تشكل شبكة
المعلومات العالمية (الإنترنت) في عصرنا الحاضر ركيزة حضارية وتنموية لكثير من
القطاعات الخدمية والإنتاجية في العالم بأسره؛ فقد استطاعت أن تجمع التنوع
الثقافي، والديموغرافي، والاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي بين أقطاب المعمورة في
عالم افتراضي موّحد، فأضحت بذلك وسيلة سلسة للانتقال بين القارات بعيدا عن
الإجراءات النمطية والحدود الجغرافية، إلا أن هذا العالم الافتراضي الذي مثّل ذروت
سنام الإبداع البشري في القطاعات العسكرية، والمدنية، والعلمية دقّ ناقوس الخطر
منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال بعض الممارسات التي جانبت جادة الصواب في
استغلال إشراقاته التكنولوجية نحو تطويع خدماتها في استثمارها بصور سلبية انبلج
منها الضرر البالغ على أمن واستقرار الأمم والشعوب، وخلَق بها مواطن الترهّل
الاقتصادي، ودفعها للاحتقان السياسي، والعبث الأخلاقي والاجتماعي، وتلويث الفكر
الوطني بالتطرف والغلو والإرهاب من خلال ما عُرف "بالجريمة الإلكترونية".
تشكل الجريمة
الإلكترونية خطر جسيم على الأفراد والدول؛ إذ من الصعوبة بمكان معرفة الجناة سواء
كأفراد أو عصابات؛ فهي تتعدى الاعتبارات المكانية والزمانية والأعراف والقوانين،
كما أن منفذيها غالبا ما يكونوا على قدر عالٍ من المهارة والخِبرة التي يتعسّر من
خلالها تتبع ملابساتها والوصول إلى مكامنها الحقيقية؛ ولذا أطلقت عليها بعض
المنظمات العالمية باسم الجريمة الناعمة؛ فهي لا تستخدم الأسلحة ولا تكون مباشرة
كما أنها تتسم بالبهرجة والخُدع الممزوجة بالألوان والصور والمانشينات المفرقعة
الرنّانة التي تشدّ انتباه المتلقي، ويكمن الخطر الجوهري للجريمة الإلكترونية في
الاعتداء الشخصي أو المؤسساتي من خلال سرقة الأموال، والبيانات الاستراتيجية،
والعبث بالمعلومات والاحصائيات الوطنية والعالمية، وتنظيم الخلايا الإرهابية
والتحزّبات السياسية والدينية المتطرفة، ونشر ثقافة العُهر والفُحش وتذويب
أخلاقيات الحشمة والإنسانية السويَة، واغتيال خصوصيات الهُوية الثقافية والحضارية،
وانعاش تجارة المخدرات، وغسيل الأموال، وتسريب الوثائق السرية الشخصية
والمؤسساتية؛ بهدف الابتزاز للحصول على المال أو التشهير أو الاستحقار أو إذكاء
الاحتقانات السياسية والعسكرية بين الأطراف المتنازعة وافتعال الأزمات في ذلك،
والتحكم بقطع التيارات الكهروبائية وما يتبعه في فتح الباب على مصارعيه للنهب
والسرقة.
وتشير احصائيات
مركز شكاوى الجريمة الإلكترونية الأمريكي منذ بداية أعماله في
(5-10/2000) أي خلال خمسة أشهر فقط أن عدد الشكاوى التي تلقاها بلغت (6087) شكوى، من ضمنها (5273) حالة تتعلق باختراق الكمبيوتر عبر الإنترنت، وقد بلغت الخسائر المتصلة بهذه الشكاوى ما يقارب (4.6) مليون دولار، وتشير الاحصائيات التي تطرق لها مؤتمر "الجودة والتميز واجب وإبداع"
الذي عقد في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في الفترة (18-20/مارس/2014) أن
تقديرات الأموال التي صرفت
لمواجهة الجريمة الإلكترونية في العالم حتى نهاية العام (2011) بلغت حوالي (388) مليار دولار أميركي، أما التكلفة النقدية المباشرة لهذه الجرائم المتمثلة في الأموال المسروقة ونفقات إزالة آثار الهجمات فتقدر بحوالي (114) مليار دولار، ومعنى ذلك أن القيمة المالية للجرائم الإلكترونية أكبر من السوق السوداء لمخدرات الماريجوانا، والكوكايين، والهيروين مجتمعين التى تقدر بحوالى (288) مليار دولار، وتزيد عن قيمة السوق العالمية للمخدرات عموما التى تصل إلى (411) مليار دولار، وأعلى من الإنفاق السنوي لمنظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) بحوالى (100) ضعف، حيث تصل ميزانيتها إلى (3.65) مليار دولار.
وأظهرت
دراسة صادرة عن مؤسسة سمانتك
"Smantek" والتي
شملت على (24) دولة وضمت (19636) شخصاً أن الشباب هم الفئة الأكثر عرضة للوقوع
كضحايا للجرائم الإلكترونية، وأن مليون شخص يوميا يقعون ضحايا الجرائم
الالكترونية, كما أن معدل الساعات التي يقضوها على الإنترنت تتناسب طرديا مع معدل
استهدافهم مع عصابات الجرائم الالكترونية؛ فالذين يقضون (49) ساعة أسبوعيا في
تصفح النت يكون (79%) منهم معرض للوقوع في فخ عصابات النت, والذين يقضوا (24) ساعة
أسبوعيا أو أقل كانت نسبة وقوعهم كضحايا (64%)،
وكشف جهاز الأمن الفيدرالي الروسي عن نحو (25) مليون فيروس إلكتروني موجّه أصاب
الحواسيب في روسيا خلال العاميين الماضيين فقط (2012/2013)، وكشف جهاز الأمن الفيدرالي الروسي عن
نحو (25) مليون فيروس إلكتروني موجّه أصاب الحواسيب في روسيا خلال العاميين
الماضيين فقط (2012/2013)، وعلى مستوى جول مجلس التعاون الخليجي فقد أشار مؤتمر
"الجريمة الإلكترونية" في جدة بالمملكة العربية السعودية أن خسائرها
تقدر ما بين (550-735) مليون دولار سنويا.
وقد سجلت قيادة أمن المعلومات في إمارة دبي بدولة
الإمارات العربية المتحدة خلال العام (2012) أكثر من (772) جريمة إلكترونية مشيرة
إلى أن معدل ارتفاعها سنويا يصل إلى (200) جريمة، وذكرت مجلة "بوليس 999" (Police 999) التي تصدرها الشرطة الإماراتية أن
الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وأنظمة الحوسبة السحابية تمثل بعض الطرق
الشائعة التي يقع من خلالها الجمهور ضحية للجرائم الإلكترونية، حيث خسر سكان الإمارات العربية المتحدة ما
يصل الى (2.3) بليون درهم بسبب الجرائم الإلكترونية، وقد تركّزت (35%) من تلك
الجرائم على
القطاع المصرفي و(65%) المتبقية فقد تركزت على الخدمات الحكومية على الإنترنت
وأنظمة الاتصالات والمؤسسات التعليمية، وأشارت الإحصائيات في سلطنة عمان أن (73%) من الجرائم الإلكترونية المسجَلة
بين عامي (2008- 2012) كانت مالية، وفي قطر أكد قسم الجرائم الاقتصادية بإدارة البحث الجنائي عن
ارتفاع معدلات الجرائم الإلكترونية بنسبة (200%) منذ العام (2004).
وعلى ضوء ذلك سنّت العديد من الدول مجموعة من التشريعات
والقوانين التي يمكن من خلالها مواجهة الجريمة الإلكترونية ضمن إطار تشريعي ورقابي
وقانوني، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية السبّاقة في وضع القوانين المنظّمة
للاتصالات وملاحقة المجرمين، كما أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي لم تألوا
جهدا في وضع الخطوط العريضة لمكافحة هذه الممارسات التي تودي بآثارها الوخيمة على
أمنها واستقراراها وازدهارها، فنجدها تضع جملة من القوانين التي تحدوا بالأفراد
والعصابات المتصلة بالجرائم الإلكترونية بالسجن من (1-10) سنوات، وغرامات مالية
تتراوح ما بين (133.3- 14000000) دولار أمريكي.
وبعد هذا الاستعراض المفصّل بالأرقام والدراسات
والإحصائيات الموثّقة يتبادر للمواطن العماني مجموعة من الأسئلة في ظل الهجرة
المؤسساتية نحو رقمنة الخدمات والمعاملات وأهمها:
-
هل مؤسساتنا
الأمنية والرقابية على قدر المسؤولية في مكافحة الجريمة الإلكترونية؟
- ما هي الأرقام الحقيقية التي تضخّها الدولة في دفع
فاتورة خسائر تسرّب الأمن الاستراتيجي للمعلومات والمصارف والوثائق الوطنية؟
- هل مؤسساتنا الخدمية والاستراتيجية منها على أهبّة
الاستعداد في الوقوف بجد وحزم تجاه هذه الجريمة في ظل تواتر الاختراقات التقنية
لمواقع علمية ومؤسساتية خدمية في السلطنة من جهات خارجية؟
- هل نملك الكوادر البشرية الماهرة في الكيل بمكياليين نحو
مجرمي العالم الافتراضي؟
-
هل يُسخّر
الواقع التعليمي للطلبة ماهية هذه الجرائم وسبل الوقاية منها وتقديم الرؤى
والممارسات السليمة تجاهها؟
أسئلة كثيرة بعضها ينسدل بصورة منظّمة والبعض الآخر
يترنّح (مبعثرا) لكنها تحدو على بالمؤسسات المعنية ضرورة وضع استراتيجية وطنية
حقيقة لمكافحة مرتكبيها الذين يهرقون طاقات وثروات الوطن والمواطن قبل الانغماس
الكلي في الأحلام الوردية للحكومة الإلكترونية، ومما يجدر الإشارة إليه في ختام
هذا المقال أهمية تطعيم الحقل التربوي بمناهج متخصصة في تقنية المعلومات ومكافحة
الجريمة ووضع الإطار القانوني والجزائي لهواة "الهكرز" الذين يقتحمون
أمن الأشخاص والمؤسسات، وعمان سبّاقة إلى تخصيص مواد الحاسوب وتقنية المعلومات
لكننا بحاجة إلى تجويد ذلك المحتوى من خلال تطعيمه بشذرات متنوعة حول التبعات
الجزائية والقضائية لمرتكبي مثل هذا الممارسات على المستوى الوطني والعالمي.
همسة عزيزي القارئ
الإنترنت عالم معرفي كبير، ومتنفس إنساني وحضاري عظيم،
لكنه يضمرُ بين جنباته قراصنة ماهرون، فلا تبخس خصوصيات شخصك ووطنك لمن تجهله...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق