحروف وبعد انتهاء معرض مسقط للكتاب في نسخته العشرين تعالت بعض الأصوات من المؤلفين والكُتَّاب والنُقَّادِ أن قريحة القراءة لدى الإنسان العماني ضعيفة، كما كانت بعض ردود دُور النشر – من خلال استطلاع شخصي أجريته مع عينة منهم- قد أظهرت امتعاضا حول الإقبال الجماهيري نحو الكتاب وبالأخص تلك المتصلة بالقضايا السياسية والتاريخية والتربوية بينما جُلَّ الاهتمام كان مُنصباً حول الإنتاج الأدبي وبالتحديد الروايات والقصص القصيرة والشعر، وعلى ضوء ذلك أردت أن يكون هذا المقال امتدادا لمعرض الكتاب المُنصرم للخروج ببعض المؤشرات التي يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمؤسسات المعنية؛ حيث عملت على إجراء استطلاع رأي حول واقع القراءة لدى عينة من مواطني سلطنة عمان من وجهة نظرهم، وقد بلغ عدد من استجابوا للاستطلاع (603) مواطنا ومواطنة (70.2%) من الذكور و(29.8%) من الإناث، وقد تراوحت أعمارهم أقل من 18 سنة (4%)، و19-49 بنسبة (94.3%) وأكبر من 50 سنة بنسبة (1.7%)، وحول محاور الاستطلاع والاستجابات عليها  فقد جاءت كالآتي:

المحور الأول: (حب القراءة) حيث جاء نص السؤال: "هل تحب القراءة بشكل عام (المجلات، الصحف، الكتب، ..الخ)؟"

أجاب بنعم (87.2%)، وبلا (10%)، بينما امتنع عن الإجابة (2.8%).

المحور الثاني: (برنامجي القرائي) حيث جاء نص السؤال: "هل تتبع برنامجا قرائيا منتظم (يوميا، أو أسبوعيا، أو شهريا)؟"

أجاب بنعم (32%)، وبلا (66.2%)، بينما امتنع عن الإجابة (1.8%).

المحور الثالث: (معدل القراءة السنوي) حيث جاء نص السؤال: "ما هو معدل القراءة لديك (بالساعات) خلال عام كامل؟"

حصل معدل أقل من ساعة بنسبة (15.3%)، ومعدل 1-2 ساعة بنسبة (15.5%)، ومعدل 3-4 ساعات بنسبة (9%)، ومعدل 5-6 ساعات بنسبة (7.7%)، ومعدل 7-8 ساعات بنسبة (5.2%)، ومعدل 9-10 ساعات بنسبة (6.40%)، ومعدل أكثر من 10 ساعات بنسبة (40.6%).

المحور الرابع: (الدافع نحو القراءة) وجاء نص السؤال: "ما العامل الرئيسي الذي يدفعك نحو القراءة؟"، حيث أتيحت للعينة اختيار أكثر من دافع حسب ميوله واتجاهاته نحوها وجاءت النسب (حسب أكثر من خيار) كما يلي:

يدفعني تخصصي في العمل  نحو القراءة بنسبة (34.6%)، بينما جاء عامل للاطلاع واكتساب معلومات جديدة بنسبة (72.7%)، وجاء عامل للاستمتاع والتسلية بنسبة (42.1%)، وعامل لكسب مكانة بين زملائي والمجتمع بنسبة (13.1%)، وكانت نسبة (20.5%) تشير إلى عوامل أخرى لم ترد في الاستطلاع.

المحور الخامس: (طبيعة المواضيع المقروءة) وجاء نص السؤال: "ما طبيعة المواضيع التي تحب قراءتها ؟" حيث أتيحت للعينة اختيار أكثر من موضوع حسب ميوله نحو تلك المواضيع وجاءت النسب (حسب أكثر من خيار) كما يلي:

الدينية بنسبة (56.6%)، والسياسية بنسبة (48.9%)، والعلمية بنسبة (48.8%)، والمعلومات العامة بنسبة (58.9%)، والتاريخية بنسبة (42.8%)، والتربوية بنسبة (28%)، والأبراج بنسبة (3.2%)، والخيال العلمي بنسبة (12.1%)، والقصص والروايات بنسبة (37.4%)، والفنية والديكورات بنسبة (11.5%)، والطبخ والمأكولات بنسبة (13.6%)، وكان نسبة (20.8%) حول مواضيع أخرى لم ترد في الاستطلاع.

المحور السادس: (مكان القراءة) في أغلب الأحيان وجاء نص السؤال :" أين تقرأ في الغالب (عادة)؟" حيث أتيحت للعينة اختيار أكثر من مكان حسب ميوله في موقع القراءة وجاءت النسب (حسب أكثر من خيار) كما يلي:

في المنزل بنسبة (83.2%)، في العمل بنسبة (45.1%)، في المواصلات بنسبة (12.1%)، في المكتبات الأهلية العامة الموجودة في الأحياء والمدن بنسبة (4.8%)، في مكتبة المدرسة أو الكلية أو المسجد بنسبة (21%)، وجاءت نسبة (13.3%) من نصيب مواقع أخرى يفضلها القراء غير ما ورد في الاستطلاع.

المحور السابع: تطرق إلى دور المؤسسات الرسمية في نشر ثقافة القراءة بين أوساط المجتمع وجاء نص السؤال: "هل تعتقد أن المؤسسات المعنية بالدولة قائمة بدورها نحو غرس ثقافة القراءة؟"

أجاب بنعم (18.3%)، بينما أجاب بلا (69.7%)، وامتنع عن الإجابة (12%).
 
وفي نهاية هذا الاستطلاع فإنني أقدم شُكري الجزيل لجريدة الرؤية لتبنِّي مثل هذه المشروعات الوطنية عبر نشر تفاصيلها بين صفحاتها، كما أشكر موقع "سبلة عمان" على دعمه المنقطع النظير لمثل هذه المواضيع واستقطاب أكبر عدد من الجمهور، كما أنني أتمنى أن يُقدِّم هذا الاستطلاع مؤشرات علمية تفيد المؤسسات المعنية بترويج وغرس ثقافة القراءة لدى الإنسان العُماني من خلال تجارب عالمية مُطبَّقة بصورة حرفية وناجحة.

واقع البحث العلمي بين العرب وإسرائيل


يُشكل البحث العلمي أحد الروافد الأساسية التي تقوم عليها الدولة العصرية ضمن الاستراتيجيات ذات الأولويات القصوى  في مسيرة البناء والتطوير؛ لتحقيق قاعدة اقتصادية متينة في المقام الأول وإثبات اعتبارها في المنظومة السياسية العالمية، وهناك كثير من الشباب العربي لا يفقه عن الكيان الصهيوني إلا أنهم شِرذمة من عصابات العالم ومُشرديه الذين اجتمعوا في جزء من الوطن العربي ليكوِّنوا ما يُعرف باسم (إسرائيل)  والذي هو بمثابة الوطن القومي لليهود مُدجَّجين في ذلك بدعم غير منقطع النظير من أوروبا التي أهدتهم ذلك الوطن المُغتصب ضمن وعد بلفور (1917) في وقت كان الوضع السياسي العربي يتسم بالتصحَّر وعدم إدراك المصالح القومية، لكن وفي ذات السياق يتبادر إلى ذهن المواطن العربي سؤال جوهري ذات صلة بقضاياه المصيرية مع إسرائيل وهو "لماذا تلقى إسرائيل كل هذا الزَّخم من الدعم اللامتناهي على الرغم من وحشيتها في تعاملها مع الإنسان العربي وبعض المنظمات الحقوقية ومع الصحفيين المستقلين من قِبل دول يُشار لها بالبنان في ريادتها بالقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان"؟!.

سؤال مشروع يفتح الباب على مصراعيه في ضرورة أن تُعيد دولنا العربية قراءة الواقع الذي تعيشه بمنطقية ومنهجية مقبولة ومعقولة، إذ أن العالم لا يُمكنه أن يُفرِّط في أمَّة تضلَّعت بالعِلم والمعرفة والإنجازات العلمية بمختلف المجالات، فإسرائيل التي لا يتجاوز عدد سكانها (8.059) مليون نسمة حسب الإحصائيات الرسمية لعام (2013) استطاعت أن تُبرمج (45%) منهم بالانخراط في البحث العلمي والجزء المتبقي في السلك العسكري - على أن يكونوا بقدر من الانتاج العلمي-؛ مما دفعها للتفوق عسكرياً واقتصادياً في المنظومة الدولية وبلا مُنازع، فقد استطاعت إسرائيل أن تكون رقماً صعباً في عالم الكِبار من خلال استراتيجية وطنية قوامها الابتكارات وبراءات الاختراع التي تجذبُ العالم نحوها وجعلها مثار إعجابٍ وتشجيعٍ أيَّاً كان الثمن.

 وحتى يكون طرحنا واقعي فجديرٌ بنا أن نضع أرقاماً علمية موثّقة حيث نجد أن تقرير اليونسكو حول العلوم والتكنولوجيا لعام (2008) قد أشار إلى أن: "تُنفق إسرائيل على البحث العلمي ما قيمته (0.8- 1.0%) مما ينفق في العالم أجمع في مجالات البحث العلمي، بينما تُنفق الدول العربية مجتمعة ما قيمته (0.4%) مما يُنفق في العالم، أي أن إسرائيل تُنفق أكثر من ضعف ما يُنفق في الدول العربية مُجتمعة على البحث العلمي والتطوير، حيث تنفق الولايات المتحدة الامريكية حوالي (2.7%)، وتُنفق بريطانيا (1.8%)، بينما تُنفق ألمانيا (2.6%)، بينما أقل الدول في العالم إنفاقا على البحث العلمي هي الدول العربية وعلى وجه الخصوص الدول العربية الموجودة في قارة آسيا وعلى وجه الخصوص دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث لم يتجاوز انفاقها على البحث العلمي (0.1%) من الانتاج القومي لها"، ومن النتائج المحزنة والمخيفة التي أشار إليها التقرير هو "أن إنفاق الدول العربية على البحث العلمي والتطوير يُعادل نصف ما تنفقه إسرائيل، على الرغم من أن الناتج القومي العربي يبلغ (11) ضعفا من الناتج القومي في إسرائيل، كما وتُنفق إسرائيل ما قيمته (4.7%) من ناتجها القومي على البحث العلمي، بينما يُنفق العالم العربي (0.2%) من ناتجه القومي.

وفي قراءة أخرى وبالتحديد في دراسة أجراها الدكتور خالد سعيد ربايعة (2011)، وهو باحث فلسطيني من مركز أبحاث المعلوماتية في الجامعة العربية الأمريكية، حول "مقارنة بين إسرائيل وكافة الدول العربية في البحث العلمي وبراءات الاختراع" أظهرت نتائجه أن إسرائيل تتفوق بشكل كبير وملحوظ على كافة الدول العربية في البحث العلمي وبراءات الاختراع، علاوة على تفوقها في إنتاج العلماء في كلا الجانبين، ومن أهم النتائج التي أظهرتها دراسته أنه وعلى مستوى التصنيف العالمي للجامعات حازت الجامعات الإسرائيلية على مراكز متقدمة في ذلك التصنيف وبالأخص الجامعة العبرية التي جاء ترتيبها (64) على مستوى العالم، بينما لم تُذكر أي جامعة عربية ضمن الترتيب الخمسمئة الأولى عالميا، وعلى مستوى العلماء فقد حاز (9) من علماء إسرائيل على جائزة نوبل بينما حاز عليها (6) من علماء العرب، وعلى مستوى الإنفاق فقد أظهر تقرير الإحصاءات الوطنية للبحث العلمي في إسرائيل أن الانفاق على مجالات البحث العلمي في عام (2008) فقط بلغ (9) مليار دولار، بينما جاء الإنفاق العربي إجمالاً على ذلك ما يقرب من (5) مليار دولار، وعلى مستوى إنتاج العُلماء والباحثين فقد تفوق العرب في العدد بوجود (124) ألف باحث بينما بلغ عددهم في إسرائيل (90) ألف باحث كان (90%) متخصصين بالهندسة الإلكترونية الدقيقة، وعلى مستوى براءات الاختراع فقد أظهرت الدراسة أن عدد براءات الاختراع الإسرائيلية بلغت (16805) براءة اختراع، بينما بلغت عند العرب (836) براءة اختراع أي ما نسبته (5%) مما يُنتج في إسرائيل، ومن المُدهش أن تقرير اليونسكو لعام (2008) أوضح أن براءات الاختراع لدى إسرائيل في عام واحد بلغت (1166) براءة اختراع وهو ما يفوق براءات اختراع العرب طوال تاريخ حياتهم، وعلى مستوى المؤلفات والكتب والبحوث العلمية المنشورة فقد أظهرت الدراسة أن عدد الكتب المؤلفة في إسرائيل سنويا تبلغ (6866) كتاباً بينما يبلغ عددها عند العرب (10000) كتاب، وأما البحوث العلمية المنشورة سنوياً فتبلغ لدى إسرائيل (138881) بحثا مُحكَّما بينما يبلغ عددها عند العرب (140000) بحثاً علميا مُحكَّماً، إلا أن نوعية البحوث وجودتها تتباين بين ما يُنتجه العرب وما تنتجه إسرائيل؛ حيث يُشير تقرير اليونسكو للاستفادة من البحوث العلمية المنشورة في العلوم الإنسانية والعلمية أن عدد الاقتباسات من البحوث العلمية المنشورة لدى اسرائيل أكثر بكثير عن الاقتباسات من البحوث العربية؛ حيث بلغت تلك الاقتباسات من بحوث العرب (620000) اقتباسا، بينما بلغت من البحوث الإسرائيلية (1721735) اقتباساً.

وعودة على تقرير على ذي بدأ حول تقرير اليونسكو الذي يُعطي مؤشرات كل عشر سنوات فيما يتصل بالبحث العلمي نجد مفارقة كبيرة جدا في الاهتمام العربي بالباحثين مقارنة باهتمام إسرائيل بهم، فعلى صعيد نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي نجد أن التقرير يصنف إسرائيل في المرتبة الأولى عالميا حيث يبلغ نصيب الفرد في البحث العلمي (1.272.8) دولار سنويا ، تليها الولايات المتحدة، ثم اليابان بينما جاء نصيب الفرد في البحث العلمي بالدول العربية الأقل حيث بلغ (14.7) دولار سنويا، وأما بالنسبة لموقع دول مجلس التعاون الخليجي من بين المنظومة العربية فقد بلغ نصيب الفرد في البحث العلمي (11.9) دولارا سنويا فقط أي ما نسبته (0.1%) عالمياً.

إن ما تقدَّم من أرقام علمية وثَّقتها تقارير المنظمة العالمية (اليونسكو) أو ما أشارت إليه نتائج دراسة ربايعة (2011) تعطينا مؤشر مخيف على مدى تأخر وتراجع الإنتاج العربي في مجالات البحث العلمي، مع الإشارة إلى أن أغلب المؤشرات السابقة كانت سابقة لما يُعرف بالربيع العربي الذي عاث بالأوطان فوضى وأفقدها كثيرا من منابع الإبداع والابتكار، فإسرائيل لا تُعوِّل كثيراً على الجانب العسكري الكمي بقدر اعتمادها على أن تكون رقماً عالمياً له وزنه وثقله الاعتباري اقتصاديا وسياسيا وعلميا كماً ونوعاً والذي أوجد لديها قناعة بأنها تمتلك جيشاً لا يُقهر بما يمتلكه من تطور تكنولوجي دقيق مردُّه الابداعات البحثية وجودتها؛ لذلك لا يمكن للعالم الغربي أن يُفرِّط في عقول تضخُّ له أنهارا من الإنتاج والإبداع والابتكار التكنولوجي والعسكري والاستراتيجي، وعلى ضوء ذلك كان جديرٌ بالحكومات العربية والمؤسسات البحثية بمختلف مجالاتها إعادة رسم خارطة طريق تجعل من المواطن العربي (باكورة) إنتاج علمي متوقِّد بالابتكار ومهووسٌ بالمعرفة، وكما قيل قديما "نصفُ المُتعلِّم أخطرُ من جهلِ الجاهل" فوطننا العربي ليس بحاجة إلى أشباه المتعلمين الذي يعيثون بالأرض فسادا في تأويل منابع المعرفة والأحكام الشرعية والمسائل العلمية برؤية قاصرة.

لماذا يشكّ الخليجيون بإيران؟


تمثل إيران قُوة ضاربة في عمق التاريخ

سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً،  كما أنها على درجة كبيرةٍ من الأهمية  في تحقيق التوازن الأمني والازدهار  الاقتصادي والاستقرار السياسي بالمنطقة، أظف إلى أنها لاعب رئيسي محترف وضلع جوهري في جسد المشهد العربي وبالأخص في العراق ولبنان وسورية وبين حين وآخر في البحرين، قد تثير تصريحات ومواقف المسؤولين الإيرانيين في المستنقع السوري والسيطرة على زمام القيادة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لإدارة حرب (الاستنزاف) ضد الثوار والجماعات المسلحة الأخرى وزجّ حزب الله في أتون هذه المعمعة كلها قد تثير في نفس المواطن العربي شكوكا كثيرة تجرُّه نحو انتزاع حسن النوايا؛ إذ لا يرى في تلك التدخلات السافرة إلا تكريس (للتَّقية) الإيرانية المعهودة بالدفاع عن الشرعية والحقوق وحماية الشعب العربي من أطماع الشيطان الأكبر!.

 كما أن (ابتلاع) أجهزة استخبارات الحرس الثوري الإيراني لأغلب أرض العراق وإذكاء روح القتل بالهوية أو المذهب أو القومية يُعزِّز شكوك المواطن العربي نحو أهداف جيرانه على الضفة الشمالية للخليج العربي، كما لا يمكن تجاهل القلاقل التي يثيرها "حزب الله" والذي يرى من نفسه دولة شبه مستقلة (يحتلُّ) الجنوب اللبناني ليجرُّ البلاد إلى مزالق ومغامرات تجذب فوهات القتل والتدمير الصهيونية فتدُكَّ البُنية التحتية المهترئة أصلاً في بلاد الأرز والذي ما فتئ ينتهي من أزمة سياسية حتى تلتهمه حرباء سياسية أخرى، فولوج الحزب في معمعة الحرب الضروس التي تطحن الشعب السوري يجعل من لبنان قنبلة موقوتة للانتقام وتصفية الحسابات وصناعة حروب لا يقوى عليها على الرغم من أن جُلَّ الشعب العربي كان يصفق بحرارة للإنجازات البطولية لرجال المقاومة ضد الكيان الصهيوني وأخرها في حرب تموز (2006) إلا أن التورط في المستنقع السوري خلق حسابات معقّدة جعله محل استنكارٍ لدى كثير من الشعوب العربية، وفي الزاوية الأخرى نلحظُ دعماً سخيّاً من إيران لحزب الله ومغامراته في سورية؛ فهل من الغلو أن يتساءل المواطن العربي لماذا يتَّهمنا الإيرانيون بأننا لا نُحسن النوايا بهم دون أن يُقدِمُوا على مراجعة شاملة ووافية لسياستهم في المنطقة العربية؟

 وعلى الصعيد الخليجي وحينما تسعى إيران لضرب العُمق البحريني وزعزعة أمنه واستقراره وتغرير الشباب البحريني من الطائفة الشيعية بالاعتصامات والعصيان المدني ضاربة عرض الحائط خطورة زعزعة الأمن الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الذي لا يرضى أي تدخل إيراني سياسيا كان أو عسكريا، فكيف للمواطن الخليجي أن يولي ثقته بجيرانه فالضفة الشمالية وهم يلوون بألسنتهم ليل نهار بالحق السيادي على البحرين؟!.

 وعودة على ذي بدأ وبالتحديد في اليمن الذي نجده اليوم يرزح تحت وطأة الانقسامات الداخلية وبوادر الحرب الأهلية التي إن وقع فيها رجالات السياسية في البلاد فإنها بذلك ستُشعلُ ناراً تحرق الأخضر واليابس وسيكون الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر فيها، وفي معمعة الاحتقان السياسي والتطورات الميدانية المتسارعة إثر المعارك الطاحنة بين الحوثيين وقوات التحالف العربي في عاصفة الحزم أضحى المواطن اليمني يُمنِّي النفس ويترقب تدخلاً حكيماً و(مسؤولاً) لإيران من خلال الضغط على حلفائها من الحوثيين لإنجاح العملية الديمقراطية في البلاد بعد خلق بيئة سياسية ديمقراطية جاءت بُعيد الثورة بولادة رئيس للجمهورية وبرلمان منتخبين ووضع الخطوات الأولى في منظومة بناء مؤسسات الدولة العصرية وفق ما نصّت عليه الاتفاقية الخليجية بعدما كان الفسادُ ينخرُ جميع مؤسسات النظام السابق، لكن فوجئ المواطن اليمني أن الواقع عكس ذلك تماماً فوجد أن بلاده - وبإيعاز من إيران في دعمها المستميت للحوثيين- تتقهقر نحو المُربع الأول الذي رُبما يُعيدها نحو الانقسام والانفصال قبل الوحدة اليمنية في بداية التسعينيات وتأسيس يمنٍ كونفدرالي يُقسَّم حسب القبيلة والمذهب.

إن التدخلات الايرانية في البيت العربي بهذه الصورة الضبابية جعلت المواطن العربي يتضلع بالشكوك والريبة نحو تصديق ما كان يعتقده ذات يوم بأنه اتهام باطل غير مُبررٍ يتفوّه به بعض قادة دول مجلس التعاون الخليجي من أن إيران تمتلك رصيداً كافياً من العِداء والأطماع في المنطقة منذ انتهاء حرب الخليج الأولى أو ما عُرف بحرب الاستنزاف بينها وبين العراق الذي كان مدعوما بالمال الخليجي العربي السخي (1980-1988م)، فكان المواطن يعتبرُ أن مثل هذه الاتهامات ضد إيران ذات صبغة سياسية يتم اللعب بها على وتر العواطف حتى تجلّت الشواهد أمام ناضريه عبر مؤشرات النفوذ في سورية والعراق واليمن والتي بدروها عزَّزت من تلك الشكوك، فليس من صالح أحد أن تُغلَّب صغائر الأضغان على كبائر المصالح الوطنية والإقليمية والتي إن استحوذت على الواقع وأعدمت الثقة المُتبادلة فإن الخاسر الأكبر فيها هم شعوب المنطقة، نحن بحاجة لأن نُقدِّم لإيران منظومة واقعية ليعيش الشعب الإيراني والخليجي رغداً من العيش دون أن يتغلغل النفوذ الخارجي في قضايانا المشتركة، نحن بحاجة إلى أن نقرأ الموقف الإيراني برويّةٍ ومسؤولية وإيجابية وكذلك على إيران أن تقرأ المصالح العُليا لدول الخليج حتى نبني جسراً متيناً من الثقة والتعاون يخدم المصالح المشتركة العُليا.

عَظَّمَ اللهُ أَجرَكِ يَا قَارِح


ما أصعبَ تِلكَ اللحظات المُفجِعة التي تسرقُ سُهادَ الطُمأنينَة والهدوءِ من براءةِ الطُفولةِ وقُلُوبِ فتيةٍ لم يتجاوزا العشرين ربيعاً، وما أثقلَ ذلك الحِملُ الذي يُلقيهِ القدرُ على أفئدةٍ وَجِلةٍ عذراءَ لا تفقهُ من مَملكةِ الموت وفلسفتها أيَّ قساوةٍ ولا غِلظَة، بين غمضةِ عينٍ وانتِباهتِها يتبدَّلُ الفرحُ ترحاً وكمداً، ويذبلُ سِحرُ الجمالِ والبهاءِ ليشتعل رأسُ الوِلدانِ شيباً؛ فيُسدِلُ على نعومة السعادةِ أطناناً من الشُحب والبُؤس المريرِ، ها هو قلمي المكسور اليوم يروي لكم مسيرة أسبوعٍ مُنصرمٍ توشَّح على العبادِ حُزناً وأسىً، فأَسدلَ على حَيِّنَا (حارتنا) أنهاراً دفَّاقةً من البُكاء والعويل، فلا لا عزاء لحارتنا وسُكَّانها الطيبون إلا الإيمان الصادق بحقِ قضى الله وقدره.

 كُلَ صباحٍ ومساءٍ تطوي أقدام الأطفال والرجال الطريق نحو المسجد لتظفر بثوابِ صلاةِ الجماعة وهم يصطفُّون أمام ملكوت الإله الأعظم يرتجون عفوه ويخشون عذابه، فمنهم من تهادى على جنبيه ليُلقي بقايا جسد مُتهالكٍ على كُرسي طالما أشتكى من ثقل جالسه، وآخر قد توشَّح الخشوع والخضوع ليُصلي ركعتين وقد أسدل على لحيته الوضَّاءة قطرات من بقايا وضوء طاهر، وآخر تسلسل بين سبَّابته وخنصرهِ مِسبحة مَكِّية وبدأ يُهلِلُ ويُكبِّرُ يرتجي خير الجزاء من ذكره للباقيات الصالحات، وهناك في الزاوية البعيدة ثُلَّةٌ من الأطفال يُثيرونَ شقاوةً وضجيجاً طالما يثيرونَ بذلك غضب الشايب (عبدالله) فيكيلُ عليهم وابلاً من التهديد والوعيد المعسول، حتى إذا ما حان وقت الصلاة تقدَّم الإمامُ وبدا الجميع خاضعين خاشعين يُشنِّفُونَ آذانهم لآيات الكتاب العظيم.

 وما إن انقضت الصلاة حتى تواترت على هواتف المصلين واحدا تلو الآخر أن أحداً من سُكَّانِ الحَيِّ الذين يَشهدُ لهم الجميع بِطِيبَتِهِ وحُسنِ خُلقهِ وحُبِّهِ للناس قد أصابهُ مكروهٌ في حادثٍ مروريٍ بمركزِ الولاية، تعالت أصواتُ المحبين له بأن يحفظهُ الله ومن معه من شرِّ كوارثِ الحوادث التي طالما أثقلت كاهلَ الأُسرِ بالحُزن والألمِ والسهرِ والفجيعةِ، لكنها لحظاتٌ مُوحشة ومُخيفة نزلت بصاحبنا وبالحَيِّ كُله وما أعظمها من كارثة قصمت ظُهورِنا بالأسى والفاجعة، تَوحَّدت قُلوب أبناء الحيِّ رجال ونساء في مُصابها الجلل ودعوا الباري أن تكون العواقب سليمة، لحظات وأضحت جميعُ بروفايلات الواتساب للسُكَّان تحملُ جُملة قصيرة توحي بُحزنٍ وحُرقةٍ عميقة "عَظَّمَ اللهُ أجركِ يَا قَارِحُ" – وهو اسم الحي الذي يقطنه المنكوب-، فما الذي حصل حتى تفيض تلك الجُملة بأشجانٍ مجروحة عميقة لدى الجميع ؟!.

 كانت الصاعقة حيث لا يرحمُ القدر، مَشهدٌ يُدمِي القلب، ويُسمِلُ العيون من البُكاء، ليلةٌ ثقيلةٌ عاشتها حارتُنا ولا زال يتجرَّعُ ألمها ومُصابها الوَخِيم، شاء الله أن يقتنص الموتُ أَعَزُّ ثلاثةٍ مِن البشرِ الذين أوصى بهُنَّ النَّبيُ الكريم، فكانت الأولى هي (الأُم) حيثُ مفاتيحُ الجنةِ تحت قدميها، لطالما كانت هذه المرأة محبوبةُ الجميعِ؛ لعفويتِها وصفاءِ قلبها ونقاء سرِيرتها، فتجدها تمرُّ على أغلبِ بيوت الحيِّ لتُسلِّم على نساءٍ أثقل بعضها المرضُ، وأخرى رُزِقت بمولودةٍ، وثالثة لتُساعِدُها في الحِياكةِ، ورابعة لتتجاذبَ معها أطايبَ القولِ كما يُنتقى أطايبُ التمرِ، وخامسة هي صديقةُ عُمرِها وصندوق أسرارها، فلا تجدُ في وجهها طفلٌ إلا أهدتُه شيئاً من البيساتِ وهي تبتسم وتحثُّهُ للهرع نحو (الدُّكانِ)، لم تشكوا يوماً لأحدٍ ما يُثقلُ صدَرها من همومِ الحياةِ وسوء أمزِجة الناس وما يجرُّونه عليها من جِراحاتٍ مُوجعةٍ في كثيرٍ من الأحيان؛ لأنها بسيطةٌ في حياتها فلا تجدُ في قلبها مُتسعٌ للحقدِ والكذبِ والدَّجلِ فهي لا ترتجي إلا رضى ربها، أما الفجيعة الثانية فكانت (الزوجة) ونيسةُ الحياة وشريكة العُمر وأمُّ العيال، والفجيعةُ الثالثة فكانت (البنتُ) والتي أوصى النبي الكريم في كثيرٍ من المواقف أن من أحسنَ تربيتِها جعلها الله شفيعة لوالديها يوم القيامة، فرحلت الجدة والأم والبنت بين غمضة عينٍ وانتباهتها..

 ما أثقل وقعها ليلة الجُمعةِ المُنصَرِمة على (قَارِحٍ) وهي تُسجِّي ثلاثُ نساءٍ طاهراتٍ من خِيرةِ نِسائِها إلى مثواهُنَّ الأخيرِ في مشهدٍ لا يُمكن لقلمٍ مفجوعِ كقلمي المتهالكِ أن يصف الواقعة ويُجسِّد المصيبة الجلل، فكم يتقطع قلبك شفقةً وحُزناً على الأبناء وهم في مجلس العزاء وأكبرهم لا يتجاوز العشرين ربيعاً يودِّع جدته وأمه وأخته في مجزرة الحوادث المرورية، لكنَّها حِكمتُ اللهِ ونفاذُ قضائِهِ ولا راد أو اعتراض على أمر الله.

رحمهنَّ الله وأدخلهُنَّ فسيح جنَّاتِهِ وجعل مثواهنَّ الجنَّة، ونسأل الله أن يُعافي المُصابين الأخرين ويُلهمهُم الصبر والسلوان، وعَظَّمَ اللهُ أَجرَكِ يَا قَارِح الجرِيحَة.

إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون

عاصفة الحزم ومستقبل المنطقة


يبدوا أن ثقل المشهد اليمني قد ألقى بجراحه المُثخنة على المواقف الملونة الرفيعة سواء الرسمية منها أو الفردية، كما أن النيران المتطاير من أرض الميدان أضحت تُلقي بشظاياها الحارقة على الشعب اليمني والشعوب العربية والإسلامية على حد سواء، كما أنها - وكما يرى المراقبون- قد كشفت زيف بعض الأقنعة وإظهار عوراتها الكاذبة السمجة تجاه كثير من القضايا العربية والإسلامية المتباينة، واستظهار ما تُكنُّه المواقف الرسمية بين الفيلقين الإيراني والخليجي وبالأخص السعودي والتي يمكن من خلالها قراءة إحداثيات المرحلة المقبلة للمنطقة، هناك العديد من الأسئلة التي طُرحت قبيل إشعال فتيل الحرب وبعدها وحول مستقبل المنطقة في ظل تطور الأحداث في الركن الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية وبعض التقلبات (المزاجية) للمواقف الدولية وعلى رأسها التعنت الروسي إزاء مشروع قرار دول مجلس التعاون الخليجي والتلويح باستعمال صولجان "الفيتو" إن لم يُهذِّب الخليجيون قرارهم الذي يطالبون فيه بغطاء الفصل السابع لتشريع "مغامرتهم غير المسؤولة" في الساحة اليمينة، أمام تجمَّد قاتل في الموقف السياسي واللوجستي بعد بدأ الحرب بين بعض حلفاء السعودية الذين كان يُعوَّلُ عليهم الكثير مع تطور الأحداث تتقدمهم باكستان وتركيا علاوة على امتناع الجيش المصري "بالتورط" في حرب الشوارع والتي لا تزال دول الحلفاء تقدم فيها رجل للأمام وتقهقر أخرى للخلف، دون أن ننسى الخطر الذي بدأ يحيط بالمصالح الخليجية وبالأخص السعودية من الجماعات التكفيرية والمتشددة داخل المملكة وخارجها، ناهيك عن الخشية من تفجر الجاليات اليمينة في المنطقة حيث أن التركيبة الديموغرافية في بعض مناطق السعودية والتي تحوي على أكثر من خمسة ملايين يمني وفق المركز الوطني للإحصاء قد يهدد استقرار النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فيها مع ما تفرزه تطورات الأحداث الجارية.

مما سبق يبدوا أن الصورة غير واضحة كما أن كثيرا من المُعطيات والمؤشرات توحي بأن دول الحلفاء وأمام الخناجر التي غرسها بعض الحلفاء في خاصرتها والموقف الروسي المتعنِّت إلا أنها لا تزال تعضُّ بالنواجذ على موقفها إما الانصياع (للشرعية) أو أن تُحفر القبور وتُزفُّ توابيت "الإنقلابيون" بمختلف مسمياتها شهيدا أم خائنا أم عدوا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، بالمقابل يبدوا ومن خلال ما يُدوَّن من مقالات وتغريدات وتقارير صحفية وإخبارية وتحليلات سياسية أن الشعب الخليجي على وجه الخصوص والدول العربية والإسلامية بوجه عام قد حشرت دوافع هذه الحرب في زاوية ضيقة وهي المذهبية، ونقل الحرب بالوكالة في ساحة خارج أرض المُستعرضين (إيران - السعودية)، وهناك شحن كبير تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات المحسوبة على طرف دون آخر تتلوا لجموعها ليل نهار مثل هذه الهرطقات، وهنا يستمطر الواقع جُملة من الأسئلة التي يمكن من خلالها استيعاب المشهد وتركيب قطع الصورة المتناثرة:  فلماذا بدأت هذه الحرب أساسا؟، وما الدافع الذي جعلها واقع حقيقي بين غمضة عين وانتباهتها؟، وهل نظرية الصراع بين السعودية وإيران كقطبي رئيسيين بين السنة والشيعة أضحت على فوهة البركان أم هي مجرد فقاعات ملونة؟، وأخيرا هل حرب الحلفاء قائمة على هندسة مدروسة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا أم هي مجرد مواقف ارتجالية و"مغامرة غير مسؤولة" كما قالها ذات يوم الأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية في حرب حزب الله مع إسرائيل (2006)؟.

يبدوا أن موقف الحلفاء مُترهل في زيادة شريحة أعدائه المحيطين من الداخل اليمني وخارجه، كما أن حقيقة الأمر أن هذه الحرب لم تشعلها فتيل المذهبية بدرجة كبيرة بقدر ما هو سعي لإيجاد توازن في القوة بالمنطقة وإظهار مفاتن الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا؛ إذ لا يمكن أن نغضَّ الطرف عن المخاوف الكبيرة التي أصبحت تُعشش لدى دول الحلفاء حول خطورة نسف مصالحهم إن حصل الاتفاق الحقيقي بين إيران وأمريكا والدول الأوروبية، ناهيك عن خيبة الأمل التي أبداها الخليجيون من الموقف العماني الرصين والحضاري  في التقارب وحلحلة ما تعسَّر خلال عقدين ونيف من الزمان في وقت كانت تعتبره دول الحلفاء صمام أمان لديمومة الطلاق البائن بين إيران وأهم شريك استراتيجي في المنطقة (أمريكا)، فكيف يمكن أن تُزغرد السعودية وحلفائها لهذا العرس المشؤوم من وجهة نظرهم؟، كما أن الهدف العميق لهذه الحرب كما يبدوا يسعى إلى إعادة هيبة القيادة العربية والتي طالما كانت ندا حقيقيا لإيران بقيادات قويمة منذ عهد السادات واندلاع الثورة الخمينية (1979م) مرورا بعهد مبارك وصدام حسين إضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي بزعامة السعودية إلا أن انهيار تلك الأنظمة والتي كانت بمثابة السد المنيع أمام الأطماع الإيرانية التوسعية واستباحتها للعراق وسورية ولبنان وتوغلها في ليبيا ومصر واليمن وتدخلاتها المشينة في البحرين والإمارات والكويت باسترسال وسهولة شكل ضغطا على دول المنطقة بضرورة إيجاد توزان في القوة والسيادة وإثبات الرقم العربي في المنظومة العالمية والذي دفع السعودية إلى خلق تحالفات حقيقة تعيدها للسيادة العربية والإسلامية من جديد بعد أن اتسخت صورة المملكة منذ أحداث سبتمبر (أيلول) 2000 إثر تفجيرات برجي التجارة العالمي.

لربما لا يختلف اثنان أن الحرب لا يُرتجى منها سوى القتل والدمار وتقهقر التنمية إلا أنها في كثير من الأحيان ومع اختلال في ميزان القوة يمكن تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية ثمينة تُعيد للمنطقة استقرارها واتزانها مع الأخذ في الاعتبار ردَّات الفعل العنيفة التي قد تكون بمثابة الجرح العميق  في جسم الوطن، وأمام تأزم المواقف في اليمن وتسارع الأحداث يطرح الشارع اليمني والعربي مجموعة من الأسئلة التي تغور بين ثنايا الرصاص والبارود: لماذا تُدار حرب الوكالة في اليمن وكأنها فأر تجارب؟، وهل المنطقة مُهيأة أساسا لتستقبل كميات الذخائر التي تدك البشر والحجر والشجر وربما تتطور بعد حين؟، ومن المستفيد الحقيقي من هذ الصراع؟، وهل دول الحلفاء ستكون بذات السرعة القصوى في بناء اليمن وتنميته وازدهاره بعد أن حولته الحرب إلى أكواخ أشباح أم أن الأمر لا يعدوا سوى ذر الرماد في العيون؟، ثم لماذا استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تذوييب جليد الاتفاق مع إيران ولم يستطع الخليجيون والعرب ذلك؟، وهل يعلم الخليجيون أن إيران دولة صناعية وإنتاجية يمكنها أن تخدم المنطقة أم أن إنتاجنا وصناعتنا الخليجية – غير تصدر النفط الخام والغاز- يمكنها أن تغطي إيران من رأسها إلى أخمص قدميها؟، وأخيرا هل حرب الحلفاء بقيادة السعودية جاء عزمها لحزم إنقاذ اليمن والمنطقة من مصاصي الدماء التقليدين ضد الخليج العربي والمنطقة أم هي لا تعدوا سوى مغامرة مراهقين؟

حفظ الله الجميع من شرور الحروب والفتن

دولُ الخليج بين مِطرقة النفط.. وسِندان التنمية


شكَّل النفط منذ عقودٍ طويلةٍ المنبعُ الدَّفاق الذي يدرُّ أموالاً باهظة لكثير من دول العالم التي تمتلك قِسطاً وافراً من الذهب الأسود، وشكلت دول مجلس التعاون الخليجي عبر تعاقب الحقب التاريخية صمَّام الأمان لدعم الحِراكِ الاقتصادي لدى كثيرٍ من الأمم وعلى رأسها الدول الصناعية؛ فهي بذلك تمتلك أكبر احتياطي للنفط بمجموع (486.8) مليار برميل أي ما يعادل (35.7%) من الاحتياطي العالمي من النفط الخام و (70%) من إجمالي الاحتياطي النفطي لمنظمة الأوبك، وبحسب الترتيب العالمي فهي تُعدُّ أكثر الدول المُنتجة والمُصدرة لهذه السلعة العالمية، وقد كان تتابع مُؤشر أسعاره في المراحل السابقة وخاصة حينما تجاوز (100) دولار مساراً مُهماً للتنمية والتطوير والبناء؛ لذا سعت كثير من دول المنطقة إلى تشكيل الملامح الرئيسية للدولة العصرية سواء في مجالات التعليم، أو الصحة، أو المؤسسات الأكاديمية والبحثية، أو تعزيز القُدرات العسكرية والمؤسسات الوطنية الاستراتيجية، أو تقديم جُرعات تنموية رائدة للإنتاج والابداع، أو السعي لحلحلة ظاهرة البطالة وتفعيل الشراكة الوطنية بين المؤسسات والمواطنين حتى وصل بعضها إلى مرحلة حياة (الرفاهية) –كما يُطلق على ذلك مجلس الأمَّة الكويتي-، إلا أنه ومع انصهار القيمة السوقية العالمية للنفط ظهرت لدينا الكثير من المؤشرات التي أفضحت (ترقيعات) بعض الصور الهُلامية التي كانت تُفاخر بأنها استطاعت أن تكوِّن قواعد اقتصادية متينة لدولها العصريَّة عبر استغلال الارتفاع السوقي لهذه السلعة قُبيل يونيو من العام الجاري.

اليوم ونحن على أعتاب نهاية (2014) نجد أن دول الخليج العربي تعيش أزمة اقتصادية حقيقة قد تجُرُّها إلى مُستنقعاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ضحلة كان من الممكن تفاديها عبر وضع استراتيجيات ورؤى وطنية تحفظ للوطن والمواطن حقَّ العيش الكريم دون إقحامه في (شعوذات) الحِسبة والمُحتسب واقتناص حقوقه لسد عجز الدول التي يتحملها في المقام الأول والأخير صُنَّاع القرار الذين جعلوا الحبل على الغارب في الاعتماد بنسبة (90%) من الاقتصاد الوطني على النفط – حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطاقة-، ولك أيها القارئ الكريم أن تتخيل واقع المنطقة ومواطنيها حينما توضع ملامح المرحلة المقبلة على المِحكِّ بحيث يشوبها الضبابية واتباع سياسة (مشِّي حالك)!، فحينما نجد أن الكويت التي أعلنت أنها وصلت بمواطنيها لدرجة (الرفاهية) وهي على مشارف رفع الدعم الحكومي عن المحروقات ابتداء من يناير (2015) نجدها تُعلن وبسبب انخفاض أسعار النفط منذ أكتوبر الماضي - لو ظل البرميل الواحد على (60) دولارا - ستُسجِّلُ عجزاً في ميزانيتها يصل إلى عشرة مليارات دولار ناهيك عن بقية الدول الأعضاء وعلى رأسها البحرين وعمان اللتان تعدَّان من أكثر دول المنطقة ضرراً في ظل إبقاء أوبك سقف انتاجها كما هو (30) مليون برميل يومياً، وحسب ما أعلن عبد الله البدري الأمين العام لمنظمة الأوبك أن المنظمة بما فيها دول المجلس تشعر أنها على بر الأمان ما لم تتهاوى أسعار النفط دون (80) دولارا؛ وذلك يعني أن دول المجلس قد حزمت ملفاتها وجردت حسابتها لرسم خارطة طريق للميزانية المالية للعام القادم (2015/2016) على ذلك السعر الذي أشار إليه البدري لكن الواقع يشي بأن تلك الأسعار قد وصلت للحضيض وانخفضت بنسبة (65%) أي أننا نعيش أزمة حقيقة ستؤول حلولها كما أعلنها بعض الدول الأعضاء من خلال الاستفادة من الأصول المالية التي رُصدت عبر سنوات طويلة للبنية التحتية، بمعنى أن نزيف انهيار أسعار النفط خلال أشهر بسيطة كان كفيلٌ بوقف مشاريع تنموية وطنية كان من الأجدى أن تتَّسم بخططٍ واستراتيجياتٍ بعيدة المدى.
ختاما.. من الجميل جداً أن يتعلَّم الإنسان خطأه من تجاربه السابقة ليقوِّمه ويجوِّدُ عمله، ودول الخليج تشعر الآن أنها تعيش أزمة اقتصادية يتطلب منها تحكيم العقل ووضع الآليات التي تخدم أوطانهم ومواطنيهم بعيداً عن العنتريات وابتزاز المواقف السياسية والتدخلات في سيادات الدول الأخرى، نحن بحاجة إلى أن تقف حكومات المنطقة مع مواطنيها ليتضلَّعوا باسم المواطنة والمسؤولية في خضم الفوضى الفكرية والأخلاقية والمؤسساتية التي تعيشها دول الجوار، من الضرورة بمكان أن تُبنى استراتيجية خليجية لخلق اقتصادٍ متينٍ لا يعتمد بصورة مُطلقة على سلعة ناضبة مُتذبذبة الأسعار بين الفينة والأخرى وتكون آثارها الوخيمة على المشاريع التنموية الوطنية.

دمتم بودٍ وسعاد.. وكل عامٍ ومن تحبون بألف خير مع نهاية هذا العام وبداية عام جديد،،

الهيئة العامة لحماية المُستهلك في عيون المُستهلكين


في مقالٍ سابقٍ وبالتحديد في (23/ديسمبر/2014) نشرتُ مقالاً بعمودي الأسبوعي في جريدة الرؤية جاء بعنوان: "حينما تُغرِّدُ الهيئة العامة لحماية المُستهلك"؛ حيث تتطرق المقال إلى قراءة تتابعية لهذه الهيئة منذ نشأتها وفقا للمرسوم السُلطاني(26/2011) حتى اللحظة، والشواهد الواقعية التي تشيدُ بهذه المؤسسة الرائدة من قِبل المُستهلك والمؤسسات الحكومية والخاصة، إلا أن المقال على بساطته وموضوعيته لقي بِضعاً من الآذان الصاغية التي ارتأت بأهمية هذا الوليد النشط في البلاد، إلا أن هناك أصوات أخرى رأت في المقال تمجيدٌ واستعراض لعضلات الهيئة مُتناسية كل البذخ في المدح والثناء ومساحيق البهرجة التي تضخُّها بعض الأقلام لتشدوا بمعلقات عصماء نحو بعض المؤسسات التي هي أشبه بالمُستنقع الوظيفي والإنتاج المترهل المُتثاقل.

وحتى نضع النُقاط على الحروف وجدتُ من المُهم أن أضع استطلاعاً لرأي المُستهلكين تم تصميمه إلكترونياً وتحكيمه من قِبل بعض المُختصين والأكاديميين، كما تم التنسيق مع بعض قطاعات المجتمع المدني مثل بعض المواقع الإلكترونية الرائدة كسبلة عُمان ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة؛ لنشر هذا الاستطلاع واستقطاب أكبر عددٍ مُمكنٍ من المُستجيبين من مختلف محافظات السلطنة، على أن يتم نشر نتائجه ضمن عمود الأربعاء بجريدة الرؤية، وقد تمحورت مجالات الاستطلاع على ست مجالات أساسية وهي:

-       ثقة المُستهلك بالهيئة العامة لحماية المستهلك بسلطنة عمان.

-       درجة تصفح المستهلك للموقع الإلكتروني الخاص بالهيئة.

-       رأي المُستهلك في الصلاحيات الممنوحة للهيئة.

-       مدى متابعة المستهلك للإحصائيات والنشرات وأسعار السلع التي تنشرها الهيئة.

-       رضى المستهلك بإنجازات الهيئة منذ نشأتها حتى الآن.

-       رأي المستهلك في الاستقلالية السيادية للهيئة فيما يتعلق بالأحكام القضائية.

-       اعتقاد المستهلك بوجود ضغوطات تُمارس ضد الهيئة.

-       انتقادات وملاحظات المستهلك على الهيئة.

-       اقتراحات وتوصيات المستهلك للهيئة.

تم نشر الاستطلاع في الفترة (27/12/ 2014- 5/1/2015) بعدها تم رصد وتحليل نتائج (608) مُستجيبا من المُستهلكين الذين أبدوا رأيهم في المحاور التسعة السابقة وقد جاءت النتائج مُرتبة وفقاً للتسلسل السابق كالتالي:

المحور الأول: هل تولي ثقتك بهيئة حماية المستهلك لحفظ حقوقك؟

أجاب (487) بنعم أي ما نسبته (80%)، بينما أجاب (71) بلا أي ما نسبته (12%)، وامتنع عن التصويت (49) وبنسبة (8%).

المحور الثاني: هل تصفحت في يوم ما الموقع الإلكتروني الخاص بالهيئة العامة لحماية المستهلك؟

أجاب (276) بنعم وشكل ذلك ما نسبته (45%)، بينما لم يتصفحه إطلاقاً (318) أي ما نسبته (52%)، وامتنع عن التصويت (14) أي ما نسبته (3%).

المحور الثالث: هل تعتقد أن الصلاحيات الممنوحة لهيئة حماية المستهلك مُجزية ورادعة ضد المخالفين؟

أجاب بنعم (134) أي ما نسبته (22%)، بينما رأى (448) أنها غير مُجزية وشكلوا بذلك ما نسبته (74%)، بينما امتنع عن التصويت (25) وشكلوا بذلك (4%).

المحور الرابع: هل تتابع الإرشادات والمطويات والنشرات المتضمنة للمؤشرات الإحصائية التي تنشرها الهيئة حول المخالفات وأسعار السلع المحلية والعالمية؟

أجاب (371) بنعم أي مانسبته (61%)، بينما أجاب بلا (183) وشكلوا بذلك ما نسبته (30%)، وامتنع عن التصويت (53) ليشكلوا بذلك ما نسبته (9%).

المحور الخامس: هل ترى أن إنجازات الهيئة العامة لحماية المستهلك مُرضية حتى الآن؟

أجاب (414) بنعم أي ما نسبته (68%)، ورأى عكس ذلك (171) ليشكلوا بذلك ما نسبته (28%)، بينما امتنع عن التصويت (22) أي ما نسبته (4%).

المحور السادس: هل تؤيد الاستقلالية في إصدار الأحكام القضائية الخاصة بهيئة حماية المستهلك ضد المخالفين دون ترحيلها للادعاء العام؟

أيد ذلك (527) أي ما نسبته (87%)، بينما لم يؤيده (63) وشكلوا بذلك ما نسبته (10%)، بينما امتنع عن التصويت (17) أي ما نسبته (3%).

المحور السابع: هل تشعر بوجود ضغوطات تُمارس ضد الهيئة العامة لحماية المستهلك؟

رأى (527) من المستهلكين أن هناك بالفعل ضغوطات تمارس ضد الهيئة وشكلوا بذلك النسبة الأكبر (87%)، بينما استبعد ذلك (40) مستهلكاً أي ما نسبته (7%)، وامتنع عن التصويت (39) آخرين ليشكلوا ما نسبته (6%).

المحور الثامن: ما هي الملاحظات والانتقادات التي تود توجيهها لهيئة حماية المستهلك؟

كان هذا المحور محل إثراء كبير من قبل المُستجيبين إلا أن أغلب تلك الملاحظات والانتقادات كان تتفق على جُملة منها جاءت بصيغ مختلفة وأبرز تلك النقاط التي تطرق لها هذا المحور هي:

-       القصور في إيجاد اللوائح الإرشادية الكبيرة على مداخل المجمعات التجارية والمنتجعات السياحية واقتصارها على بعض المُلصقات الصغيرة.

-       الصلاحيات المحدودة و(الهزيلة) التي تتمتع بها الهيئة.

-       قلة الكوادر المتخصصة وضعف خبرة الموظفين بالهيئة في كثير من المجالات والتخصصات.

-       ضعف العقوبات المُدرجة ضمن اللوائح الضبطية للهيئة نحو المخالفين.

-       ارتباطها بغرفة تجارة وصناعة عمان في تسعير السلع والمواد؛ باعتبار أن كثير من أعضائها نافذين اقتصاديا في مختلف القطاعات الاقتصادية بالدولة.

-       قلة الفروع في مختلف محافظات وولايات السلطنة.

المحور التاسع: ما هي اقتراحاتك وتوصياتك لهيئة حماية المستهلك؟

كما كان هذا المحور محل ثراء وعطاء مُتدفق من قبل المستهلكين إلا أن غالبية تلك المقترحات والتوصيات كانت تنصبُّ في محاور جوهرية أهمها:

-       تفعيل المجال الإعلامي بالهيئة في مختلف المجالات المسموعة والمرئية والمقروءة، والتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي والتربية والتعليم لعمل الندوات والورش التوعوية.

-       عمل ندوات ومؤتمرات توعوية للتُّجار في السلطنة بمختلف اللغات حتى يتسنى للتاجر (أيَّاً كانت جنسيته) استيعاب قانون المستهلك وعقوبات الغش التجاري.

-       تطعيم الهيئة بكوادر فاعلة في المجتمع المدني ومتخصصة كالأطباء والمعلمين والمهندسين وغيرهم الذين يمكنهم أن يضفوا طابع الخبرة للهيئة في مختلف الأصعدة.

-       التنسيق مع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بوضع فقرة إخبارية خاصة بالهيئة والمستهلك ضمن النشرات الإخبارية اليومية تتناول المُستجدات المتصلة بالمستهلك؛ فليس كل المستهلكين يمكنهم القراءة.

-    زيادة أعداد الموظفين بالهيئة على أن يكونوا وفقا لمتطلبات الهيئة وليس ضمن تكميل العدد فقط.

ختاماً.. يبدوا أن هذا الاستطلاع المُبسَّط له دلالاته حول العلاقة التي تربط المستهلك بالهيئة، وهذه النتائج يُمكنها أن تُقدم للجهات المعنية مؤشرات بضرورة الاهتمام بالهيئة وتقديم الدعم لها في سبيل الحفاظ على حقوق المستهلكين وتحقيق العدالة والنزاهة الاقتصادية.