الثلاثاء، 26 مايو 2015

داوود الشريان..سكت دهراً.. ونطق عقلاً!!


"أنتم من غرر بأبنائنا ويجب أن تحاسبون ويحاسبكم المجتمع، من الحرب الأفغانية وأنتم تشحنون أبنائنا وتزجون بهم في حروب كافرة لا نعلم من بدأها ومن الذي أنهاها".

 شذرات يانعة تُنبئ بواقع دفين مليء بالأسى والثبور نطق بها داوود الشريان في برنامجه الرائد ضمن ملفات الثامنة التي نتمنى أن نجد أمثاله في كل القنوات الخليجية والتي تستظهر بواطن الفساد وظواهره بكل جرأة ومصداقية ومسؤولية وطنية.

ما لفظ به الشريان ليس هذيان لا مقام له، وليست أطروحات هُلامية (غير مسؤولة)، وليس تصرفا شخصيا (ديكتاتوريا) يستلذّ به شُهرة أو مالا، بل هي حقيقة مؤلمة تنهش العمق الخليجي والعربي والإسلامي منذ عقود، رجال الدين هم بلسم الأمة، وهم صمام الأمان، وفي الوقت نفسه بعضهم هم جحيم لا يُطاق، وقنبلة موقوتة؛ حينما تكون عقولهم وقلوبهم مدفوعة بأهواء ورغبات و(غرائز) ما أنزل الله بها من سلطان، وكما أُثر أن الوقوف في وجه سُلطان جائر هو من ضروب الجهاد، فكذلك الوقوف في وجه (مطوع) يغلو بالدين أيضا جهاد – وليست هذه فتوى بقدر ما هي نسبة وتناسب-.

 لقد كشفت الأزمات المتوالية في أفغانستان، والعرق، وليبيا، وتونس، ومصر، وسورية تورط بعض رجال الدين بدسّ السمّ في العسل والتغرير بأعداد غفيرة من الكوادر البشرية المنتجة في الخليج إلى حطام الحروب والقتل والتشرذم باسم الجهاد والتحرير، والوعد بجنات النعيم التي وعد الله بها عباده المتقين، فشهدنا ملحمة طاحنة من الاقتتال المذهبي والطائفي، تخطّاه في بعض الأحيان إلى القتل بالهوية والأسماء الموالية والمعارضة، بل وصل الحال في بعض الأحيان إلى اجتثاث جذور اللحمة الوطنية كما في العراق ولبنان والآن في سوريا؛ فأصبحت كالقطعان المساقة للقتال باسم العروبة، أو الدروز، أو الأكراد حينا، أو الشيعة، أو السنة أحيانا أخرى، أو المسلمين، أو النصارى وغيرها من الملل والنحل، وكان وقود هذه الحروب أفكار مسمومة، وآراء غير مسؤولة، ومساومة بحياة الناس التي حرّم الله قتلها بغير حق، وما شهدناه في الفترة الأخيرة من (تجارة) بالفتاوى من بعض رجال الدين في الخليج والذين يُشار لهم بالبنان ماهي إلا وخزات قاتلة ستكون وبالا ونكالا في وقت لاحق؛ فلربما تظهر بواطنه جليا بعد حين في زعزعة العمق الخليج وانعكاس ذلك على اللحمة الوطنية في الأمن الاستراتيجي، والانسجام الثقافي والاجتماعي، وقد يعتري وشائج الانصهار المذهبي والديني شيئا مما لا يُحمد عقباه.

إن ما تتطلبه الأمة في وقتها الراهن جهدا مضاعفا من رجال الدين في أن يكونوا اليد الأخرى التي تصفّق مع رجال السياسة والاقتصاد؛ لبناء قواعد متينة من أجل تحقيق اتحاد خليجي مكين، يُشكّل بمكوناته البشرية والاقتصادية طوق الياسمين لحل الكثير من القضايا الإقليمية والعالمية، لا أن يكون جزء من المشكلة ويكسي نفسه بالشكوك لأطراف النزاع في ما يشهده الوطن العربي؛ فيفقد بذلك جسر التواصل مع أقرانه ومحيطه العربي والإسلامي، ويظل في بعبع العزلة الدولية بعيدا عن أن يكون رقما مهما في المنظومة السياسية والاقتصادية.

ولو تمعنّا في الأمر جليا وقمنا بعلمية حسابية لكل الأفواج (الجهادية) كما يراها السادة رجال الدين لوجدنا أننا قد خسرنا في المستنقع الأفغاني، وخسرنا في المشهد العراقي، وخسرنا في (كنتونات) الثورات أو النعرات – كل حسب رأيه- العربية في تونس وليبيا ومصر، وكذلك خسرنا التقارب العرقي والطائفي في لبنان منذ اتفاق الطائف – والذي تتغنى به بعض دول المجلس كباكورة نجاح باهرة- فجعلناها مع أصدقاءنا الأمريكان والأوربيين ساحة تصفية الحسابات المقيتة وسلبناه ديمقراطية وسيادته المقدسة.

والآن نجد انسلاخا من الدور الاستراتيجي للتأثير الخليجي في المشهد السوري؛ وهو ما نطق به الشريان بخطورة زج الشباب السعودي بصورة خاصة والشباب الخليجي بصورة عامة كالقطعان إلى مسالخ الذبح وتعميق الاقتتال الداخلي بأرض الأمويين، فمن الأجدى أن يكون رجال الدين  طوق النجاة للأمة من العبث الفكري والخواء العاطفي؛ لتملأ قلوب شبابها بالطاعة والرحمة، وتُعمّق عقولهم بالتبصّر والتفكّر في مصالحها ورقيّها، فلماذا نعيب على الغرب في محاولاتهم المتكررة في تدنيس صورة النبي الكريم بكاريكاتيرات تُجيّش على إثرها عواطف الملايين من الأمة لتكون ردة فعل غير مسؤولة، وفي المقام ذاته ينادي بعض فقهاء هذه الأمة ومن هم يحملون رسالة نبيهم على منابر الجُمعة وعبر القنوات الشخصية والمحسوبة بأن تُسفك دماء المسلمين أو من يعيش بينهم من الملل والنحل برابط الوطنية الواحدة!، فتجده ينادي بالجهاد في قتل الأبرياء وتشريد النساء وتقطيع أواصر البراءة التي تتوشّح جمال الطفولة باسم المذهب أو الطائفة او العشيرة أو الحزب، دون الاكتراث بتبعاتها الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية.

إن هذا القطر من الوطن العربي تقع على عاتقه مسؤولية جسيمة بضرورة التروي في اتخاذ القرارات، فليس من المنطق أن تُغدق الأموال دون توقف في سبيل تحقيق الأناة وإثبات الوجود فتأخذهم في ذلك العزة بالإثم، وليس من الإنسانية أن نُقامر بحياة الشعوب وسيادة الدول بمحكّات مقيتة منطلقها المذهب أو الأجندة الخارجية، وليس من الدين في شيء أن تُباع الفتاوى بجرة قلم على (شيكات) مفتوحة بما تستلذ به الأفئدة وتقر بها الأنفس.

وفي الختام.. إن شباب الخليج يُجلّون علمائهم ومشايخهم ومن يلتحفون بجودة الفكر وصفاء القلب ونقاء السريرة في تفسير المواقف والأحداث بصورة تربط بين الدين والدنيا، وتقدم مصالح الإنسان أيّا كان؛ فقد جُبل المرء على حب الحياة والعطف على الآخرين، فلا تجعلوهم يُخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين بتصورات وآراء ما أنزل الله بها من سُلطان، ولا تلقوّنهم بعنجهية التحزب المذهبي أو الطائفي؛ فلقد أوكلوكم ثقتهم فلا تخسروها، وكونوا كما عهدناكم قدوة حسنة ننهل من جنان خلقها عبير الحياة، ونسلتهم من عبقها معنى الإنسانية، فلا تُوردوهم مورد الكفر والشقاق والنفاق؛ فتُفتح بذلك أبواب الجحيم، وتستعر أتون المجازر والمذابح، فنفتح على أمتنا وأجيالنا مزابل القرون الوسطى من جديد، فشكرا .. ثم شكرا ... داوود الشريان؛ فقد سكت دهرا ونطقت عقلا!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق