الثلاثاء، 26 مايو 2015

ثقافةُ المُستهلك والأمن الاقتِصَادي


يُعدُ الاستهلاك اليومي غرضٌ أساسي للبشرية في جميع أصقاع العالم؛ فحينما يتقصًّدُ المرءُ لاقتناء غايةٍ مُلحة كالطعام أو الشراب أو الملبس أو المسكن أو لأخرى غير مُلحمة كصنوف الرفاهية المتنوعة فإننا بذلك نعني الاستهلاك بمفهومه الدقيق الذي يعيه عموم الناس، وفي العُرف الاقتصادي يُستَوحى ماهيتهُ بأنه استنزاف للسلعة أو الخدمة عن طريق الاستخدام، وقد وصفه الفيلسوف الاسكتلندي آدام سميت (Adam Smith) وهو أشهر رواد الاقتصاد السياسي الحديث بأنه "الهدف النهائي للإنتاج"، وبذلك نتفق أن الاستهلاك مسارٌ واضح للإنتاج بصور وأشكال متباينة، إلا أن تلك الغاية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمتانة الاقتصاديات الوطنية، كما أن جودة الاستهلاك لا تتحقق إلا بوجود قاعدة عريضة للوعي الاستهلاكي من قبل المستهلكين أنفسهم؛ فلا يمكن أن تُلجَمَ طموحات المستثمرين والتُّجار عن جني أنهار من الأموال إن كان المستهلك لا يعي أبسط المفاهيم والمفردات والسلوكيات الاستهلاكية التي تحفظ حقه وتصون العمود الفقري للدولة من التهشُّم والصدمات التي قد تؤول في نهايتها إلى ترهلٍ فاحشٍ نحو البطالة والعجز المالي لميزانية الدولة والتي ستنعكس حتماً بصورة سلبية على الطموحات والمشاريع التنموية الوطنية.

إن المُتتبع لمؤشر استشعار الغشِّ التجاري في وطننا الحبيب بعد ولادة الهيئة العامة لحماية المستهلك يلحظُ أنه يسير بوتيرة سريعة نحو استكشاف مملكات من (المافيا) الاقتصادية التي تنخرُ أعمدة الاستقرار الاقتصادي للبلاد لتخلق بلبلة اجتماعية وشرخاً عميقاً في ثقة المواطن بمؤسسات الدولة المتنوعة وذلك لا يرضاه عاهل البلاد المفدى ولا من يقطن هذه الأرض الطاهرة وحتى لا نتحدث بأسلوب مُبطًّن وفضفاض تتلون بكُنهه جملة من (الحروز) المبعثرة – كما قالها لي بعض القراء ذات يوم- فإنني أضع بين يديك أيها القارئ الكريم سلةً متنوعة من الإحصائيات والأرقام العلمية الموثَّقة التي أصدرتها الهيئة العامة لحماية المستهلك بسلطنة عمان ضمن التقرير السنوي لعام (2012) أي بعد سنة من إنشائها، لتنصدم من الكم المهول حول صور الغش التجاري الذي أهلك الحرث والنسل طوال عقود مضت، إذ يشير التقرير أن عدد الشكاوى والمخالفات والبلاغات إجمالاً التي سجلتها إدارات الهيئة بمختلف المحافظات قد بلغت (31636)، وأما عدد شكاوى المستهلك فقد بلغت (9581)، وحول أنواع وأعداد الخدمات محل الشكاوى فكان أعلاها يتعلق بالسيارات والإطارات بمجموع (3456) أي بنسبة (36%)، وحول أعداد استخدام المستهلكين لبلاغات خط المستهلك فقد بلغت (13956) بلاغاً، وأما أنواع وأعداد الخدمات محل البلاغات فكان أعلاها ما يتصل بارتفاع أسعار المواد الغذائية بصورة غير مقبولة حيث أُحصي عددها (4018) بلاغاً أي ما نسبته (29%)، وحول المخالفات المحررة والمضبوطة في جميع إدارات المحافظات جاء أعلاها فيما يتعلق بعدم وضع الأسعار على السلع أو عدم توفر قائمة بأسعار الخدمات وبمجموع (1790) مخالفة أي بنسبة (22%)، وفي جانب الأوامر الجزائية والمخالفات المالية والغرامات فقد بلغ إجمالها (87388.5) ريال عماني – وهنا لابد من التمعّن في حجم الغرامات المُعطاة للهيئة كسلطة نافذة-

من المُلاحظ أن الأرقام والاحصائيات الآنفة الذكر تُظهر لنا مدى التغلغل الاستعماري لمافيا المال على حساب المُستهلك لدى كثير من المستثمرين والتُّجار سواء كانوا محليين أو وافدين، فأمام ثقة المُستهلك بأرباب الاقتصاد في البلاد إلا أن بعض النافذين في الطرف الآخر لم يولوا أي اهتمام بالمستهلك؛ ولا أدلَّ على ذلك ما تلا هذا التقرير في العامين المنصرمين من بعض ما اكتشفته الهيئة وأصبح رأياً عاماً بين أوساط المجتمع المدني وأعني بها قضية الحلويات المغشوشة، والسلع المُقلَّدة لدى بعض الوكالات، وما أُعلن عنه قبيل أيام بسيطة حول أكثر من (100) ألف سلعة منتهية الصلاحية تُضخُّ في بطون المُستهلكين، ناهيك عن عشرات الاستدعاءات للسيارات وكل استدعاء يضمُّ بين جنباته عشرات السيارات، كل ذلك يضع للمستهلك إحداثيات مُهمَّة تُنبِأُهُ بضرورة أن يكون واعياً ومثقفاً في اقتناء احتياجاته ومُستلزماته، فلا يكون (بقرةً) حلوباً مُدللة تَدرُ أموالاً بَذِخَاً بغير وجه حق قد تُصيبه بعد حينٍ في مقتل بماله أو صحته ليُرمي بعد ذلك "الجملُ بما حمل" في ملعب الهيئة ويجعلها أمام طريق وعرٍ لتَتَبُّعِ حيثيات طويلةٍ عريضةٍ كان حَرِيٌّ به أن يوجزها في لحظة استحضار مسؤوليته الوطنية للدفاع عن اقتصاد بلده وأجيال أمته، نحن بحاجة إلى أن يقف سالم وخليل ومحمد ومريم وعبير وأسيل ويقرؤون في لحظات شاردةٍ تاريخ إنتاج وانتهاء السلعة التي يودون انتقائها قبل أن تكون سُمَّاً لفئرانِ تجاربٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق