يبدوا أن ثقل المشهد اليمني قد ألقى بجراحه المُثخنة على
المواقف الملونة الرفيعة سواء الرسمية منها أو الفردية، كما أن النيران المتطاير
من أرض الميدان أضحت تُلقي بشظاياها الحارقة على الشعب اليمني والشعوب العربية
والإسلامية على حد سواء، كما أنها - وكما يرى المراقبون- قد كشفت زيف بعض الأقنعة
وإظهار عوراتها الكاذبة السمجة تجاه كثير من القضايا العربية والإسلامية
المتباينة، واستظهار ما تُكنُّه المواقف الرسمية بين الفيلقين الإيراني والخليجي
وبالأخص السعودي والتي يمكن من خلالها قراءة إحداثيات المرحلة المقبلة للمنطقة،
هناك العديد من الأسئلة التي طُرحت قبيل إشعال فتيل الحرب وبعدها وحول مستقبل
المنطقة في ظل تطور الأحداث في الركن الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية وبعض
التقلبات (المزاجية) للمواقف الدولية وعلى رأسها التعنت الروسي إزاء مشروع قرار
دول مجلس التعاون الخليجي والتلويح باستعمال صولجان "الفيتو" إن لم يُهذِّب
الخليجيون قرارهم الذي يطالبون فيه بغطاء الفصل السابع لتشريع "مغامرتهم غير المسؤولة"
في الساحة اليمينة، أمام تجمَّد قاتل في الموقف السياسي واللوجستي بعد بدأ الحرب بين
بعض حلفاء السعودية الذين كان يُعوَّلُ عليهم الكثير مع تطور الأحداث تتقدمهم
باكستان وتركيا علاوة على امتناع الجيش المصري "بالتورط" في حرب الشوارع
والتي لا تزال دول الحلفاء تقدم فيها رجل للأمام وتقهقر أخرى للخلف، دون أن ننسى
الخطر الذي بدأ يحيط بالمصالح الخليجية وبالأخص السعودية من الجماعات التكفيرية
والمتشددة داخل المملكة وخارجها، ناهيك عن الخشية من تفجر الجاليات اليمينة في
المنطقة حيث أن التركيبة الديموغرافية في بعض مناطق السعودية والتي تحوي على أكثر
من خمسة ملايين يمني وفق المركز الوطني للإحصاء قد يهدد استقرار النسيج الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي فيها مع ما تفرزه تطورات الأحداث الجارية.
مما سبق يبدوا أن الصورة غير واضحة كما أن كثيرا من المُعطيات
والمؤشرات توحي بأن دول الحلفاء وأمام الخناجر التي غرسها بعض الحلفاء في خاصرتها
والموقف الروسي المتعنِّت إلا أنها لا تزال تعضُّ بالنواجذ على موقفها إما الانصياع
(للشرعية) أو أن تُحفر القبور وتُزفُّ توابيت "الإنقلابيون" بمختلف
مسمياتها شهيدا أم خائنا أم عدوا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، بالمقابل يبدوا
ومن خلال ما يُدوَّن من مقالات وتغريدات وتقارير صحفية وإخبارية وتحليلات سياسية
أن الشعب الخليجي على وجه الخصوص والدول العربية والإسلامية بوجه عام قد حشرت دوافع
هذه الحرب في زاوية ضيقة وهي المذهبية، ونقل الحرب بالوكالة في ساحة خارج أرض المُستعرضين
(إيران - السعودية)، وهناك شحن كبير تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات
المحسوبة على طرف دون آخر تتلوا لجموعها ليل نهار مثل هذه الهرطقات، وهنا يستمطر
الواقع جُملة من الأسئلة التي يمكن من خلالها استيعاب المشهد وتركيب قطع الصورة
المتناثرة: فلماذا بدأت هذه الحرب أساسا؟،
وما الدافع الذي جعلها واقع حقيقي بين غمضة عين وانتباهتها؟، وهل نظرية الصراع بين
السعودية وإيران كقطبي رئيسيين بين السنة والشيعة أضحت على فوهة البركان أم هي
مجرد فقاعات ملونة؟، وأخيرا هل حرب الحلفاء قائمة على هندسة مدروسة اقتصاديا
وسياسيا واجتماعيا أم هي مجرد مواقف ارتجالية و"مغامرة غير مسؤولة" كما
قالها ذات يوم الأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية في حرب حزب الله مع
إسرائيل (2006)؟.
يبدوا أن موقف الحلفاء مُترهل في زيادة شريحة أعدائه
المحيطين من الداخل اليمني وخارجه، كما أن حقيقة الأمر أن هذه الحرب لم تشعلها
فتيل المذهبية بدرجة كبيرة بقدر ما هو سعي لإيجاد توازن في القوة بالمنطقة وإظهار
مفاتن الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا؛ إذ لا يمكن أن نغضَّ
الطرف عن المخاوف الكبيرة التي أصبحت تُعشش لدى دول الحلفاء حول خطورة نسف مصالحهم
إن حصل الاتفاق الحقيقي بين إيران وأمريكا والدول الأوروبية، ناهيك عن خيبة الأمل
التي أبداها الخليجيون من الموقف العماني الرصين والحضاري في التقارب وحلحلة ما تعسَّر خلال عقدين ونيف
من الزمان في وقت كانت تعتبره دول الحلفاء صمام أمان لديمومة الطلاق البائن بين
إيران وأهم شريك استراتيجي في المنطقة (أمريكا)، فكيف يمكن أن تُزغرد السعودية
وحلفائها لهذا العرس المشؤوم من وجهة نظرهم؟، كما أن الهدف العميق لهذه الحرب كما
يبدوا يسعى إلى إعادة هيبة القيادة العربية والتي طالما كانت ندا حقيقيا لإيران
بقيادات قويمة منذ عهد السادات واندلاع الثورة الخمينية (1979م) مرورا بعهد مبارك
وصدام حسين إضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي بزعامة السعودية إلا أن انهيار تلك
الأنظمة والتي كانت بمثابة السد المنيع أمام الأطماع الإيرانية التوسعية
واستباحتها للعراق وسورية ولبنان وتوغلها في ليبيا ومصر واليمن وتدخلاتها المشينة
في البحرين والإمارات والكويت باسترسال وسهولة شكل ضغطا على دول المنطقة بضرورة
إيجاد توزان في القوة والسيادة وإثبات الرقم العربي في المنظومة العالمية والذي
دفع السعودية إلى خلق تحالفات حقيقة تعيدها للسيادة العربية والإسلامية من جديد
بعد أن اتسخت صورة المملكة منذ أحداث سبتمبر (أيلول) 2000 إثر تفجيرات برجي
التجارة العالمي.
لربما لا يختلف اثنان أن الحرب لا يُرتجى منها سوى القتل
والدمار وتقهقر التنمية إلا أنها في كثير من الأحيان ومع اختلال في ميزان القوة
يمكن تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية ثمينة تُعيد للمنطقة استقرارها واتزانها مع
الأخذ في الاعتبار ردَّات الفعل العنيفة التي قد تكون بمثابة الجرح العميق في جسم الوطن، وأمام تأزم المواقف في اليمن وتسارع
الأحداث يطرح الشارع اليمني والعربي مجموعة من الأسئلة التي تغور بين ثنايا الرصاص
والبارود: لماذا تُدار حرب الوكالة في اليمن وكأنها فأر تجارب؟، وهل المنطقة مُهيأة
أساسا لتستقبل كميات الذخائر التي تدك البشر والحجر والشجر وربما تتطور بعد حين؟،
ومن المستفيد الحقيقي من هذ الصراع؟، وهل دول الحلفاء ستكون بذات السرعة القصوى في
بناء اليمن وتنميته وازدهاره بعد أن حولته الحرب إلى أكواخ أشباح أم أن الأمر لا
يعدوا سوى ذر الرماد في العيون؟، ثم لماذا استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية
وأوروبا تذوييب جليد الاتفاق مع إيران ولم يستطع الخليجيون والعرب ذلك؟، وهل يعلم
الخليجيون أن إيران دولة صناعية وإنتاجية يمكنها أن تخدم المنطقة أم أن إنتاجنا
وصناعتنا الخليجية – غير تصدر النفط الخام والغاز- يمكنها أن تغطي إيران من رأسها
إلى أخمص قدميها؟، وأخيرا هل حرب الحلفاء بقيادة السعودية جاء عزمها لحزم إنقاذ
اليمن والمنطقة من مصاصي الدماء التقليدين ضد الخليج العربي والمنطقة أم هي لا
تعدوا سوى مغامرة مراهقين؟
حفظ الله الجميع من شرور الحروب والفتن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق