كثيرة ٌ هي حَكوات الشّايب خلفان حينما نُمهِّد له
عقولنا، ونذَرعُ له أكُفّنا، ونقدّم له آذاننا قُربانا لما يتفوّهُ به لسانهُ
السليط عن رحلاته البطُّوطية التي لا تنتهي عن سرد مغامراته السّندبادية التي جال
بها أقطار الخليج وشذرا من دول جنوب شرقي آسيا والهند وما حواه القلب واستطربته
النفس، فتارة يولّي وجهه شطر المشرق والمغرب لكسب المال وحينا طمعا في الحسناوات
وحينا آخر لأمر لا يزال يخفيه في بطنه وهو يتوسّد مقولته المشهورة "يالربع...
عقب الزمن بنحتّ لعلوم"، لكن الشّايب خلفان كان يُملئ عرصتنا ببحر من الظُلمات
حينما يبدأ يُجدّف عنوة في المحيط السياسي لكثير من أقطار العالم التي شدّ الرحال
إليها، وكما يُقال من سمع ليس كمن رأى، فكنتُ أرى أن هذا الرجل المُخضرم يلتحِفُ
بين غمضة عين وانتباهتها لسعاً مقصوداً في قرع طبول التفاخر والتباهي بالفكر
السياسي لبعض دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت عُمان على حد قوله "دُرَّة الفِكر
السياسي بالمنطقة"، كنتُ كثيرا ما أنشحُ الابتسامات الماكرة التي يخالُها جمعٌ
غفير من السُّخرية المبطّنة – على حد تعبير رئيس الوزراء العراقي السابق إياد
علاوي-؛ فكما يُقال وبتحريفٍ قليل:" السَّبالة في عين أمها غزاله" فكلٌ
يغنّي على ليلاه، وكلٌ يرى نفسه "شعبُ الله المُختار"، وكلٌ يتبجَّحُ أن
لو كان العالمُ بأسره يقتفي أثرهُ لكُنَّا نتضلَّعُ بحياة الصحابة الكرام.
كل مساءٍ أخرجُ من مجلس الشَّايب خلفان الذي أقعده الهَون
وأستأَّسد عليه الكِبر عتيّاً وتناثرت شُعيراته المُتهالكة لتُنزِن عليه وقاراً
جليلاً يُخفي ورائه حِكايةٌ وألف حِكاية، كُنتُ كل مساءٍ أترقَّبُ رسولاً يُفتِيني
في بعضٍ من نشازِ الفِكر الذي بدأ يُعسكِرُ في ثغورِ عقلٍ أهلكتهُ تناقُضات فاضحة
فِيمن يمتدحهم ذلك الرجُلُ المهيب والذي نتسمِّرُ بين قدميه ليُمطر علينا وابلاً من بطولاته الفريدة في مجد ثُلّة من الأُمم التي
خلت وحملت معها صُنوف العذاب والإنجاز على حدٍ سواء في بناء مجلس التعاون الخليجي
منذ الثمانينيات وحتى آنه.
حينها اتخذتُ قراراً أن لا أُصدّق الشّايب خلفان فيما
يقوله، وأعلنتُ لمملكة قلبي وعقلي أن أُسطِّر وقائع الأحداث كما هي؛ فقد عَلَّمنا
التاريخ أن المستقبل يُبنى بحاضِرهِ، وأن مؤشرات الحاضر هي ترجمةٌ حرفيةٌ للماضي،
لكن بالمُقابل يُعلّمنا التاريخ أن (الأنا) دائما لا يكلأُ بخيرها مستقبلٌ زاهر،
ولا يُستأمنُ بها حاضر، ولا يُتعلَّم من خلالها بماضي الأمم والشعوب؛ وعلى ضوء ذلك
فقد شكلت دول الخليج العربي أنموذجاً فريداً في العِقد العربي المُتناثِر والمُتناحر؛
فهي سلّةُ الأموال الموهوبة، والبقرةُ الحلوب لاقتصاديات عدد غفير من دول العالم، أضف
إلى أنها تحتضنُ إرثاً حضارياً وثقافياً ودينياً جسيماً في قلوب الأمة العربية
والإسلامية والعالمية، كما أنها محضُ صراعات وتجاذبات بعضها واقعي ساهم في الحفاظ
على كينونته وديمومته المستقرة بينما كان البعض الآخر منها يحمل بين ثناياه ازدواجية
في المعايير وأهداف (بلطجية) لا يُعرف لها آلهة ولا شيطانها المريد.
لن أستطرد القول هنا في تجسيد المشهد الخليجي بقدر ما
أنني أودُّ أن أربط بين ما قاله الشّايب خلفان وبين واقعنا الخليجي الفاضح في
المنطقة؛ فقد عانت دول المجلس ويلات الإرهاب – كل حسب تعريفه لهذا المصطلح المطّاطي-
لكن ما أهلك الحرث والنسل ودمر البشر والحجر والمدر كان تحت الضوء وخطاً أحمر
للنفور ضده في سبيل دفع ضرره وتحقيق الأمن الاستراتيجي في المنطقة، لكن المتتبّع
للفكر السيادي الذي انتهجته بعض دول المجلس عن أقرانها لأهداف وغايات مستقلة كان
مثار استغراب واستهجان من بعضهم البعض بدعوى أن ذلك تدنيسٌ لقداسة الشراكة
الخليجية والمصالح المتبادلة، ولكن ظل الحال على ذلك منذ تحرير الكويت وحتى عهد
قريب.
شكلت إيران وبعض الأنظمة العربية التي ثارت ضدها الشعوب
وأدخلت المنطقة في غوغائية سياسية وانفلات أمني مُخيف وتدهورٍ اقتصادي كاسح هاجساً
مُرعباً لدول المجلس، وأثخن المشهد المصري الجُرح الخليجي البليغ وبالأخص وجود
الإخوان المسلمين في الساحة السياسية وانتشار نفوذهم في خارطة الطريق بعد سقوط
فرعون مصر السابق ، وجسّد الوجود الإخواني في المستويات الرفيعة من خلال رئاسة
الجمهورية واكتساح شبه كامل لمقاعد مجلسي الشعب والشورى تحديا لبعض التوجهات
السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي كانت قد خسرت الرهان بسقوط أوراق التوت بسقوط
حسني مبارك وزمرته وبعض الحلفاء في المنطقة؛ فكان تسارع المواقف بهذه الطريقة مثار
قلقٍ كبير لمستقبل التغلغل السياسي السعودي والإماراتي في المنطقة وإيذانا بليّ
الذراع لوضع (الكلبشات) على تلك اليد الطولى التي كانت – برأي بعض المحللين – منبع
الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في مصر، وهنا برزت في الساحة صورة مُغايرة
لاحتواء الموقف بطريقة كسر العظم للإخوان وبعض الحركات الدينية والوطنية في لبنان
وعلى رأسها حزب الله وبعض الفيالق التي تتهمها السعودية وعدد من دول المجلس بأنها
(أذناب) محسوبة على إيران العدو اللدود للمملكة العربية السعودية والبحرين بالدرجة
الأولى، فكان حريٌّ ببعض دول المجلس التى ترى أن القيادة (السيادية) تعود لها أولا
وأخيرا وأنها أهل الحل والعقد في أمورهم أن تُعيد بناء بيتها المُهترِ من خلال
تشكيل جبهة مضادة لإيران والإخوان وبعض الحركات الدينية والوطنية في لبنان وسوريا
واليمن والعراق وفلسطين؛ باعتبار أن الثقل العربي في مصر قد أصابه الوهن وخارت
قواه وأصبح قاعا صفصفا، وتجسدت المرحلة الأولى لهذا المخاض العسير من خلال طرح
مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في تحقيق ما عُرف آنذاك "بالاتحاد
الخليجي" وهنا نذكر قول الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي حينما قال
بالحرف الواحد والذي نشرته جريدة عُكاظ في الخامس من مارس/آذار :" الاتحاد
الخليجي سيقوم قبل القمة القادمة أيّا كانت الظروف"، فكانت تلك النبرة تشيء
برسائل تحدٍ واصرار وإثبات للذات وعودة إلى لغة "الأنا" التي بدأتُ بها
المقال، وقطعا كان هناك رفضٌ عماني صريح وجريء لاعتبارات سياسية واقتصادية
واجتماعية وأمنية؛ إذ أن الأخيرة كانت ترى أن هذا القرار غير المسؤول ما هو إلا
"مُغامرة سياسية" ستلتهم الأمن الاستراتيجي لدول المجلس؛ في ظل غياب
الثقل العربي بمصر التي كانت بوصلة الثقل السياسي والأمني للكثير من القضايا
العربية المصيرية، وفي ظل تقارب أمريكا والغرب مع ايران، وفي ظل الانفلات السياسي
والأمني لكثير من بلدان العالم العربي، كل تلك المؤشرات أعطت الفكر السياسي العُماني
توقعات بعدم تحمُّل المنطقة لأعباء ومُمارسات غير واقعية، فكانت عُمان الشغل
الشاغل لكثير من الكُتّاب والأدباء والمحللين والسياسيين وكثير من الأكاديميين
والباحثين الذين مقتوا هذا الموقف ورأوه خروجا عن يد الجماعة، وكسر للعمود الفقري
الذي كان يتصلّبُ عليه البيت الخليجي شعوبا وحكومات.
أطلّ علينا شهر مارس بتناقضات وازدواجيات في الأهداف
والمواقف تجلّى بعد حين في الممارسات؛ وللأسف هي تناقضات قاتلة تُعزّز من غرز
الخنجر في الخاصرة الخليجية، وتُأجِّجّ بوادر العُنصرية والقبليَّة وتدقُّ أبواق
حميّة الجاهلية الأولى، وتُعظِمُ من بؤس ويأس المواطن الخليجي المُتطلّع لاقتصادٍ
خليجي عالمي، وتنميةٍ رائدة ٍوانتاج إبداعي يُشار له بالبنان، فكيف يمكن أن يستوعب
المواطن الخليجي هذا التناقض في بعض القرارات التي تلهث إلى نسف أمن المنطقة من
خلال تجريم وتحريم القتال ضد الحكومة أو المُحتل أو الفصائل والمذاهب وغيرها ممن
المِلل والنِحل في ظل تغذية فكر الشباب وعقولهم بمسميات الجهاد لعقود من الزمن،
وتسويق كثير من رجال المال والدين في التغرير بالشباب للزجّ بهم في يرونه وقوف ضد
سُلطانٍ جائر، أو دفاعا عن الأرض والعرض لعقود من الزمن، وبين غمضة عين وانتباهتها
يُمهل أولئك الشباب (15) يوما للتوبة والعودة إلى الرُّشد وإلا فهو ممن يُباح
دمه؟!، ثم كيف للمواطن الخليجي أن يستوعب ماهية السيادة التي يتمتع بها كل عضو من
دوله الستة في علاقاته الخارجية وأمنه الداخلي بما يُحقِّق المصلحة العامة دون
الضرر بالمنطقة في ضوء سابقة لم تحصل في تاريخ دول الأعضاء بسحب سفراء السعودية
والإمارات والبحرين من قطر وهو عضو فاعل في المنظومة الخليجية؟!، وحينما يتم التبجّح
باتفاق الرياض فلماذا تُقدِّم السعودية والإمارات والكويت أموال قارون من خلال الدعم السخي والمنقطع
النظير للسيسي وحلفائه، ولماذا تكون تلك الدول بقرةً حلوباً للجماعات الدينية
والوطنية المعلوم منها والخفي في سوريا ولبنان واليمن وبعض دول المغرب العربي؟!،
كما يتبادر للمواطن الخليجي سؤالا لمن غامر بسحب التمثيل الدبلوماسي من دولة قطر
إن كانت التراتيل التي تُنادون بها أن الأخيرة قد خرجت عن بنود اتفاق الرياض الذي
وقعته الدول الستة فلماذا لم تتوافق معكم مواقف عُمان والكويت؟!، وإن كان الأمر مُتعلّقٌ
باستقبال وفود من بعض القيادات السياسية والفكرية لحركة الإخوان المسلمين – الممثل
الشرعي للشعب المصري من وجهة نظر قطرية – فلماذا تستقبل الإمارات السيسي المرشح
القادم لرئاسة الجمهورية بنسبة (99.99%)
كعادة تنظيمات القيادات العسكرية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العالم
العربي؟
إن ما تمر به دول الخليج العربي هو مغامرة غير مسؤولة ولن تنفع أحد أبدا،
بل تعدّى الأمر من السياسة إلى الرياضة وقد تطال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية،
وكأن لسانُ حال الأخوة في السعودية والإمارات والبحرين :"إن لم تكن معنا فأنت
ضدنا" وعلى قولة إخوانا المصريين "يا أبيض يا إسوِد" وهذه سياسة
عاشرتها دول وأمم ذاقت وبال أمرها، فسياسة استعراض العضلات وليّ الذراع وكسر العظم
والتأديب هو استحقار للدول الأخرى واستهانةٌ بسيادتها ومكانتها الإقليمية والعالمية،
كُلّنا يُشيد بسياسة المملكة في تصحيح مسارها والسعي إلى لملمة الأوراق وقراءة
المشهد برؤية ثاقبة مسؤولة، لكننا لا نرى في مثل هذه التصرفات التي حدثت وتبعاتها اللاحقة
أي مبرر؛ فهي لا تخدم مسيرة التنمية الخليجية إطلاقا، وثقوا دائما أن إصلاح العقول
أثخنُ أمراً وأعسرُ دهراً من إصلاح القلوب، فلا تُأجِّجوا بين شعوب الأمة الخليجية
في سبيل تحقيق مآرب شخصية ونزعات قبلية ومشيخية.. وربما أرجع للشّايب خلفان هذه
المرة لأحكي له بحسرةٍ وانكسارٍ ملحمة المواطن الخليجي الذي بدأ مشوّشاً يهيم على
وجهه في الفيافي والقِفار، يُسامر ربوته وهو يُغرِّد:" عَلى هُونك يا
خليج العرب ..عَلى هُونك".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق