في لفتةٍ خانقةٍ هزَّت كيان المجد القومي العربي الذي كُنا نستنشِقُ عبقهُ حيناً من الدَّهرِ ونتشدَّقُ به أحياناً أُخرى؛ لنسدلهُ حكواتٍ حُبالى بالقوةِ والمِنعةِ والذَّودِ عن الشَّرفِ ودفع الضَّيم عمن استجارك على عدوٍّ غاشم، أو مُتشرِّدٍ هائم، أو مُتربصٍ حالم، كانت حناجِرُنا تصدحُ في غسقِ التاريخ الكاذب بخُطبٍ عصماء نُشنِّفُ بها آذان أجيالنا وأحفادنا الذين تربَّوا على أوتارِ رُبابة النَّصرِ والفتح المُبين وهم يتلون القصيدَ بفخرٍ واعتزازٍ:
بلادُ العُربِ أوطانِ
من الشــــــامِ لبغـــدانِ
ومن نجدٍ إلى يمنٍ
إلى مِصرٍ فتطوانِ
ما أعظمها تلك اللحظات التي كُنَّا نستلذُّ بها زغاريد الطلبة في مدارسنا وهم يُؤذِّنون بأصواتٍ رخيمةٍ تهزُّ عروش الخونة والمرجفون
فلسطيــــــنُ داري
ودربٌ انتصاري
هوىً في فؤادي
كلماتٌ تبعثُ بين جنباتك ملائكة الوجود، وتُنعش بين خلجاتك بلسمُ الجسدِ الواحدِ الذي ما إن اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمى والسهر؛ فيخلقُ بذلك سياجٌ منيعٌ يحدُّ من براثن الفِرقة والتشرذُمِ الذي يعيشه العربُ اليوم في موقفٍ لا يُحسدون عليه إذ أنه لا يسرُّ عدو ولا يُضجرُ صديق، ما اعذب تلك الأبيات التي تغنّى بها عنادلُ الحُريَّةِ بمختلفِ أطيافهِا القومية والحزبية والعرقية التي اجتمعت أمام كعبة الوطن، وليس ببعيدٍ عنا ما فاضت به رياحينُ الجِنانِ المُفعمةِ بغرامِ الأرض الخالدة وحُريَّتهِ الإنسان البسيط حينما حفظت أفئِدتُنا قول المناضل العربيّ وهو يصدح:
سأحملُ روحي على راحتي
وأُلقي بها في مهاوي الــردى
فـــإِمَّـــــا حياةٌ تســــرُّ الـــصديق
وإِمَّا مــــماتٌ يُـــغيض العِدى
يلــــــذُّ لأُذنـــي سماعُ الصليــل
ويُبهجُ نفسي مــــــسيلُ الدمـــى
ما تقدم من أبياتٍ تبعث في القلب شُعل ٌمن الأسى والبؤس نحو واقعنا العربي، ولربما هي في نفس الوقت تعزيةٌ لمن يلعقُ نكسات الإنسان العربي المغلوبِ على أمره منذ (14/أيار/1948) حينما أعلنَ العَالمُ زرع الكيان الصهيوني في فلسطين قلبُ الوطن العربي وبحفاوةِ بعضُ أشباه الرجالِ من العربِ الذين أعادوا الصورة من جديد في مجزرة غزَّة (2014)، لكن وكما يُقال لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب؛ وبذلك لابد أن تُفنَّد المواقف العربية في ضوء ما أفرزته مجزرة غزَّة (يوليو/2014)، وقد يكون هذا المقال امتداد للمقال السابق الذي كان يتساءلُ حول الموقف الخجول حيناً والمنافق أحياناً كثيرة من بعض رجال الفتوى والدعوة في محيطنا الخليجي والعربي والإسلامي، وفي هذا المقال سنحاول قراءة ماهية الموقف المصري وتبعاته التي ينتهجها في معاملته نحو الإنسان الغزَّاوي (العربي) بالمثل مع موقفه السياسي والفكري والأيديولوجي ضد بعض التحزّبات المعارضة وعلى رأسها الإخوان المسلمين.
لا يختلفُ اثنانِ أن مِصر هي ثِقل التوازن العربي عبر حقبِ التاريخ في كثير من القضايا الجوهرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ فإنجازات مِصر ومآثرها وتضحيتها السياسية والبشرية والاقتصادية كبيرة نحو سعيها الحثيث لإيجاد مَواطِنَ التَّوازن ووضع النقاط على الحروف في كثير من الأزمات التي شاكت عالمنا العربي وبالأخص في أعقاب إعلان الكيان الصهيوني كدولة اجّتُثَّت من أوروبا ومجاهيل العالم لتُزرَع في المشرق العربي، إذ ذاقت مصر ويلاتٌ متوالية وعاشت أوقات عصيبة في سبيل إيجاد التوازن المنشود بين العظِّ بالنَّواجذ نحو القضية الفلسطينية كمسألة مصيرية في تاريخ الأمة وتحقيق مكاسب سياسية ودولية لمناصرتها والذَّودِ عن حياضها وحقوقها المشروعة وبين مصالحها الوطنية وموقعها الاستراتيجي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بالمنطقة في مواقف مُعقّدةٍ وحِقبٍ تاريخية عصيبة؛ مما حدا ببعض الكُتَّاب والنُقّادِ أن يخوِّلوا أنفسهم كقُضاةٍ شرعيين وقانونيين لإصدار أحكامٍ تراوحت بين التخوينِ والعَمالةِ والقوميَّة والجهاديَّة – كلٌ وحسب توجهاته في قراءة الأحداث- نحو كثيرٍ من رموزها الوطنية والقومية الذين عاشروا المخاض العسير لولادة الكيان الصهيوني وتَرَعرَعِهِ بين أحضان بعض المُستعربين وتُجَّار الدين والوطن؛ فلا غرابة أن تُلقى بعض التُّهمِ المُتشظِّية على الرَاحِلَينِ جمال عبدالناصر وأنور السادات اللذان عاشا ظروفاً استثنائية حجَّمت من دورهما في الجمع بين تحقيق المصالح الوطنية العُليا لمصر وبين قضايا الأمة القومية المصيرية في ظل النشاط المُستَعِر للكيان الصهيوني في العقود الماضية وخاصة إبان الحروب العربية الإسرائيلية في منذ ستينيات القرن الماضي.
إلا أن تآمر مِصر بكل ما تحمله من إرثٍ تاريخي مُثقل بالعظمة والفخر والتضحية والنضال والكفاح النزيه ضد أصحاب القضيَّة ومن يفرشون صدورهم العارية للموت دفاعاً عن كرامة العرب والمسلمين والعالم فتلك قضيةٌ تستوجب من صُنَّاع القرار السياسي في مصر أن يعيدوا حساباتهم ويستشعروا موقفهم البطولي وموقعهم الاستراتيجي للتوازن العربي، فكثير من المواطنين العرب لا يُخوِّنون مِصر ولا سياستها تجاه كثير من القضايا العربية، كما أنهم لا يُحمِّلونها تَبِعات حروب الصهاينة ضد لبنان أو سوريا أو فلسطين بقدرِ اندهاشهم وتفاجأهم من ضجرِ عِلية القومِ في القاهرة بقضيتهم التي شغلت العالم لأكثر من ستةِ عقود وكان لها زمام المبادرة في قيادة الملفات بمهارة فذَّة ومسؤولية قويمة طوال تلك الفترة، فقد أوحت أحداث غزَّة الأخيرة بجُملة من التساؤلات للمواطن العربيّ الذي لا يزالُ يُمسك برُبابة النَّصرِ والفتّحِ المُبين، فبدى وكأّنهُ هائم على وجهه يترنَّحُ بين سؤال وأخيه:
- أليس من المعيبِ أن يُحاصر إنسانٌ صاحبُ حقٍ بمُختلف أطيافه وأديانه من بني جنسه وعرقه لأكثر من سبع سنوات حتى إذا ما اشتدت عليه نوائب الدهر دفعت القيادة السياسية في القاهرة بكل جحافلها العسكرية لتكون شوكة تطعنُ بها خاصرة العُزَّلِ والفُقراءِ والمُعدمين والمظلومين الذين دافعت عنهم طوال عقود مضت؟!
- أليس من العجيب أن تجد رئيس دولة تبنَّى لنفسه النُّبُوة وأسدل على نسله سُلالة طاهرة من الأنبياء والمُرسلين واشترى بعض رجال الفقه والدين بالأزهر الشريف ليشهدوا له بصدق نبوّته أمام المَلأِ بأنَّ رب العزَّة والجلالة قد وهبَ لمِصر رجُلاً رحوماً، لكن مجزرة غزَّة دنَّست نبوَّته في شهيِّته بدماء الأطفال وصيحات النساء وأنين الثكالى، وعِناقه الحميم لموت الأبرياء ليس إلا لأنه يُهلوِس جنوناً ضِدَّ أيّ إخوان فأيُّ نبيٍّ مُرسل هذا؟!
- أليس من المُستغربِ أن يتعالى وزيرُ الخارجية المصري أمام الصَّحفيين ووتتبجّحُ حنجرته بالحرفِ الواحد "من يودُّ أن يتبنى زمام المبادرة لحمل ثِقل القضية الفلسطينية من العرب دوننا فله ذلك أو دعونا وشأننا نفعل ما يحلو لنا"! فهل يعي معالي السيد الوزير أنه بذلك ينسفُ النضال العربي المصري الشريف طوال ستة عقودٍ ونيف تخللَّها مئات من الشُهداء وأنهارٌ من المليارات ومقدرات ضخمة كان يمكنها أن تُزهر ربيعاً يانعاً للاقتصاد المِصري، فلماذا نبرة التعالي هذه والتمنُّنّ؟!، ثم هل نسي معاليه محيطات الدولارات التي يضُّخُّها المواطن العربي عبر قياداته السياسية للخزينة المصرية في سبيل الحفاظ على الثوابت العربية القومية لقضيتهم المصيرية؟ أم أن الأمر مجرد استعراض عضلات وخلق جدار برلين آخر ضد الربيع الثوري المُترهِّل في مشرقِ الوطن العربي ومغربه؟!
يبدوا أن المواقف الرسمية على الصعيد العربي باتت تُؤمِنُ بالمواساة لها في القول "عظَّم الله أجركم يا عرب" وكأنها تحاول جاهدة خلق واقعٍ هزيلٍ يرضى بالهزيمة، فلا عزاء لكثيرٍ من قياداتنا العربية التي بدلا من أن تزأر وتُزمجِر لحفظ ماء الوجه ولو بالمال فقد عهدنا الموقف العربي في حرب تموز بلبنان، وغزو العراق، ومجازر صبرا وشاتيلا، وحرق المسجد الأقصى، وقصف مصانع الأدوية في السودان والقائمة تطول، لكن من المُخزي أن تُعلِن القناة الإسرائيلية العاشرة جهاراً نهاراً أن الهجوم على غزَّة كان مخططاً له بدعوة وتنسيق مصري – وخاصة أن القيادة السياسية الحالية عسكرية ومخابراتية بامتياز- كما أن هذا العدوان كان ممولا من دول خليجية، ومهما كانت دوافع إعلان الصهاينة لهذا الخبر وفضحها لشركائهم لكن حتى اللحظة لم نجد شجباً أو نفياً أو أي ردَّ فعلٍ ممن ذكرتهما القناة مما يدلُّ إلى حدٍ ما بصحة الخبر؛ وفي ذلك إشارة واضحة إلى توجُّه بعض القيادات العربية لتشكيل تحالفٍ متينٍ كَكِياناتٍ مُضادة لثورات ما عُرف بالربيع العربي، إذ تبنَّت حرباً هوجاء على جماعات الإسلام السياسي بمختلف توجهاتها دون أن تكون هناك دراسة واقعية وواعية بين أفكار ومواقف بعض الأحزاب الدينية كتنظيم القاعدة وداعش والنُّصرة وغيرها وبين المجموعات والحركات التحررية النضالية أيَّاً كانت دينية أو قومية أو حزبية تسعى لتطهير الوطن من براثن الاحتلال، وخاصة أن تلك الحركات النضالية المُّسلّحة الموجودة في فلسطين تُمثِّلُ كفَّة توازن الرعب الاستراتيجي بين العرب والصهاينة وهي بمثابة شعرة معاوية التي يمكن التشبُّث بها للتمسُّك بخيوط القضية بعد انزلاقها من يد العرب في ظل تصحُّرٍ ديني وسياسي لكثير من رموزها على الساحة المحلية والدولية، إلا أن ضخَّ الأموال والسلاح والاستخبارات والدعم اللوجستي المُنقطع النظير للكيان الصهيوني بأي مُبررٍ ضد أبناء الوطن وأصحاب الحقِّ في القضية العربية المصيرية غير مقبول شرعاً ولا قانوناً.
إنَّ ما تمرُّ به مِصر من نقلة نوعية مُضادة للثورة بقيادات عسكرية ستكون لها تبِعات وخيمة على المنطقة، وربما نتذكر أن الرئيس المخلوع حُسني مبارك كان يُريد أن يُورِّث الحُكم لشخصٍ من صُلبه لكنه استخلف في الحكم ابنا ليس من صُلبه أعاد نفس الوجوه والتوجهات والمواقف والسياسة ولسانُ حاله "عادت حليمة لعادتها القديمة" و"يا زيد كأنك ما غزيت"، وما تعيشه غزَّة اليوم من قتلٍ ودمارٍ وتشريدٍ وتنكيلٍ واجتثاث للإنسان الحُرّ ماهي إلا فاتورة رمزيِّة لما سيخسره العرب تباعاً بانحطاط مِصر سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً وقومياً، إذ لا يتمنَّى المُواطنُ العربيّ لمِصر بعد عقودٍ من النِّضالِ والكِفاحِ أن تنزوي للعُزلةِ والتقوقع لتجد فاتورتها بعد حينٍ من الدهرِ باهضة لا يمكن تسديدها إلى بخنوع ٍأكثر لعُبّاد المال والمصالح الشخصية ومراهنات العصابات العالمية وبعض من يشترون الذِمم والرِّجال من دول مجلس التعاون الخليجي.
همسةٌ أخيرة...
حينما كُنتُ أُقلِّبُ صفحات المجدِ الشامخ للجيش المِصري عبر الإنترنت وجدت صورة تحمل بين ثناياها ثُلة من الجنود المصريين من كتيبة الصاعقة تم أسرهم بيد الصهاينة في حرب (1973م) مُقيَّدين ومُساقين للإعدام وتُظهر الصورة أولئك الفتية وهم يرفعون راية النصر والابتسامة على وجوههم وهم في ساحة الموت!، لكن الصورة اليوم مُغايرة تماماً فنجد أن جحافل الجيش المِصري تتربَّصُ على طول حدود معبر رفح وهي تتلصَّصُ نسمة فلسطيني يفيئُ للهربِ من الموت، أو ليجد قطرة ماء يرشفُ بها ريق أطفاله، أو يهنأ بلِحافٍ يُغطِّي به ما بقي من جثمان هالكة عن غطرسة طائرات (F16)، أو يُلملمُ بعضاً من جثامين عائلته المُختلطة بالشظايا والحرق ليُكرِمها بالدَّفنِ كحقٍ إنساني تستحقهُ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق