الثلاثاء، 26 مايو 2015

المنهج الخليجي الموحّد ..زوبعة في عمق فنجان!!


التعليم حجر الزاوية الأولى في قوام أي حضارة، ولنا في حديث النبي الحبيب خير شاهد إذ سطّر التاريخ الإسلامي قوله :" إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلبه" أو كما قال النبي الكريم، ولنا في التاريخ الإنساني المتعاقب مواقف وأحداث متواترة تُبرهن على رقي الأمم وازدهارها في ظل قدسيتها للعلم والمعرفة، فنجد أن فلندا التي كانت قبل عقدين من الآن  تُصنّف بأنها أحد (الكنتونات) الهامشية في مسميات الحضارة الإنسانية، لكنها عاهدت نفسها وجاهدت واقعها المرير لتتربّع على العرش ويُشار لها بالبنان كأفضل تعليم في عالمنا المعاصر، ولنُحرك البوصلة تجاه بلاد (الساموراي) التي أحرقها لهيب الحرب العالمية الثانية، وأثقل كاهلها كبرياء "بول تبيتس" الطيار الأمريكي الذي أباد هذا القطر من العالم بالقنابل النووية فقلب عاليها بسافلها، وأسبغ على أراضيها أكثر من (140) ألف  قتيل، لكنها اليوم تنفض عنها غبار التاريخ المؤلم، وتتشبّث بالتعليم المطوّر الذي يقدّم مصالحها الوطنية قبل كل شيء، متناسية عثراتها وأعدائها وهفواتها؛ فنجدها ونحن على مطلع العام الجديد نجما ساطعا في سماء العمالقة، ورقما صعبا في المنظومة العالمية، وفي القارة العجوز نجد أن الكثير من دولها كانت تقتات على أيدي الإقطاعيين وأرباب المال ومجون بعض القساوسة، فعاشت ردحا من الزمن وهي تأكل على مضض ويلات  البؤس والشقاء، لكنها قدّمت مصالحها المشتركة فيما بين دولها، واستثنت القواسم المشتركة لتنجح في إنشاء تكتل تعليمي وثقافي واقتصادي عظيم فكان شعاره "متحدون في التنوع"، واستطاع هذا الاتحاد أن يخلق جيلا واعيا بما يجب أن يؤمن به تجاه قضايا وطنه (الأم) ودول الأعضاء (الاتحاد)، فلا يضيره في ذلك (24) لغة مختلفة، ولا آلاف الأعراق المنضوية بين جنباته على مستوى الدولة الواحدة أو الاتحاد ككل، ولا يفتّ في عضده عدد سكانه البالغ (500) مليون نسمة، فاستطاع أن يوجد تكتلا تعليميا راقيا يقدم مخرجات سخية لسوق العمل، انعكس ذلك على استقراره السياسي، والازدهار الاقتصادي الضخم؛ حيث بلغ اجمالي الإنتاج الاتحادي حتى نهاية عام (2007) أكثر من (18,394 ) مليار دولار ليرتفع مستوى المعيشة لكل (مواطن) أوربي لأكثر من ( (33,482 دولار، وكان تاج هذا الاتحاد العملة الأوروبية الموحدة لأغلب دول الاعضاء تحت سقف اليورو ().

إن المتتبع للبيت الخليجي يجد فيه الكثير من المؤشرات التي يمكن من خلالها بناء اتحاد خليجي قويم، يستطيع أن يكون رقما صعبا في المنظومة العالمية، سواء في المشهد السياسي، أو التكتلات الاقتصادية، أو الموارد البشرية الماهرة، لكننا نتساءل لماذا لم يستطع الخليجيون أن يحافظوا على (عرشانهم) أصلا قبل أن يبنوا تكتلا خليجيا موحدا أسوة بالاتحاد الأوربي أو دول الآسيان أو غيرها؟!، على الرغم أن عدد سكانهم لا يتعدى (45.9 مليون نسمة) حسب إحصائيات المجلس الوطني لدول مجلس التعاون الخليجي للعام (2012)، وعلى الرغم من أن الناتج المحلي لدول المجلس يبلغ (1.37) ترليون دولار، ونصيب الفرد فيه يصل إلى (33.900) دولار؟ والجواب ببساطة لأننا لا نملك أو بالأحرى لا نقدم مصالحنا  المشتركة فيما بيننا بقدر ما نتغنّى بقواسمنا المشتركة (الدين، واللغة، والتاريخ)، وأن أي خلاف سياسي أو ديني بين دول أعضائه تترجم إلى سخط وهجوم سافر وقد يصل إلى القطيعة، ولنا في المشهد الأخير خير دليل عندما أعلنت سلطنة عمان موقفها  فيما كان يُتداول بين أروقة السياسيين قبيل قمة الكويت باسم (الاتحاد الخليجي) بأنها ستبارك للجميع بهذا الاتحاد لكنها لن تكون طرفا فيه لأسباب كثيرة، وما تلا ذلك من غضب واستهجان لبعض الحكومات في بعض دول الأعضاء للموقف العُماني، وانعكاس ذلك على الصعيد الشعبي من مثقفين ومفكرين وأدباء ومحللين ومواطنين.

لكننا حينما نتفرّس في قراءة الموقف من زاوية أخرى بعيدة عن السخط والفوضى وضجيج المبهرجين، نجد أننا نحاول في بيتنا الخليجي الصعود إلى القمة دون الاكتراث بما تعلمناه (أن الألف ميل يبدأ بخطوة)، فنجد الكثير من المواقف المفردة والارتجالية لبعض دول الأعضاء تطغى على كثير من المجريات الإقليمية والعالمية، لكننا ننسى أنه من الضرورة بمكان أن نؤسس لبيتنا الخليجي قاعدة متينة قوامها التعليم الناجح، والمنهج الناضج، لتكون لنا مخرجات واعية لا مغفّلة، فكل ما ورد أعلى من نماذج ناجحة كان مربعها الذهبي هو التعليم ثم التعليم.

 فحينما تمتلك دول المجلس منهجا موحدا فيما يحقق مصالحها المشتركة، فمن الطبيعي أن تتفق فيما دونه بعد ذلك؛ فلا يمكن أن أخشى على مملكة البحرين من بعض النعرات الطائفية التي تحصل بين الفينة والأخرى كظاهرة صحية لإصلاحات سياسية واقتصادية إذا كنا نملك منهجا يجمعنا ويعلمنا أن الوطن شمعة (مقدّسة) في قلوب الجميع، ولا يمكنني أن أتهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بأن مواقفهما الارتجالية تجاه المشهد السوري أو المصري أو الليبي يزّج بالخليج إلى نفق مظلم إذا كنا نملك منهجا يعلّمنا أن إحترام الشورى واجب وعلى الجميع الإلتزام بحكم المصالح المشتركة وضرورة تمكين الإستقرار في المنطقة، ولا يحق لي أن أتهم سلطنة عمان بالمسؤولية تجاه نثر حلقات العقد الخليجي إذا كنا نملك منهجا يدعونا للملمة مذاهبنا وأجناسنا مع جيراننا إن كان في ذلك خدمة للخليج.

إن ما تتعرض له سلطنة عمان في العالم الإفتراضي أو ما ستشهده المرحلة المقبلة من تجاذبات سياسية واقتصادية واجتماعية بين بعض دول المجلس والسلطنة لهو جدير بقراءة الواقع الخليجي؛ ففي ذلك برهان ساطع عن حقيقة أننا نقذف الآخرين بالحجارة وبيوتنا من زجاج، فلا نملك تعليما موحدا، ولا منهجا مشتركا، ولا عملة اقتصادية تجمعنا، ولا تكتلات اقتصادية منسجمة، ولا موقف سياسية مدروسة، ولا برامج أمنية متكاملة، فأنّا لهذا الاتحاد أن يقوم؟!، وهنا يربوا للكثير من المراقبين ماهية هذا الاتحاد الذي تجلّى في ضوء الاتفاق الأمريكي – الإيراني بجهود عمانية مسؤولة.

وفي الختام... نحن بحاجة أن نلملم أوراقنا، وأن نرسم الخطوط العريضة لمناهجنا؛ لتُخرج لنا جيلا واعيا ومنفتحا تجاه نفسه ومن حوله، لا ينقاد لمواقف سياسية قوامها المذهب أو الزعامة، نحن بحاجة إلى منهج موحد طال أمده منذ قرار مكتب التربية العربي لدول الخليج في توحيد المناهج وتطويرها في عام (1975) حتى يقدّم للمرحلة المقبلة جيل يتوهج معرفة ومهارة وإتقان، منهج موحد يبعدنا عن الاسطوانة المشروخة التي نسمعها طوال عقود سحيقة حول قواسمنا المشتركة فلغتنا هي نسيم نستنشق عبقها الآخّاذ، وديننا هو دمُنا الدّفاق، وتاريخنا هو ملحمتنا الإنسانية التي نستمتع بها ونتعلم منها، لكننا نتعشّم بأن تخلق لنا مناهجنا الموحدة كوكبة من المبدعين الذين يضعوا المجلس في المربع الأول ويكتبوا عليه بالبنط العريض "المصالح المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي"!!، ونصمّ آذاننا عن زوبعات تعصف في عمق الفنجان!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق