يبدوا أن ما تمرُّ به المنطقة العربية فصلُ خريفٍ
بامتياز؛ ولا تزال إرهاصات مخاضه المُتعسِّر ضبابية بلا جِدال، وما تلقَّتهُ مسامع
العالمُ المُترهِّل بكل مؤسساته وهيئاته الحقوقية الرسمية وغير الرسمية حول قيام ثُلّةٍ
ممن غُلَّت قلوبهم غيظاً وكمداً على البشرية بتقطيع أوصال الطفل الشهيد محمد أبو
خضيرة ذو السبعة عشر ربيعا حينما نهشت لحمه كلاب ضروس فتناثر دمه على جميع أقطار
الوطن العربي مذكراً لهم بالعار والشَّنار الذي هم فيه لا تزال هذه الصورة تدمي
القلب، بل لم تكتفي العصابة بقتله وتمزيق أشلاءه فماطلت بأن أغرقته بالبنزين ثم
أضرموا النار على ما بقي فيه من كرامة العرب، ثم ماذا جرى؟!.. لا شيء يُذكر!!.
إن هذا المشهد
ليس ببعيدٍ عمَّا شهدته أرض الرباط في
الثلاثين من سبتمبر (أيلول) عام (2005) حينما شنّف العرب والعالم آذانهم لسماع صوت
الرصاص وهو ينخرُ جسد الشهيد محمد الدُرَّة ووالده يُلملمُ ما بقي له من جسدٍ خوار،
فسقط الأب والابن صرعا أمام أعين العالم والمشهد يستصرخ جميع المؤسسات الحقوقية أنَّ
الأمر إنساني طهور يتطلّب منكم الدفاع عن النفس البشرية بعيدا عن كل براثن السياسة التي أزكمت بفسادها طهارة الكرامة والحياة، وأمام هذه المجازر نتذكر
أنه وفي العام (1994) أعلنت هيئة الأمم المتحدة عن إنشاء اتفاقية دولية مختصة
بحقوق الطفل، وإجمالا فقد تلخّصت مبادئ تلك الاتفاقية في عدم
التمييز، وتضافر الجهود من أجل المصلحة الفضلى للطفل، والحق في الحياة، والحق في
البقاء، والحق في النماء، وحق احترام رأي الطفل، وحمايته من الانتهاكات والاستغلال الجسدي والنفسي؛ وبذلك توَجَّب على
الدول الأعضاء الالتزام والوفاء بما نصَّت عليه مواد الاتفاقية، ولكن حينما تتحكَّمُ
الهيمنة على السُلطة النافذة للقرارات الدولية المُلزم بها جميع الدول الأعضاء فلا
يمكن أن تتحقق العدالة الإنسانية إلا بالمثل؛ فإن لم يُنصف المرء في حقِّه لقوة أو
غطرسة مُتعجّرفة ينازل بها المعتدون فلا تُردُّ
الحقوق إلا بالقوة وما شاكلها.
إن ما تشهده الدول العربية من استعارٍ مُخيفٍ للاقتتال
الداخلي، وتصفية الحسابات، واختلاط (الحابل بالنابل) بدعوى متلوِّنة أو متلويَّه
بالدين حيناً، أو بالسياسة والوطنية أحياناً أُخرى؛ هي مُستنقعات نشطة لتكاثر (مافيات)
العقول والأجساد، وما كاد يجرؤ الكيان الصهيوني بذبح وشوي نفس بشرية كما فعل بمحمد
أبو خضيرة إلا حينما وجد أنه يتربَّعُ على عرش أطلال دويلات مُتناحرة، يجزُّ بعضها
رقاب بعضٍ بمسميات هُلامية وتنابزٍ بالألقاب والتكفير ونسف لولاء ومواطنة القيادات
بعضها تجاه بعض، وفقر في جودة التعليم بكل مراحلة الذي ما فتئ يُخرج لنا جيلاً من
شباب وشابات يتشبَّثُ بماركات التسريحات والميكب والتقشير للوجه وتليين للأيدي
والألسن مُتناسياً قضايا أمته الجوهرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولو عُدنا قليلاً
للوراء وتتبَّعنا الخيوط الرفيعة لبداية اندلاع الثورات العربية لوجدناها بدأت هشَّة
مُتناثرة فتعاظمت وأضحت تُشكِّل خطراً جسوراً على المُتربِّصين بالأمَّة، لكنها ما
فتأت حتى وَهِنت وأصبحت في أكياسٍ مُزركشةٍ تُباع بالجُملة في بعض المُجمعات
التجارية كوجبات رمضانية يمكن انتقاؤها!، فما المنطق الذي يُمكن أن يستوعبه
المواطن العربي من أن تَبسُط قوى العسكر جموع الثوُّار المصريين الذين زلزلوا
العالم بعلو كعبهم ورقي ثورتهم لتعود وَبالاً عليهم دون حِراكٍ وطني مشهود يُناصر
قضاياها المصيرية والقضايا العربية؛ حتى أضحت كمثل (الشَّحات) الذي يتوسَّل أن يُغدق
عليه المال والطعام دون أن يكون كما عهدناها ذلك الرقم المهيب في المشهد السياسي
والاستراتيجي العربي والعالمي، وما هو المنطق الذي يمكن أن يستوعبه المواطن العربي
من ثورات ليبيا، وتونس، والعراق، وسوريا واللاتي كُلنّ منهنَّ يتجرعنّ كأس المنيَّة
ذهاباً وإياباً؟!، فمن يُناصر أطفال العرب من القتل والحرق والتمثيل وربما بعد حينٍ
من مضغهم في أفواه المُحتلين وهكذا وضعنا؟!
ليس من الغريب أن تجد من قتلك يمضي في جنازتك لينال أجراً
وكفَّارة عن ذنبه الذي اقترفه، وليس من الغريب أن تجد من يمُدَّ لك يد العون أمام
ناظريك فيغدر بك وينحرك بخنجره، وقد قالت
العرب قديماً "أحذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة"، نحن العرب لم نتعلَّم
من تاريخنا السياسي المُطرّز بأنهار التجارب الثورية والنضال العريق، وما أشبه
اليوم بالبارحة!، فحينما غُدر بالعرب إبَّان استغباء القيادات الثورية آنذاك فيما
عُرف بالثورة العربية الكبرى (1916) بإيعاز من بريطانيا وهندسة محترفة على يد
ابنها البار (لورانس العرب) في إقامة الخلافة الإسلامية (العربية) تحت لواء الشريف
حسين شريف مكة آنذاك، وقد بدا واضحاً أن الفقر السياسي والاستراتيجي العربي قد أوغل
جُرحه وكأن لسان حاله يقول "لو كانت السياسة امرأة لقتلتها"، انتهت لعبة
الشطرنج بتبدُّدِ الطموح العربي الوحدوي وبداية الشِّقاق بين الفُرقاء، وحالنا
اليوم هو شبيه بمرحلة القرن التاسع عشر؛ فأمام تلك الجحافل التي خرجت تُطالب
بالعدالة ولُقمة العيش الرغيد والحياة الهانئة الكريمة وتزّأر وتُزمجر باسم (الشَّعب)
وتتهافت نحو ربيع عربي مُزهر تجلّت تلك الغمامة باغتيالات فاضحة نهاراً جهاراً ولم
تُحرِّك مشاهد اللإنسانية التي تعرّض لها الطفل الشهيد محمد أبو خضيرة أي شعور أو
امتعاض في الشارع العربي، ولم يتجرَّع واقع الألم سوى عائلته وبعضٌ ممن يحملون معه
ذكريات الحياة، والموت، والقبر.
إن ما يفيض به واقعنا العربي هو غيضٌ من خريف بدأت تتساقط فيه أوراق الأمل،
وتتفارق فيه مظاهر الوحدة، وتتعمَّق فيه جراح المواطن، نحن لسنا بحاجة لثورات تتغنَّى
باسم الشعب وقُدسيّة الوطن وهي تتلظّى وتستعر للانتقام والدمار، نحن بحاجة لرجل
الدين والسياسة والاقتصاد والتربية الذين يُعلِّمُون أجيالنا قُدسيّة الوطن
وقضاياه العربية والعالمية بالحِكمة والتبصُّر، نحن بحاجة ماسَّة لأن نجعل هذا
الجيل مُتضلِّع بالقضية الفلسطينية كأحد الثوابت الإسلامية والقومية والإنسانية
التي لا مناص منها في تحقيق العدالة البشرية، نحن بحاجة إلى انتفاضة عربية حقيقة
تجتثُّ براثن القتل والتكفير والتدمير منا وعلينا لنرى أوطاننا تزهوا ببساطة
الإنسان الكريم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق