الثلاثاء، 26 مايو 2015

على ضفاف جامعة السلطان قابوس


كثيرة هي تناقضات الحياة التي تُهرِقُ دموع الطامحين والبائسين على مائدة واحدة؛ فينتقي كلا منهما ما تستطرب له الأنفس وتلذُّ به الأعين، ففي مثل هذا اليوم الرابع عشر من مايو(آذار) من العام (1948) سطّر التاريخ انتكاسة للحضارة الإنسانية والمدنية بإعلان دولة هُلامية رجالاتها ثُلّةٌ من المُشرّدين وشراذمة الوجود على أرض فلسطين الطاهرة، وقد كنت أود الاسترسال في تحليل تلك الفاجعة التاريخية إلا أنني تلكّأتُ عن ذلك؛ لأُهنّأ نفسي ومن يعزّهم القلب والقلم بإنجاز هو بالنسبة لي وللآخرين ثمرة جهود مضنية وقودها وقت طويل، وجهد جليل، وتحدٍ عظيم تكلّل بفرحة الإنجاز والحصاد، ففي الحادي عشر من مايو(أيار) لعام (2014) تم إجازة رسالتي في الماجستير والتي حملت عنوان "اتجاهات طلبة المدارس الحكومية والخاصة في سلطنة عمان نحو مواد الدراسات الاجتماعية"، ومن خلال إجازة الرسالة كان لابد أن أسجّل عدد من الرسائل عبر أثير الرؤية التي ما فتأت تستقطب الكلمة الطيبة، والقلم الحُرّ، والرؤى المتزنة، وأهم تلك الرسائل هي:

 

شُـــــــكـــــراً

"من لم يشكر الناس لا يشكر" الله فمن الظُلم أن يتلكَّأ المرء عن تقديم الشُكر والعرفان لم كان ذراعه اليمين بعلمه ومعرفته وإرشاداته وتسهيلاته، فهذه الرسالة لم تخرج للنور عبثاً؛ بل مرت بمخاض عسير، وتمحيص، واستقراء، ومراجعات، وتوجيهات، وكر وفر كبير، ومما يدفع الباحث للصبر والمثابرة والاستفادة الحقيقية حينما يُشرف على عمله من يهبُ له قلبه وعقله وراحته ويُضحّي بكل ما تلذُّ به نفسه ويستسرق وقتا هو حق لأسرته ونفسه وهم قليلون في ذلك؛ ليس إلا ليُقدِّم لك باكورة عمل بحثي رصين وسليم، وهذا ما لمسته من الدكتور الغالي على القلب سيف بن ناصر المعمري الذي ما فتئ يُقدّم لي شموعا مضيئة؛ أستنير بها في ردهات الحيرة وما أشكل علي في مسيرتي البحثية، كما أقدم عظيم الشكر والامتنان للدكتور أحمد الربعاني الذي كان ولا زال سراجا وضّاءً للعلم والمعرفة، وأشكر الدكتور أحمد الريامي والدكتور هانئ الدسوقي والأستاذ الدكتور رضا أبو علوان الذين أفاضوا عليّ بملاحظات تُجوِّدُ العمل في الرسالة كما أنهم كانوا شموسا مضيئة بالخُلق الرفيع.

 نتائج الدراسة

هدف الدراسة إلى الكشف عن اتجاهات طلبة المدارس الحكومية والخاصة في سلطنة عمان نحو مواد الدراسات الاجتماعية، ولتحقيق الهدف عمل الباحث على بناء مقياس اتجاهات مكوّن من ثلاثة محاور توزّعت عليه (33) حول الاتجاهات نحو: محتوى مواد الدراسات الاجتماعية، ومعلم مواد الدراسات الاجتماعية، ودورها في المستقبل الوظيفي للطلبة، كما عملت الدراسة على معرفة تأثير متغيرات النوع الاجتماعي (الذكور، والإناث)، ونوع التعليم (الحكومي، والخاص)، والصف الدراسي للصفين (10، 12)، وأظهرت نتائج الدراسة ما يلي:

1. أن اتجاهات طلبة المدارس الحكومية والخاصة في سلطنة عمان نحو مواد الدراسات الاجتماعية جاءت سلبية بمحاورها الثلاثة (المحتوى، والمعلم، والمستقبل الوظيفي).

2. لم توجد فروق في الاتجاهات تُعزى لمتغير النوع الاجتماعي.

3. وجدت فروق في الاتجاهات تُعزى لمتغير نوع التعليم لصالح التعليم الحكومي.

4.  لم توجد فروق في الاتجاهات تُعزى لمتغير الصف الدراسي في محوري (المحتوى، والمستقبل الوظيفي)، بينما وجدت تلك الفروق لصالح الصف الثاني عشر في محور معلم مواد الدراسات الاجتماعية.

5. خرج الباحث بمجموعة من التوصيات والمقترحات التي يمكن الاستفادة منها في إثراء الحقل التربوي في سلطنة عمان.

 

قراءة ... مؤشرات

إن مواد الدراسات الاجتماعية من المناهج الدراسية بالغة الأهمية في منظومة الإصلاح المجتمعي وغرس ثقافة المسؤولية الوطنية؛ فهي تحتضن جمع غفير من القيم والمبادئ والاتجاهات التي تسعى جميعها إلى بناء جيل مُتضلِّع بمكنونات هُويته الوطنية، واكتساء الثوابت القيمية، والالتزام بالضوابط الاجتماعية والثقافية، واستيعاب مُجريات العالم وتفاصيله بدقة وموضوعية بعيدة كل البعد عن التزلُّف والتدليس والنفاق في كثير من المفردات المجردة التي يستقيها الطلبة اليوم من مصادر متنوعة مثل: الديمقراطية، والمواطنة، والهوية، والحرية، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة وغيرها الكثير، ويمثل الحقل التربوي بيئة حقيقة لبناء أجيال متوقّدة وواعية لما يدور حولها سواء في المحيط المحلي أو الاقليمي أو العالمي على حد سواء، وربما تُعطي نتائج الدراسة الحالية مؤشرات تسترعي انتباه المسؤولين في البيت التربوي العماني الذي لا زال يحاول حينا إصلاح ما أفسده الدهر ويتحايل أحيانا أخرى في غض الطرف عما يجب الوقوف اتجاهه بحزم وجرأة، فحينما تُظهر النتائج أن الطلبة يمتلكون اتجاهات سلبية نحو هذه المواد الدراسية التي تُعد بمثابة جسر العبور لكثير من مفاهيم الولاء، والانتماء، والواجبات، والمواطنة، وممارسة السلوكيات القانونية للمطالبة بإجزال الحقوق، وموقف الدولة من الفساد، وماهية الكثير من القوانين التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتتبّع حيثيات الأحداث والمواقف التاريخية والتكتلات الاقتصادية والكوارث الطبيعية وغيرها، فحينما يكون الطالب لا يملك مساحة لاستيعاب هذه المواد بحجم أهميتها وضروريتها فنحن بحاجة إلى أن نتساءل: لماذا اتجاهاتهم سلبية نحوها؟!، في وقت نجد أن بعض دول العالم مثل: أمريكا، وفرنسا، وكندا تعتبرها من المواد الدراسية الفاعلة في تحقيق المستوى الآمن للتشبّث بالهُوية الوطنية والاعتزاز بتراثها الحضاري والإنساني الوطني.

وما شهدته البلاد منذ العام (2010) وامتدادا لأحداث (2011) وما تكرر في (2013) و (2014) من ممارسات لبعض السلوكيات المطالبة بالحقوق والعدالة الاجتماعية والوظيفية من خلال تجدد الاعتصامات والاضرابات بمختلف القطاعات الحكومية والخاصة يعطينا مؤشر حقيقي لمدى تشرّب الطلبة في مقاعد الدراسة بمفاهيم المسؤولية والواجبات، ومدى قناعتهم بالحلول التي كفلها الدستور وقوانين الدولة، والاجراءات القانونية المُتّبعة في سبيل معالجة المواقف والأحداث، دون اتباع سياسة كسر العظم واستعراض العضلات، ودون أن تكون آذان المؤسسات مبنيّة على المثل القائل "أذن من طين وأخرى من عجين"، ناهيك عن الكثير من الأحداث المُتسارعة في المحيط العربي من ثورات ونزاعات خالط قليلها طموح الديمقراطية والحرية، وانغمس كثيرها في نزاعات ونعرات طائفية وقبلية وحزبية مقيتة، وهنا يبرز دور مواد الدراسات الاجتماعية في غربلة الكثير من المفردات وتقديمها في حلتها الحقيقة للنشء؛ ليكون شمعة مضيئة في سماء الوطن لا ينغمس في أهواء المراهقين والمراهنين بالوطن لمصالحهم الشخصية؛ وذلك يتطلّب أن يكتسي الطلبة اتجاهات إيجابية نحو هذه المواد الدراسية.

 

جديرٌ بالذكر أن الدراسة خرجت بنتيجة مُلفتة حول اتجاهات طلبة المدارس الخاصة الذين أظهروا اتجاهات سلبية أعلى من المدارس الحكومية لمواد الدراسات الاجتماعية في ظل ما تشهده هذه المدارس من تطور وازدهار وتنافس؛ لتحقيق معايير الجودة بما تقدمه من برامج ومواد دراسية عالمية مرموقة من أمريكا وبريطانيا ودول رائدة في التعليم، مع الإشارة أن إحصائيات المركز الوطني أشارت إلى انخفاض نسبة إلحاق أولياء الأمور أبنائهم بالمدارس الحكومية في العامين الدراسيين (211/2012) و(2012/2013) بنسبة (1%) و(0.5%) على التوالي مقارنة بالعام الدراسي (2010/2011)، وارتفاع الإقبال نحو المدارس الخاصة لنفس العامين الدراسيين بنسبة (9%) و (11%) على التوالي؛ لكننا نجد أن اتجاهات الطلبة في هذه المدارس حول مواد الدراسات الاجتماعية جاء سلبيا أكثر من المدارس الحكومية وذلك يطرح مجموعة من الأسئلة ومنها:

-       ما طبيعة البرامج التي تُقدّمها المدارس الخاصة في سبيل رفع المستوى الآمن من الوعي القيمي والمهاري والمعرفي لمفاصل المواطنة والهوية العمانية؟

-       هل تجد مواد الدراسات الاجتماعية اهتماماً مُجزياً مقابل البرامج والمواد العلمية الأخرى التي تُقدم للطلبة؟

-       هل متابعة أولياء الأمور لأبنائهم في هذه المدارس مقصورة على مدى اكتسابهم للغة الإنجليزية والمواد العلمية دون الاكتراث بالقيم الوطنية وخصوصيات المجتمع العُماني؟

-       هل هناك رقابة حقيقية من قبل وزارة التربية والتعليم في سلطنة عمان نحو هذه المدارس لمعرفة مدى التزامها بتدريس موضوعات الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية واللغة العربية وفقاً للتوصيف الوارد من قبلها؟

-       هل بالفعل من يقوم بتدريس مواد الدراسات الاجتماعية في المدارس الخاصة يحملون شهادات متخصصة بالدراسات الاجتماعية، أم أن الأمر يقوم على المثل القائل "مشي حالك"؟

أسئلة كثيرة تنسدل على القارئ لماذا الطلبة يظهرون اتجاهات سلبية نحو مواد الدراسات الاجتماعية المعوّل عليها تقديم جُرعات كبيرة لغرس ثقافة المواطنة وتعزيز الهُوية العُمانية، هناك الكثير من الحقائق والتفسيرات التي وردت في الدراسة أدعوا القارئ للاطلاع عليها.

 

رسالة إلى وزارة التربية والتعليم

 

أبعث هذه الرسالة لوزارة التربية والتعليم ولكل من بيده مسؤولية في بناء جيل يستوحي خُلقه وسلوكه من أصيل أخلاق مجتمعه المنبثقة من فلسفة التربية الوطنية الرائدة التي تستقي عبقها من خطابات عاهل البلاد المفدى – حفظه الله – فأقول لكم: نحن بحاجة إلى وقفة جادة ومسؤولة وجريئة نقف على مكامن الضعف التي تعاني منها مناهجنا والتي يمكن الكشف عن مواطنها من خلال المعلمين والمشرفين ومن هم في الميدان التربوي ثم الاستعانة ببيوت الخبرة؛ فمن هم في الميدان يَعوُن ما يحتاجه واقع طلبتهم وما ينبغي أن يُغرس فيهم ليكونوا مواطنين صالحين فاعلين، فلا تركنوهم في نعوش مُهترئة ولكن شدّوا أياديكم معهم؛ لبناء وصناعة المنهج العُماني المتّسم بالجودة والواقعية فأنتم وإياهم في زورق واحد يسعى لتمكين البيت التربوي العماني في تحقيق مصالح الأمة بالفكر القويم والعطاء الجزيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق