الإنسانية كلمةٌ مطّاطية حملت بين جنباتِها مدلولات
متباينة عبر الحقب التاريخية المتواترة، فأَينَعت حقائقها وأزهرت حيناً لدى ثُلة
من الأُمم كما هو في عهد نبي هذا الأمة الكريم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم– بينما
شاخت وذبُلت أحياناً كثيرة لدى أمم أُخرى لتُبصِم في جبين الدَّهرِ مآسي مُفجعة
عنوانها القتل والتشرذم والإبادة واللإنسانية كما يرويها واقعنا الحديث في كثيرة من
أقطارنا العربية وحول العالم، ولا يختلف اثنان أن المرجع الأصيل المبني على ثوابت
صحيحة ترتكِزُ على حقِّ الحياة الكريمة وما يتبعها من عطاء وإنجاز تحفظ ماء وجه
الوطن من سرطانات الاحتقان السياسي المُتصلِّب أو النعرات الطائفية والعنصرية المقيتة
فلا يمكن أن يُجانب الإنسان حقَّه والآخرين بنوازع شخصية دون الالتفات إلى جزرة
الحقوق وعصى الواجبات التي يتسيَّدُها القانون العادل.
ربما شاء القدر أن تُدوِّن منطقتنا العربية ملحمة مؤلمة
للتاريخ الإنساني العربي في العصر الحديث بُعيدَ نفض غبار الثورات العربية ضد
الاستعمار الخارجي، لنشهد صورة ضبابية لثورات كان باطنها الرحمة لينجلي ظاهرها
العذاب، فقد تعلّمنا منذ عهود عن ثورات العُرابيين، والأحرار، وأبناء المختار،
وسعد زغلول وغيرهم الكثير الذين ناضلوا لتحرير الوطن من أنجاس الأوباش الطامعين أو
كما سمَّاهم وزير الإعلام العراقي السابق محمد الصحَّاف في عهد الرئيس الراحل صدام
حسين (بالعلوج)، لتظهر لنا فُقاعات الربيع العربي التي قلبت واقعنا المُتأزِّم أصلاً
من سيئ إلى أسوأ، وكأن لسان الحال يقول "تمخَّض الجمل فولد لنا فأراً"،
إن صيرورة الزمن تُنتج بعد حين لأي استبداد –بمختلف أنواعه- يسترِقُّ العباد وينهشُ
منهم حفاوة العيش الرغيد جبهة مناضلة تسعى لتطهير البلاد والعباد من المغتصبين،
فحينما دخل الطليان إلى أرض ليبيا واستبدُّوا واستباحوا أهلها وأرضها لم يشفع لهم
مدة مكوثهم بتلك الأرض الطاهرة لأكثر من قرن من الزمان بأن يكسروا شوكة المجاهدين،
فواجهوا نضالاً وثورات وقتالاً بلا نهاية ولا هوادة حتى استطاع أولئك الفتية من
تحرير بلادهم رغم أنف الغاصبين؛ لأنهم ببساطة كانوا يؤمنون بحق العيش الرغيد
وضرورة أن تكون مبادئ الإنسانية القويمة وأخلاقيات الدين السمحة هي المرجعية الأصيلة
للتعاطي مع مُجريات الأحداث في جبهات القتال وفي غرف المفاوضات السياسية والدبلوماسية.
لكن المُتابع للواقع العربي يجد أننا نعيش ازدواجية
فاضحة في المفاهيم والمبادئ والمرجعيات السياسية والفكرية والدينية والاقتصادية
على حدٍ سواء، مما أوجد بؤساً ويأساً بين شريحة كبيرة من الشباب الذين لم تتلقَّفهم
المؤسسات –المعتدلة- فكرياً وسياسياً واجتماعياً لتُنير عقولهم وتُوسِّع مداركهم
لقراءة الواقع بمسؤولية وتبصُّر، وهنا كان لِزاماً على المؤسسات الرسمية أن تُجنِّد
مَن هُم في مقام صناعة القرار بجدارة لبناء منظومة فكرية سليمة وغير ملوثة لدى هذه
الفئة التي تشعر بالعُزلة، والغُبن الاجتماعي، والتهميش، والإحساس بأنهم رقم في
غير محله بأوطانهم؛ مما دفعهم إلى الانخراط في معسكرات مُتشدِّدة تقودها جماعات
ربحية تتّسم بالشكل الصُوَرِي لخِلافة الأمة وأنها الوريث الحقيقي لرسالة النبي
الكريم.
ولو تتبّعنا الخيوط الحقيقة لبروز هذا التنظيم بوجه خاص (داعش) وبعض الجماعات المسلحة الأخرى سنجد أن جُلّها
ترجع للمربع الأول في التأسيس الفكري والسلوكي لهؤلاء الفتية من خلال العُقم
الكبير الذي يجتاح مناهجنا التعليمية في جُلِّ أقطار الوطن العربي، فكيف لي أن
أبني جيلاً طوال عقد من الزمان يعتمد على الكم دون الاكتراث إلى نوعية ذلك
البناء؟!، فحينا لا تستطيع تلك المناهج أن تُغلغل في قلوب الطلبة وعقولهم ماهية
الوطن وقُدسيته ووجوب الدفاع عنه ضد أي مغتصب أو حاسد أو متربص فأنَّا لهذا
التعليم أن يكون نافعاً؟، وحينما لا تستطيع مناهجنا التعليمية أن تغرس في سجايا
المواطن سماحة الدين وجماله الذي اجتاح العالم بأسرع ليُدخل العباد في دين الله
أفواجاً دون سفك للدماء، فأنَّا لهذه المناهج أن تخلق جيلاً واعياً متوقداً
بالحنكة والمعرفة لإدراك عالمه المحيط؟، ثم كيف يمكن لمناهج هزيلة مُفرغة أن تواجه
تيَّارات فكرية وأيديولوجية شرسة تستقطب هؤلاء الشبيبة نحو مسالخ الموت بمُسميات هُلامية
بعضها يتلوَّن باسم الدين، والآخر باسم المذهب، وذلك باسم الوطن، وغيرُه باسم
العروبة وهلُّم جرّ؟
داعش.. حديث الساعة الذي تحاول دول التحالف الدولي
القضاء على قواعده العسكرية وتجفيف منابعه المالية الضخمة دون أن ننسى أن فاتورة
كل ذلك هي من جيوب العرب ليس من جيوب (الأصدقاء)، والمتتبع لجذور هذا التنظيم يجده
قد بدا بمخاض هادئ منذ العام 2003 حينما غُزيَ العراق ليصبح اليوم وحشاً كاسراً يجتاح
الوطن العربي بلا مقاومة من جيوش العرب!، لكن السؤال الذي يبقى قائماً هو حينما
تنتهي أهداف الطيران الحربي للتحالف هل دول المنطقة العربية مُستعدة لتحمّل فاتورة
ردةّ فعل هذه الجماعات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والبشرية والتنموية؟،
للإجابة عن هذا السؤال لابد أن نُراجع كثيراً من إحداثيات المنهج الذي تسير عليه
مؤسساتنا المُختلفة والتي يراها هؤلاء الشباب بأنها مُستبدّة فكرياً وسياسياً
واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، لابد أن تُعلن حكوماتنا العربية عن ثورات إعلامية
وعلمية، لابد من أن تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بمدلولها الحقيقي، لابد من
تأسيس منظومة الشراكة السياسية الفاعلة بمسؤولية وقناعة، لابد من تحرير حقوق
الإنسان للرجل أو المرأة بما يتوافق مع كيانه المُقدَّس، لابد من احتضان هؤلاء
الذين غُرِّرَ بهم بأبواق بعض رجالات الدين الذين هم كالجِربة المخروقة، لابد أن تُولي
مؤسساتنا الرائدة ثقتها الحقيقية بأن هؤلاء الشباب هم حاضرها ومستقبلها، وأن
تتنازل عن كبريائها الذي يعتبرهم كالقطعان؛ فالشباب حينما وجدوا أن مؤسسات وطنهم
تعيش تصحراً كبيراً في تحقيق أدنى حقوق الحياة الكريمة؛ التفتوا لمثل هذه العصابات
فوجدوها تُغدق عليهم المال والزوجة والمسكن والمأكل وقلَّدتهم مناصب قيادية
وتوعوية ودعوية غلغلت في نفوسهم الولاء لها ليكونوا بعد حين حطب نيران الموت.
ختاماً... نحن بحاجة ماسّة إلى مراجعة مُجريات الأحداث
لنقرأ الواقع بحقيقته وجُزئياته، وذلك يستدعي على كثيرة من حكومات عالمنا العربي أن
تُقدِّم تنازلات لأبنائها في سبيل الحفاظ على كيان الوطن ليكون للجميع وليس مزرعة
لبعض الطبقات، فلسنا بحاجة إلى مجازر وحشية يقودها عُبَّاد المال والدَّم وتُجّار
الدِّين بينما يكون المواطن الذي خرج بائساً من وطنه فأر تجاربهم، كم يحدونا الأمل
أن نُعلِن للعالم الراقي عن براءة اختراع عربية يُشار لها بالبنان لكن لا أن نوصم
بالخزيِّ والعار بمثل هذه التنظيمات التي أبتكرها العرب بأنفسهم وقدَّموا لها
المال الحرام والفكر المشوش والحاضنات النجسة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق