صناعةُ الأجيالِ تُبنى وفق منظومة وطنية منهجية وعلمية
مدروسة ومسؤولة، فلم يستطع أدولف هتلر – كما يحكي في يومياته- أن يُرسِّخ الفكر
القومي والإبداع الإنتاجي لألمانيا ليكون شبح العالم في حقبة من الزمن إلا حينما
جذَّر الولاء الوطني والفكر النازي في جيله أمته عبر المناهج التربوية الظاهرة
منها والخفية؛ لذا فلا عجب أن يتسمَّر ذلك الفكر حتى اللحظة لدى شريحة كبيرة من
الألمان الجُدد، كما أن اليابان أعطت العالم درسا في التعلُّم من خطأ الكبرياء
والتعالي الذي انتابها إبان الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) إذ كان قصفها المدفوع
بأنَفة التعالي والغطرسة لقاعدة "هيربل" الأمريكية بمثابة القشة التي
قصمت ظهر البعير وكان ذلك إيذاناً صارخاً لمأساة قادمة تجسّدت في كارثة القنبلتين
النوويتين وما تبعهما من انسحابات وخيمة على مختلف الأصعدة الصحية، والاقتصادية، والاجتماعية،
والسياسية لتتجرّع اليابان ويلاتها حتى الساعة، إلا أنها استطاعت قبل الهزيمة
وبعدها أن تغرس في نفوس النشأ مبدأ التعلم من الخطأ والذي كان بمثابة همزة قطع بين الولاء الوطني أو اللامبالاة لنجد اليابان اليوم
سيدة العالم بلا منازع في أغلب المحافل وعلى رأسها القطاع الاقتصادي.
وفي ديننا الحنيف صدح النبي الكريم منذ أكثر من أربعة
عشر قرنا بالقول "الدين النصيحة" كما نادى نبي هذه الأمة أن "كل
ابن آدم خطاء، وخير الخطَّائين التوّابون" وفي المثل الدارج "انصحني ولا تفضحني" كل ذلك
يُنبأ بعظمة النُصح إنسانياً وإسلامياً، وبالمقابل يُقال "غلطة الشاطر
بألف" فحينما يُخطأ من لا يجب أن يكون في موقع الخطأ ولا يُبرر له ذلك فإن
الأمر يتطلب الوقوف أمامه بحزم ومسؤولية، مع ضرورة أن يُغلَّف ذلك التوبيخ وتلك المسائلة
ثقافة مسؤولة تُحقق الغاية المُثلى من ذلك وهي "الصالح العام".
لقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة من
الشهر الجاري غليانا حول ما يتصل بالمناهج
الدراسية المُدرجة ضمن قوائم وزارة التربية والتعليم في المدارس الحكومية – وبالتحديد
الكتب المصاحبة للقراءة للصف الأول الابتدائي- إضافة إلى المناهج المُصرَّحة
للمدراس الخاصة بشقيها الأحادية والثنائية اللغة إضافة إلى المدارس العالمية
والدولية، وكان هناك هجوما لاذعا من قبل الجمهور العماني والمتابعين للشأن التربوي
من أكاديميين ومعلمين وغيرهم، ومن الملاحظ أن جُلَّ إن لم نقل كُلَّ تلك
الانتقادات كانت تُوجِّه انتقادا (فاحشا) لوزارة التربية والتعليم، بل تخطى الأمر
إلى الخوض في مسار المحسوبيات والمصالح الشخصية والفساد ليصل بعد حين إلى نسف كل إنتاج
أو تطوير قامت به الوزارة في عهدها الراهن، ومن الملاحظ أن تلك (الحَكوَات) كانت
تلقى رواجا لمن يتصيد في الماء العكر وكأنها وجبه عشاء دسمة على طبق من ذهب.
ربما من يتسلسل بين جنبات كلماتي السالفة يستبصرُ أنني
في مقام المُدافع عن الوزارة ولسانُ حاله قول الشاعر "فدارِهم ما دُمت في
دارِهم.. وأَرضِهم ما دُمت في أرضِهم"، والواقع عكس ذلك فنحن كمنتسبين لهذه
المؤسسة العظيمة من معلمين وأكاديميين ومختصين بالحقل التربوي أول المُنتقدين لكثير
من التصرفات التي تقوم بها الوزارة وتجانب جادة الصواب ضمن منظومة التعليم؛ إذ هي
خط الدفاع الأول للوطن باعتبار أن بناء العقول أعسرُ من بناء الأبدان، وما أثاره
الجمهور العماني حول الصور والقصص الفاضحة التي لا تمتُّ لمفهوم الانفتاح والعصرنة
في شيء بقدر ما تُصنَّف بأنها (هرطقات) لقصص عقيمة فكريا وفقيرة علميا ومنحرفة
سلوكيا، إذ لا ينبغي أن تُغرس في سجايا النشء مثل هذه الأفكار التي تُمزِّق نسيج
الطُهر وقُدسيّة الإنسانية النبيلة والتي ستكون تداعياتها وخيمة على مستقبل أجيال هذه
الأُمة.
وقد أثار الجمهور العماني المُتابع للمشهد التربوي مرات
عديدة قضية جوهرية فيما يتصل بمناهج المدارس الخاصة بمختلف مسمياتها وأقسامها،
وطالب بضرورة أن تكون هناك جهة رقابية مُختصة بالمناهج المُدرجة ضمن هذه المدارس،
لكن من المؤسف أن تجد حتى اللحظة بعض المناهج
التي لا تتوافق وخصوصية المجتمع العماني، حيث طالب عدد غفير من الجمهور بإعادة
النظر في بعض مناهج المدارس الخاصة المُقدَّمة للطلبة العمانيين ليس من باب التحكم
بقدر ماهي توجيهات تربوية رائدة وعلى أقل تقدير تلك المدارس التي لا تُطبِّق برامج
عالمية أو دولية، فبعد ما أثيرت القضية في 2012 حول الصور الفاضحة لبعض كتب المدارس
الخاصة وتعهد الوزارة بملاحقة مثل هذه المخالفات نجد أن المشهد يتكرر في 2014.
لكن في الزاوية الأخرى ليس عيبا على مؤسسة عملاقة بحجم
وزارة التربية والتعليم وهي تحاول أن تُجاري الجودة العالمية في التعليم ضمن إطار مشروع
المراجعة الشاملة للمنظومة التعليمية في السلطنة أن تقع في بعض الهفوات والأخطاء –التي
اعترفت بها في بيان رسمي-، لكن المؤسف جدا أن تتمحور مثل هذه الأخطاء إلى قضية رأي
عام وتُثار حولها الكثير من الأقاويل التي تقدح في انجازات الوزارة منذ العام 2011
وحتى اللحظة، فليس عيبا أن نُطالب وزارة التربية والتعليم بتجويد المناهج وتطوير
دوائر مديرية المدارس الخاصة وبالأخص قسم مراقبة ومتابعة المناهج؛ فنحن نتطلع إلى
خلق جيل مُتضلِّع بالمواطنة والمسؤولية والإنتاج والإبداع، لكن بالمقابل ليس من
العدالة أن نبخس كل الإنجازات والرؤى والجهود التي بُذلت والتي وضعت لها أهداف
وخطط مستقبلية وضُخَّت عليها ملايين الريالات في سبيل تطوير منظومة التعليم لدوافع
شخصية أو لاتجاهات سلبية مُفرطة أو في سبيل النقد من أجل النقد ليس إلا، بل من
المعيب أن تُعمّم بعض الهفوات والأخطاء التي تقع بها وزارة التربية والتعليم على
حساب الوطن والشعب كما تابعنا ذلك بحرقة في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، كُلنا
على يقين وثقة تامة أن بعض الأخطاء وبالأخص تلك التي تتصل بالهوية والخصوصية
العمانية هي محل اهتمام مباشر من الوزارة، فكان جدير أن تُقدم عريضة اعتراض أو
نصائح منهجية يمكن أن تتطور إلى مطالب ومسائلة حينما تتجاهل الوزارة تلك النصائح.
وفي الختام .. كان من المفترض أن نكون سواسية على كف المسؤولية
من موظفين في الوزارة، أو أكاديميين وباحثين، أو معلمين، أو أولياء أمور لخدمة
البيت التربوي العماني بصورة تجعله على قدرٍ من الإنجاز والابتكار التعليمي بعيدا
عن التصحّر في النقد والتطوير، إذ أن التعليم مسؤولية الجميع لأننا نبني جيلاً ذو
حديّن بتصرفاتنا فإما أن يكون سنداً للوطن أو عالة عليه ولنتذكر أن " الدين
النصيحة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق