الثلاثاء، 26 مايو 2015

بشتُ الشّيخ أوبَاما!


يبدو أن التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية بات يوحي باشتعال الرأس شيباً، وبالمقابل نجد لوحة فنية بديعة للأنامل الروسية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ويبدو أن صراع الكبار بدأ يضع أوزار الحرب الباردة على صفيح من نار، فأمريكا التي زغردت وزمجرت للثأر سياسياً وعسكرياً وسيادياً ممن تراهم براثن البشرية ولعنة ديمقراطيتها بدأت اليوم تهيم على وجهها في مستنقعات حالكة وكأنها ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، فقبل أيام أعلن جون كيري - وزير الخارجية الأمريكي- أن جمهوريته بحاجة إلى استراحة محارب؛ لتقييم مسار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التي أكلت البشر والحجر لأكثر من ستة عقود ونيف من الزمان، في وقت كان أوباما يملئُ العالمُ ضجيجاً بأنه مصباح علاء الدين السحري للبتّ في هذا الحمل الثقيل الذي ترفّع عنه العرب وجعلوا الفلسطينيين وقوداً لنار الاحتلال، والمتتبع لحقيقة (الأوفر تايم) الذي أعلنه كيري ما هو إلا دلالة على احمرار خد أمريكا من صفعات انهالت عليها من الكيان الصهيوني المتمثّل في نشر سرطان الاستيطان في القدس الشرقية وما بقي من أراضي (1967)، علاوة على المُماطلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تنتهجها سياسة شمعون بيريس والتي تُتقن لعبة استغلال الوقت لصالحها، وما أعلنه كيري ما هو إلا استصراخٌ صقور وحمام أوباما أننا لا نملك من الأمر شيئاً.

 وفي الملف السوري يبدوا أن إعلان الرئيس بشار الأسد نيته بالترشح لرئاسة الجمهورية – وهو الفائز لا محاله- يشكل صفعة أخرى لأوباما في وقت حُشرت فيه أعيُن العَالم نحو فوّهات البوارج والطائرات والقاذفات، وكان كيري حصان طروادة الذي قاب قوسين من رسم صورة أخرى للمشهد العراقي إبان غزو (2003)، لكن البراعة الروسية أقوى مما كان يتوقعها أوباما الذي أوهَم وزير خارجيته بحسن نوايا الروس فجعله حملاً وديعاً في أحضان لافروف – وزير الخارجية الروسي-  وزبانيته؛ إذ كان الفيتو الروسي حرسُ الحدود لأي تدخلٍ عسكري في سورية، وحينما اجتمع الكبار والأقزام في "جنيف1" واتفقوا على أن يتم نقل السلطة سلمياً من الأسد إلى من يراه الشعب السوري ممثلا حقيقيا له، استطاع لافروف (بنفاقه) السياسي أن يلدغ كيري بلسعات مسمومة عبر إفشال الخطوات التنفيذية المزمع ترتيبها في لقاء "جنيف2" والذي خرجت فيه جميع الأطراف بخُفي حُنين، وها هو الرئيس الأسد يُعلنها جهاراً نهاراً أنني أنوي الترشح لولاية رئاسية جديدة، مُتخطياً في ذلك كبرياء أوباما الذي أضجَّ العالم بصراخه وعويله، بينما نجد أن لافروف يحشو الغليون في مدوخه وهو يغرد: "نحن لا نتدخل في السيادة السورية" وكأن الماء البارد قد انسدل على وجه كيري الذي بدا يستصغر نفسه وكأنه مُهرَّجٌ مجنون بين عصى بوتين وجزرة أوباما.

 وفي المشهد العراقي نجد أن حكومة أوباما تقف موقف المُتفرج عما تشهده البلاد من تجربة انتخابية فاشلة تُثخِنُ الجُرح الوطني المُفعم بالتصفيات السياسية والحزبية والمذهبية لتعلنها للملأ "يجب أن تكون الانتخابات خطوة لِلُّحمة الوطنية في العراق" دون أن يكون لها أي موقف إزاء التدخلات الإيرانية وبعض الحركات الدينية التي تقتل الحياة البرلمانية والديمقراطية فيه.

 وولوجاً إلى المشهد الأوروبي يبدو أن أوباما يتلقّى صفعات متواترة من الروس وبالأخص من موقف الأخيرة الحازم في القضية الأوكرانية، فنجد أن حكومة أوباما تخطو بكرٍ وفرٍ نحو القضية بخطى مبعثرة يغلب عليها التقهقر والرجوع إلى سياسة العُزلة التي انتهجتها إبان الحرب العالمية، ومما يتّضح أن الأمريكان يستشعرون الغضب الروسي في هذه المنطقة، والدليل على ذلك الرد الأمريكي الباهت نحو استحواذ الروس على شبه جزيرة القِرم، كما أن التدخلات الروسية في البيت الأوكراني واضحة للعيان لكن الموقف الأمريكي والأوروبي يشي بخطورة الموقف نحو أي مُراهنات أو حماقات قد ترتكبها حكومة أوباما في ظل رحابة الصدر التي انتهجتها حكومة بوتين نحو العقوبات الاقتصادية وهي تعلنها بوجهٍ صبوح "لكم دينكم ولي دين" وبالمقابل تُهدِّدهم "كُل نفس بما كسبت رهينة"، وكأنها بذلك تفتح على أوباما رُدهات مظلمة توحي بخطورة المجازفة في ظل التحدي الروسي الكبير.

 وفي المشهد الإيراني يبدوا أن الضبابية هي سيدة المشهد في وقت ترقّب العالم أن يُغلق هذا الملف بحكمة الرجل الأسمر الذي راهن عليه العالم بدبلوماسيته وحنكته السياسية، لكن يبدو أن النفوذ الروسي يمتصّ الغضب الأمريكي من خلال  المُماطلات و(التّقيّة) اللافروفية في الملف النووي الإيراني، وعلى الرغم من الوساطة العُمانية في ردء الصدع بين الأمريكان والإيرانيين إلا أن المماطلة الناجحة للإيرانيين تسير على خطى الروس بثقة واتقان، وأمام هذا الثقل الكبير الذي يلقيه الروس على صدر أوباما ويسقيه كأس الردى في كثير من الملفات الساخنة قدِم إلى الخليج في زيارة هي أشبه بترقيع مشهدٍ متناثر في ظل صراع واستعراض القوى بين دول المجلس مدفوعة بمؤثرات خارجية، وكأن لسان حاله يقول هبوني المشيخة ودثّروني ببشتٍ مُطرّز بالذهب (أُلحّفُ) به جراح الروس في جسدي وأظهرُ شيخاً جليلاً وقوراً يتمتع بفقاعات سياسة فذّة كما ألفناكم في كثير من قضاياكم؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق