في مقال سابق بجريدة الرؤية وبالتحديد في يوم الاثنين (27 يناير/كانون الثاني/2014)
كتبتُ مقالاً بعنوان "داود الشريان سكت دهراً ونطق عقلاً"؛ فقد بعث
الشريان ومن خلال عفويَّة انفعاله رسائل عديدة تُنبأ بخطورة تمزيق النسيج الوحدوي
الاجتماعي والثقافي والديني للمشهد السعودي آنذاك إبان إصدار بعض الفتاوى الجهادية
ممن سمّاهم مثل: (العريفي، والعرعور، والعودة) وهي رسالة تحمل بين ثناياها أبعاد واتجاهات
متعدد الجوانب، واليوم وفي فترة حرجة يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة من مذابح
وحشية تقوم على القتل والحرق والتمثيل بالبشر ووئد الأطفال واغتيال الحياة بكل ما
تحمله الكلمة من معنى برزت لنا حقيقة ما تحدث به الشريان آنذاك، وأتذكر حينها أنني
تلقيّت اتهامات مُتباينة من مختلف الأقلام الفكرية وعلى رأسها الأقلام التي تنتمي
إلى المدارس الأصولية والدينية التي يمضي بعضها خلف القطيع دون أن يكون لها موقف
حقيقي مما يحدث في الزجّ بالمنطقة والشعب العربي الذي يمثل (60%) منهم من فئة
الشباب والانتاج إلى مستنقعات الاقتتال وإدخاله في أنفاق مظلمة، بل إن هناك من أوسمني
بالعلمانية وبعضهم هددني بأنني في آخرتي سأتجرع سُمَّا قاتلاً يوم القيامة باعتبار
أن لحوم العلماء مسمومة!، حينها لملمتُ أوراقي وحاولت أن أُكفِّر عن ذنبي الذي
ارتكبته وأنا أتساءل هل سأندم يوماً على ما كتبتُ إذا أعلنها أصحاب الفضيلة
المشايخ الكرام جهاداً مُقدَّساً لتحرير حرائر العرب وأوطانهم ممن يقتلعون كبد
حمزة ويمغضونها كل أُحُدٍ بشراهة وشهيِّة؟!.
بدأت أُمنِّي النفس وأُقلِّب الصفحات
الرسمية في الفيسبوك وتويتر لعمالقة الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر، الشيخ يوسف
القرضاوي، والشيخ محمد العريفي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ عدنان العرعور،
والشيخ عائض القرني، والشيخ حسن، والشيخ الزغبي، والشيخ الدمشقية، فوجدت صفحاتهم تستمطر
حديثهم بالدعوة والفتوى للجهاد في سبيل الله ضد الراحل صدام حسين والرئيس بشار
الأسد، وتُهاجم فلول الداعشيين والطالبانيين والقاعدة، وهناك استنهاض رهيب لنُصرة
المسلمين في بورما والشيشان وغيرها من أصقاع العالم، ثم عرَّجتُ إلى بعض صفحات
العلماء اللامعين في الساحة كآية الله السيستاني، وآية الله عبدالعزيز الحكيم،
وآية الله مقتدى الصدر، وآية الله حسن نصر الله فوجدتها تثجُّ وتعجُّ بفتوى تدعوا
إلى تحرير دمشق من الاحتلال (السلفي) وتطهير العراق ممن يعتدون على قُدسية الوطن
والدين، ونُصرةً لحزب الله والعلويين في سورية بقيادة الأسد، وشذرٌ ومذر من التَّهكُم
والسُخرية على فلول نظام الراحل صدام حسين ومعمر القذافي وتعزيز لنصرة حماس.
وقبل عشرة أيام أو أقل بدأت بوارج القتل
وراجماته الغادرة تدركُّ بيوت الآمنين المُطمئنين في غزة عند إشراقة شمس كل صباح
وحين غروبها، وبدت تتواتر على صفحات الفيسبوك وتويتر ومواقع التواصل الاجتماعي
الأخرى صور مُفزعة ومروِّعة لأطفال تفحَّموا، وجماجم نساء ورجال ورُضَّع تشضّت
وتلاشت وأشلاء متناثرة هنا وهناك، وصيحات وويلات وآهات ومآسي يندى لها الجبين
الإنساني، وبيوت تُردم على رؤوس ساكنيها، ليس إلا لأن الكيان الصهيوني يود أن يُجرِّب
بضعاً من أسلحته الحديثة الفتَّاكة، أو أن يُمرِّن عدداً من جنوده في بيئة حربية
حقيقة، فلم يجد من يقبل أن يكون فأر التجارب سوى عرب غزة ليس رغبةً منهم بقدر ما
هو واقع فرضه ميزان القوى، وفي هذه المشاهد المُخزية نجد أن السيد رئيس الجمهورية
في مصر يُغلق معبر رفح لاستكمال فصول المذبحة على الرغم من صيحات بانكيمون – الأمين
العام للأمم المتحدة- بضرورة أن تفتح مصر المعبر لإيواء من لم تُجزِّرهم آلة الموت
ولتقديم العون للإنسان القاطن في غزة، لكن ظل الواقع كما هو.
وأمام
تلك الفاجعة التي يتغصّص بها المواطن العربي في ظل ترهّل سياسي وعسكري
واقتصادي من حكوماته كان يتوقّع أن يُزلزل (أبطال التويتر والفيسبوك) – على قولة
الشريان- بفتاوى تهزّ عروش شراذمة صهيون، وتبثُّ في قلوبهم الرعب والرهبة؛
ليتقهقروا ولات حين مناص إلى ما كانوا عليه لكن الواقع كان صادما للجميع!، وأمام
هذا الصمت الموحش وانتقادات الجموع العربية لكثير من العلماء والمشايخ الكرام في
موقفهم السلبي أمام مذبحة غزة بدأت أتجوّل بين صفحات من يتصدرَّون المشهد الدعوي
في ساحتنا الخليجية والعربية من مختلف المذاهب، فوجدتها مليئة بالنصائح الرمضانية
والفتاوى الفقهية والصور الطبيعية التي تدعوك للتأمل وبعض من القصائد الغزلية (غير
الفاضحة) وذكرٌ لتاريخ شخصيات إسلامية مختلفة، ولكن أين موقفهم وذكرهم مما يحصل في
غزة؟!، لم أجد من يدعوا لنُصرة سُكان غزة ولم أجد من (يجتهد) لإصدار فتوى تبثُّ
الرُّعب فيمن يقتلون بني جلدتنا ليل نهار، ولم أجد دعوة من شيخ كريم مرموق يدعوا
لعقد قمة استثنائية للدول العربية أو الإسلامية ضمن أجندة منظمة المؤتمر الإسلامي،
ولم نسمع وعداً ووعيداً كما عهدناه في خطب العريفي والقرضاوي والعرعور وحسن نصر
الله وسلمان العودة ومقتدى الصدر وغيرهم كثير، ومن المفارقات أن تتفق تساؤلاتي مع
صور تداولتها صفحات الفيسبوك وتويتر وهي تحمل صور عدد ممن كانوا منبرٌ صحابي يدعوا
للجهاد والثورة وقد كُتب عليها بالحرف الواحد "وما زال البحث جاري عنهم
لإصدار فتوى بتسليح غزة وواجب الجهاد فيها".
جديرٌ بالذكر أن هناك من اتهمني في فترة
سابقة بأنني أُغلظ القول ضد رجال الدعوة والدين في عالمنا الخليجي بالخصوص والعربي
بالعموم، لكنني أجد أن هذا الاتهام لا أساس له من الحق؛ فليس من الغلو في النقد
حينما يجد المواطن العربي أن من أكسته الشعوب العربية والإسلامية ثقتها في تنوير أجيالها
بالفكر المتّزن القويم لكنه يحدُّ عن ذلك ليبدأ
بإرسالهم إلى الموت كالقطعان وهو يرفل بأريكة من سندس وإستبرق!، ليس من الغلو في
النقد حينما نرى من أوكلهم العباد أمنهم واستقرارهم في دينهم ودنياهم بالحكمة
والموعظة الحسنة لكنهم ينزون للدَّعة والدُنيا فيُحلُّ دم من يشاء ويُحرِّمُ من
يشاء وحينما يتعلق الأمر بحُكم شرعي أصيل يتصل بالنُّصرة والجهاد لمن هم أحقُّ
بذلك كما هو الآن في غزة تجدهم يخفون رؤوسهم في الرمال!، نحن ننتقد رجال الدين كما
انتقدنا قبل ذلك الكثير من الأحزاب القومية والعروبية التي أدخلت المنطقة في
مستنقعات مُظلمة منذ العهد الراشدي والأموي والعباسي وانتهاء بالتحرر من يد
العثمانيين والانجرار إلى خديعة الثورة العربية الكبرى (1916م) والتي كانت دوافعها
دينية صِرفة وأُسبغ عليها الديباجية العروبية، وفي الختام نسأل الله أن يفُكَّ كُربة
الأمَّة من عُلماء السُّلطة والمال، وأن يُهوِّن على أهل غزَّة مُصابهم وينصُرهم
نصراً عظيماً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق