ما الذي يجري في العراق؟!
سؤال فرض نفسه وبقوة في الساحة السياسية العراقية
والعربية والعالمية على حدٍ سواء، ويبدو أن المُستنقع العِراقي أصبح أكثر وحلاً، وبدا
يتراءى للمواطن العِراقي والعربي أن المواقف السياسية المُتشضِّيَّة في أرض الرشيد
ألقت بجَملِها وحِملها على الواقع الميداني بقسوة وعنف شديدين، قد يكون العقد
المنصرم من تاريخ عراق الأمريكان خلق ماكينات نشِطة تُفرِّخُ للمواطن العراقي مملكات
من الإرهاب والقتل والتصفيات المتباينة في مُسمّيات الهُلامية المتلوّنة كالحرباء
لكنها تنسجم مع بعضها البعض بأن يخرج المواطن وفي يده اليمنى شهادة وفاته وفي
الأخرى نعشه الناصع كالثلج دون أن تدنّسه براثن الخيانة!!.
ما الذي يجري في العراق؟
سؤال سمعته
مراراً وتكراراً ممن يُتابع القضية العراقية باهتمام وشغف، فحينما كنتُ أستمع
لإذاعة (BBC) انتابني
شعور خجلٌ حينما تهاوى على الزاوية الأخرى من العالم امرأة عراقية تنتحب على ناقل
الصوت (الميكرفون) كمداً وغيظاً ويأساً من أن تُسيطر شِرذمةٌ من هواة القتل
والتكفير على محافظات عريقة كانت ولا تزال ولاّدةٌ بقادة عِظام تولّوا قيادة أركان
الجيش العراقي منذ نشأته (1921) وانتفاضته ضد الاستعمار الإنجليزي فيما عرف آنذاك
باسم "فوج موسى الكاظم" الذي تقلّد وسام تطهير العراق من (علوج) الاحتلال
البريطاني ومن شاطرهم بخراب البلاد، فكانت تلك المرأة المُسجّى صوتها المنتحب على
(أصماخ) العالم تتساءل بحرقة ومرارة كيف يمكنني أن أستوعب حقيقة قدرة الجماعات
المسلّحة المتطرفة في تحقيق انحسار حقيقي للقوى العسكرية بقيادة الجيش من
"نينوى" و"تكريت" و"صلاح الدين"
و"بعقوبة" و"الموصل" ووصولهم إلى تخوم "بغداد" في
ظرف أسبوع واحد مُتخطية في ذلك كل المجد والإرث التاريخي للجيش العراقي الباسل
الذي ظل رقما صعبا ضمن المراتب العالمية الأولى طوال عقود من الزمن وكان يشار له
بالبنان؟!، كانت تتساءل وشآبيب الأسى تتقاطر من وجنتيها الشاحبتين كيف يمكن لي أن
أستوعب أن واقع القوة لثلة من المراهقين يدخلون محافظات بأكملها بعنفوان النصر في
ظل وجود ثلاثة ألوية عسكرية ثقيلة كانت ترابط فيها وبكل سهولة تتقهقر أمام زخّات
الرصاص الخجول الذي (تلعب) به "داعش"؟!
تساؤلات عفوية وواقعية طرحتها زفرات هذه المرأة التي لم
يرحم شبابها نسيم الرافدين، ولم تكلّ أو تملّ زعاماته السياسية عن التناحر
والتنابز بالألقاب وهم يقرؤون قول ربهم "ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم
الفسوق بعد الإيمان"، لكن بعيدا عن جبر الخواطر ودغدغات المشاعر الجيّاشة
لابد أن نقرأ الواقع السياسي بجدٍّ ومسؤولية وخاصة حينما يتعلق الأمر بمكانة الجيش
الوطني الذي يُعوًّل عليه أن يكون الحَكمُ والفَيصلُ في الذَّودِ عن الوطن
والمواطن عندما تتناحر الأفئدة وتصدأ الأفكار وتتشضّى الرؤى.
يُقال في المثل العربي "على نفسها جنت براقش"
وذلك ما ينطبقُ على المنظومة السياسية لعِراق ما بعد غزو (2003)، فالمتتبّع لحقيقة
انفلات المؤسسة العسكرية العراقية من الجيش والشرطة والقطاعات الأخرى، وتقهقر أعتى
القوات العسكرية فالجيش مُتمثّلة في ثلاثة ألوية لضباط الأركان بمحافظة
"نينوى" و"تكريت" و"الموصل" ووصولهم إلى تخوم
"بغداد" يبعث في النفس الكثير من التساؤلات، كما أنها تُظهر مدى هشاشة
التأسيس الاستراتيجي لجيش ما بعد الاحتلال، علاوة على أنه يُبرز الكثير من الحقائق
الدامغة حول عمق التغلغل للفساد في
المؤسسات العسكرية الجديدة؛ وما تشهده محافظات العراق اليوم من تشرّب مُخيف
للجماعات المسلحة ما هو إلا نتيجة حتمية للخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه القائد
المدني للعراق آنذاك "بول بريمر" بحل الجيش العراقي ما قبل غزو (2003)
بإيعاز من صقور وحمام الكونجرس ورئاسة الأركان للمؤسسة العسكرية بالولايات المتحدة
الأمريكية، وبمباركة (مُسلَّمة) لبعض القيادات العسكرية والسياسية والنفوذ
العشائري والطائفي لبعض شيوخ وأعيان المحافظات، فالولاء البعثي للقيادة القُطرية
بالجيش العراقي السابق كانت هاجساً يُقلقُ مضاجع الأمريكان وحلفائها؛ إذ لا يمكن
للتاريخ أن يتجاهل القوة الضارية للجيش العراقي منذ تأسيسه (1921-2003) الذي امتلك
رصيداً كبيراً من الخبرة والتكتيك والعِدّة والعتاد في ظل مشاركاته المتوالية منذ
تطهير البلاد من أرجاس الإنجليز، مروراً بحرب الإثبات إبان الاحتلال الصهيوني
لفلسطين (1948)، وحرب الاستنزاف أو ما عُرفت بحرب الخليج الأولى ضد إيران
(1980-1988) والتي استنزفت من مقدرات الشعوب ثمان سنوات تخللّها عشرات الألوف من
الضحايا والأموال واندحار مظاهر التنمية، ومروراً بحرب الخليج الثانية (1990-1991)،
وانتهاء بغزو العراق في (2003)، ناهيك عن المناوشات الداخلية التي كادت تعصف
بالبلاد نحو حروب طائفية أو عرقية ضروس، لكن جيش ما قبل غزو (2003) كان رقماً صعباً
في المنظومة الاستراتيجية الوطنية والعالمية، كما كان يُنظر له بعين التقدير
والاحترام ولم يكن هناك موضع قدمٍ لسياسة (الخصخصة) في تشكيل المؤسسات العسكرية
بوجه عام والجيش بوجه خاص فكان محل ثقة الجميع.
لكن المُتتبّع لطبيعة الجيش الجديد للعراق يلحظُ أنه
اعتمد على قاعدة هشّة؛ حيث راهن على ورقة محروقة من خلال (خصخصة) الفِرق والألوية
والقيادات بمُسميات مذهبية وعِرقيّة وحزبيّة عمًّقت الجُرح الطائفي فالبلاد وغذَّت حَمّامَات الدَّم المُنتشرة في ربوع
البلاد أصلاً، وربما كانت خلايا الانشقاق في الولاء العسكري إبان فترة حكم المالكي
في الفترة السابقة شبع غائبة، لكن تجديد ولايته للمرة الثانية أظهر شرخاً حقيقياً
في ولاء القيادات العسكرية بالجيش والمؤسسات الدفاعية الأخرى؛ وعلى ضوء ذلك يُمكننا
استيعاب حقيقية كيف يمكن لشرذمة من الهاربين والعصابات أن تدفع بثلاث ألوية يقودها
ضباط أركان سابقين بالانسحاب من محافظات بأكملها في ظرف أسبوع واحد!، كما تعكس هذه
الممارسات على أرض الميدان حقيقة مهمة دفعت بالمالكي إلى فتح المجال لـــ(شحت)
متطوعين للزجّ بهم في مواطن القتال ومن المُستهجن أن جموع المُتطوعين كانوا من
الشيعة بينما كانت كل الاتهامات حول ماهية جماعة "داعش" على المستوى
الرسمي والمجتمعي توصم بأنها من السلفية أو السنة مما يحدو بالمواطن العراقي إلى
تكوين قناعة التحزب الطائفي والسير مع القطعان إلى جنة الجهاد في ظل ما يُغرِّرهُم
به رجالات الدين من (صكوك الغفران) المتلوّنة باختلاف المذهب أو العرق أو الطائفة.
ما الذي يجري في العراق؟
كان يا ماكان في قديم الزمان... أن كلبة تدعى "براقش"
هربت من قبيلة هاجمها قُطَّاع طُرقٍ فقتلوهم جميعاً، ونهبوا خيراتهم، ولم يبقى لهم
سوى كلبة هربت إلى قبيلة أخرى فاستجارت بهم، وفي ليلة ما هجم قُطّاع الطُرق على
هذه القبيلة لكنهم لم يجدوا بها أحداً إذ اختبأ الجميع، وبينما كانوا يهيمون
بالرجوع وهم يحملون خُفيّ حُنين بدأت "براقش" تنبح فتقصًّى اللصوص صوتها
فوجدوا أفراد القبيلة فهاجموهم وقتلوا كل من فيها ومعهم "براقش"، إن هذه
القصة تنطبق أصلاً وفصلاً للمشهد العراقي الحالي؛ فحينما تمكّن المالكي من الظفر بولاية
جديدة لحكم العراق بانتخابات ديمقراطية (خاصة) لا يفقه كُنهِهِا إلا العرب من خلال
الحصول على نسب عالية تصل إلى أواخر التسعينات بالمئة كنسب الطلبة المتفوقون في
نتائج الثانوية العامة وذلك أمرٌ مفروغ منه، لكن استمرار تغذية ولاء العسكري
بالطائفة أو المذهب أو الحزب أو العشيرة خط أحمر يقدحُ في شرف وكرامة العسكري الذي
يجب أن يُطعَّم بقُدسيَّة الوطن والذَّودِ عن أراضيه، وما شهده العراق في الفترة
المنصرمة إبان حكم المالكي يبدو أنه لم يتعلّم الدرس إطلاقاً، بل استمر على حاله
حتى بدا يستشعرُ فقدان الثقة بينه وبين كثير من الألوية الرفيعة في الجيش وذلك ما
سمعناه من أحد ضباط الأركان عبر أثير (BBC) وتناقلته مختلف وسائل الإعلام حينما قال بالحرف الواحد: "ما
نشهده ربيعاً عراقياً للتحرر"، أظف إلى أن نائب الرئيس العراقي السابق (طارق
الهاشمي) كان يُندِّدُ بالسياسة الانتقائية لمؤسسات القطاعات العسكرية بالدولة
ووصف هذه الممارسات بأنها: "صبُّ الزيت على النار"، كما أن (هيلاري
كلنتون) اعترفت إبان تدشين كتابها الذي يسرد يومياتها - في ظل الترويج القادم
للترشح في قيادة الولايات المتحدة الأمريكية خلفاً لأوباما - قالت أن من أكثر الأخطاء فداحة لنا في العراق هو
تسريح الجيش العراقي والذي تُقدّر قوته البشرية
قبل الغزو (820600) في الخدمة و(342212) في الاحتياط من العسكريين، ناهيك
عن مئات الآلف من الجنود المدنيين في مختلف القطاعات.
وربما يتجلّى للمراقب من خلال دعوة المالكي للتعبئة
العامة وفتح باب التطوع – كما سمّاه- للانخراط في الجيش والزجّ بالمواطنين إلى
مرادم الهلاك وجعلهم دروعاً بشرية باسم المذهب في المقام الأول والعشائرية في
المقام الثاني والولاءات الخارجية في المقام الأخير إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية:
المؤشر الأول: أن حكومة بغداد لم تستطع منذ (2003- 2014) تأسيس مؤسسة عسكرية حقيقة تدافع
عن حياض الوطن والمواطن رغم مئات المليارات التي ضخَّتها حكومة المركز لخلق ذلك
الجيش المُرتقب الذي ظهر أمام جماعات "داعش" خانعاً هلامياً لا يقوى على
حرب العصابات التي تشنّها الجماعات المتطرفة.
المؤشر الثاني: يظهرُ أن المؤسسة العسكرية (المُوحَّدة) - كما يزعمها المالكي وبعض القيادات
السياسية الأخرى- قد بدأت بالتصدّع وسحب بساط الثقة والولاء لسياسته المهترئة على
الصعيد الأمني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي في ظل خطاباته الثورية والانتهازية
المتكررة بسمّاعة الإرهاب؛ ولا أدل على ذلك خروج بعض التصريحات من قيادات قُطرية
بارزة في الجيش تحمل بين ثناياها رسائل مبطّنة توحي بحجم المواقف والأزمة، أظف إلى
ذلك خشية حكومة بغداد من إمكانية وقوع اختراق جسيم في الجيش وربما ذلك أقرب
للحقيقة في ظل تراجع ثلاثة ألوية يتزعمها ضباط أركان لهم باع طويل في الخبرة
العسكرية والقراءة الاستراتيجية للأحداث والمواقف الحربية؛ وربما ذلك ما دعا إلى
أن نسمع خِطابات المالكي وهي تستجدي (تتسوّل) قِطعانٌ من المواطنين للزجِّ بهم في
القتال على الرغم من أن الجيش العراقي في أعتدى ظروفه وحروبه الطاحنة والتي كان
أشدّها حرب الاستنزاف ضد إيران (1980-1988) لم يصل إلى هذه المرحلة من الدروشة
والافتقار.
المؤشر الثالث: يبدو جليّا وجود نفور عشائري وقبلي في مختلف المحافظات من السياسة
(الهتلرية) التي تنتهجها جماعات المالكي وفلوله المختلفة والتي شوّهت صورة الجيش
العراقي الوطني، فأصبحنا نسمع كثير من مشايخ ورشداء وممثلي العشائر والقبائل في
مختلف المحافظات العراقية وهي تندد بالجيش وتصفه بجيش المالكي أو بأبناء إيران
وغيرها من السِمات التي تجرح في كرامة هذه المؤسسة العظيمة، لذلك نجد أن كثيراً من
العشائر أضحت تأوي تلك الجماعات وتُقدِّم لها الدعم اللوجستي بكل السُبل.
كم يغصُّ لأي مواطن عراقي أو عربي أن يرى مُدن العراق
تتهاوى بيد السَّفًّاحين والقتلة وعُبًّاد المال والمُخدِرات واللصوص، لكن الواقع
يُفضي بذلك ويبعث ببؤس وأسى عميقين، لكننا نرقبُ عراقاً عظيماً كعظمة تاريخه
وأمجاده وقياداته، ما يطلبه العراق اليوم في ظل الاستخفاف بكل مؤسساته وأديانه وأعراقه
وتاريخه وحضارته من بعض المتسلّقين للسلطة هو ثورة شعبية عنوانها المواطنة
المسؤولة للجميع، بعيدا عن وحل التحزُّبات ومستنقعات المذاهب والأديان، ولن يهنأ
العراق برخاءِ العيش ما لم تعد المؤسسة العسكرية بولائها للوطن لا للأشخاص
والمذاهب والأحزاب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق