الثلاثاء، 26 مايو 2015

الفلامنجو يُهاجر من تلمسان

"...آه يا من ركنت للفراق لن تسير الركبان بذكري بعد اليوم ، فالقلب الذي جمعت أجزاءه خلال الأشهر الماضية قد تناثر مرة أخرى إلى قطع صغيرة جدا لن تستطيع جمعها بعد اليوم ..."
 شذرات من عبق رواية (الفلامنجو يهاجر من تلمسان) التي فاجأتنا بها قبل أيام قليلة المؤسسة العربية للدراسات والنشر للروائي العماني "خليل خميس"، وقد حظيت الرواية بتغطية إعلامية من خارج السلطنة من صحف ومواقع إلكترونية، وهذه الرواية ليست الأولى للكاتب الذي مازال مختفيا عن الأضواء ومهمّشا عن الإعلام كحالة معظم مبدعينا في السلطنة؛ إذ نرقبُ بين حين وآخر إبداعا عمانيا في الطرح والتذوق الأدبي الماهر من خلال ما تجود به قنوات التواصل الاجتماعي الشخصية أو المؤسساتية غير العمانية!، إن المتتبّع لهذا الكاتب يتلمّس في مداد قلمه قدرة ومهارة فريدة في نسج النص وتسلسله بصورة تجعله مُستساغا لكل الشرائح الثقافية، فتجد كل قارئ يبحر بشغف في كينونات الأحداث ومجرياتها مع تتباين واضح في الأطر العامة لتفاصيلها وتأويلاتها، وتلك مهارة لا يمتلكها الكثير من الروائيين؛ إذ نجد أن بعضهم يحاول عبثا قذف أكبر عدد من الكلمات وترخيم مفرداتها وصياغتها بأكثر من لون تتسبب أحيانا كثيرة في قتل حسناء الفكرة وتأدُ جمالها الأخّاذ، فتفقد الفكرة بهذه البهرجة عذريتها الأدبية الرفيعة، كذلك من يقرأ الرواية يلاحظ إجادة الكاتب في قدرته على التزاوج بين الزمان والمكان؛ فينسجم القارئ في حاضرنا الذي تتسيّده وسائل الاتصال الحديثة بمختلف أشكالها وألوانها وهذه مهارة أثبتها الكاتب بأنه يستطيع التنقل من العهود الغابرة إلى الواقع الذي نعيش فيه من خلال تتابع رواياته السابقة (بيعة الروح، وثلاثية الصمت)، وعلى الصعيد المكاني فيتجسّد من خلال تسلسله الناعم في الربط بين بلدين عاشقين لبعضهما البعض منذ عهود سابقة بل بين قارتي آسيا وأفريقيا كنموذج يُجسّد تآلف الأرواح بين أرض النضال والشهداء عبر حقب التاريخ المتعاقبة بين الجزائر وعمان، ولعل من يتتبع سبب اختيار أو تعمد التوأمة بين عمان والجزائر من طرف الكاتب سيظل محتارا لكن أظن أن هناك أسبابا سيكتشفها القارئ بنفسه حين يتعمق في قراءة الرواية؛ حيث تفاجئك المدن والقرى التي تعمد الروائي تخليدها في روايته مثل (السويق) وهي من إحدى ولايات شمال الباطنة في السلطنة، ولاية (تلمسان) إحدى ولايات شمال غرب الجزائر، فيبدو لك الكاتب كرسّام يستلذّ عطفا وكرما في إسدال حب إبداعه بريشة رفيعة يستلهم خطوطها من عبق هذين البلدين  ليرسم لنا لوحة بهيّة؛ تُخرجك من عبق التاريخ العُماني لتنزل عليك وحيا مختلفا ألوانه لكنه يعيدك للتاريخ مرة أخرى حيث نسماته الباهرة وشواهده الحاضرة في تلمسان الناطقة.
 
إن المتابع للرواية وما فيها من تفاصيل سيجد أن الكاتب اتجه إلى أسلوب الحوار الكلاسيكي التقليدي وبعبارات تتميز بالجمال والرشاقة، ليتوغّل بعد حين  في تسلسل الأحداث بأسلوب عصري جذّاب؛ فغالبا حينما يتعرّف شاب وفتاة عبر أي وسيلة اتصال ويكون سيد المقام بينهما الحب و كبرياء العاطفة فمن المتوقّع حتما أن تكون جموع الغرائز والغرام والعشق هي ديدن الحديث والنقاش، لكن الكاتب شحن تلك العاطفة بالكثير من القضايا الجدلية والحوارات الفكرية حيث الدين والسياسة والتاريخ والمنطق فيوحي لك الأمر وكأنك أمام شابين عاشقين كسرا تابوت العلاقات العبثية وتحولت تلك العلاقة الغرامية الى علاقة تمتلأ بالثقافة والفكر، بل تجعل القارئ يتمنى أن يجد فتاة أحلامه كتلك الفتاة المثقفة والتي تتمتع بكاريزما القيادة والتأثير وهذا ما تغنّت به رواية الفلامنجو.
 
أتوقع أن تكون هذه الرواية مفاجأة معرض مسقط الدولي القادم للكتاب دون منازع بل هي مفاجأة الموسم العماني للرواية بامتياز، لكن من الضرورة بمكان أن نقف خلف هؤلاء المبدعين من كتًاب وفنّانين ومفكرين وغيرهم ممن يقدمون إلى هذا الوطن مشهدا حقيقيا يُسطّر في جبين الإنتاج والإثراء، فمثل هذا الروائي وغيره من هم في الصفوف الخلفية ينقلون لنا قضايا وطنية وقومية وعالمية واجتماعية وتاريخية في شكل نموذج يلامس الواقع بحرفية واتزان، فمن الحق أن ينصفوا في استحقاقهم بأن تفتح لهم أبواب الإعلام الموصدة في وجوههم بمختلف أنواعها؛ فهو يكابد فكره وعقله وقلبه في إنتاج تلك الرواية؛ فتجد يعيش في شظف الحياة ويعتصر جمالها وشقائها، ويستلذ محاسنها ويلعق صبرا بقبحها، ويمد يده بذخا بكلماته المُنتقاة وعصارة فكره في تصوير المشهد وحيثياته ويقبضها بُخلا في مشهد آخر ليضع القارئ في حجمه المُبتغى، يكابد التاريخ والجغرافيا والأعراف الاجتماعية والواقع الاقتصادي، وفي كثير من الأحيان يعانق فكره الحر الكثير من القضايا المُحرّمة اجتماعيا؛ فيتحمل لأجل ذلك الكثير بل يجد العنت والعزلة بسبب اجتهادات بعض من لا علاقة لهم بالعلم والدين والثقافة.
إن عُماننا الحبيبة ولّادة بالمبدعين في صنوف العلم والمعرفة، وكتّابها مشهورين بتذوقهم الجمالي البديع، لكننا نتساءل عما توليه المؤسسات المعنية بالأدب العماني وبالكتّاب المعاصرين وعن استراتيجياتها ومشاريعها لأجل ذلك !!، فهل تلقى مثل هذه الأقلام السيّالة بالإبداع والإنتاج دعما ماديا ومعنويا وإعلاميا لكي يظل ذلك القلم ينضح بجمال الكلِم وأطايب الحديث والإبداع ؟، هل هناك من يبادر من مؤسسات حكومية أو مؤسسات القطاع الخاص أو رجال الأعمال في هذا الوطن الحبيب في تبني منظومة دعم (لامحدود) للأدباء العمانيين؟، ولماذا لا نرقب جوائز قيمة للروائيين العمانيين تليق بمستواهم؟ فهم ليسوا بأقل شأنا عن الشعراء والناثرين في صنوف الأدب الأخرى، ولعل البعض ممن يمارس النقد كان قاسيا حين قال (أن الرواية العمانية لا زالت غير ناضجة) فإني أزعم أن هذا الحديث أصبح من الماضي السحيق هذا إن كان ذلك الناقد ما قاله صحيحا – مع اختلافي واحترامي لوجهة نظره - وهذا أدى بالتالي الى أن تهتز ثقة الأديب العماني حين يقال أنه غير ناضج وهذا ما يشرح لنا  الفتور المحلي لدينا نحو اقتناء الروايات العمانية بشكل خاص، ومن يتتبع المواقع الإلكترونية سيجد أن الاستعدادات لوضع قوائم الشراء للكتب تكاد تخلو تماما من الأدباء العمانيين !!.
إن غياب القارئ العماني عن معرفة أدباء السلطنة تتحمل قسطه الوافر المؤسسات الرسمية و الأهلية المعنية بالجوانب الثقافية والأدبية والتي ينبغي أن تكون داعمة للثقافة عامة وللأدب خاصة، ويشكل الإعلام أحد أهم تلك المؤسسات؛ فهو همزة وصل مباشرة ومؤثرة بصورة كبيرة للترويج لذلك العمل الأدبي ولمعرفة ماهيته والانغماس في تفاصيله التي تنسجم فيه الأحداث السياسية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية والدينية، بأسلوب مسؤول يمكن من خلالها بناء قاعدة شراكة مجتمعية تقي النسيج الاجتماعي من شبح الاقتتال أو القطيعة بين حاضره ماضيه، أو بين شرائحه المتباينة في الأعراق والأجناس والأديان، كما أن من بطن الروائي يمكن الوصول إلى إنتاج درامي بمواصفات دولية ومعايير عالمية في مختلف المجالات، فنجد مثلا أن "الأسكندر المقدوني" تناولته العديد من الروايات العربية والأجنبية العتيقة والحديثة، ليخرج لنا في باكورة عمل فني درامي تاريخي عالمي، وكذلك قصة "محمد جودا أكبر" الفلم الهندي الذي مزج بين الحب والعشق وسماحة الأديان وتم تطعيمه بالكثير من قيم المواطنة الهندية بشكل خاص والسمات الإنسانية الحميدة بشكل عام.
وفي الختام... نحن نثق بأقلامنا العُمانية كثقة عاهل البلاد المفدى الذي ما فتئ يوما عن دعم المبدعين من أبنائه الكرام، فهذا الوطن يملك أفواجا من المنتجين (الناضجين) المسلّحين بأقلام تسطّر لهذه الأمة العمانية  أمجادها وجمالها وفنونها الزاهية، لكن هذه الأنامل بحاجة ماسة إلى دعم المؤسسات الرسمية والأهلية ورجال الأدب ورجال المال والأعمال، فهم عُصارة انتظار طويل لهذ البلد الطيب، فاحتضنوهم وقدّموهم للجمهور العُماني والعربي وأعيدوا الثقة الى أنفسهم فلربما يكونون بعد حين نجوم عالمية ساطعة في سماء الإبداع.        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق