هُناك مثل روسي
يقول" امنحني فراغاً مميتا أُعطيك إشاعة قاتلة"، تُعاني المجتمعات في
مختلف ربوع الأرض من تبِعات الإشاعات التي تُزلزل استقراراها وأمنها واقتصادها في
كثير من مراحل بنائها المؤسساتي، وفي شواهد مُسترِقة من الزمان تُصبح تُربة خِصبة
لزرع بوادر الشقاق والخلاف التي تهوي بالعدالة الاجتماعية إلى الحضيض، وقد يتساءل
المرء لماذا تجد الإشاعة سوقاً رائجاً في المجتمعات البشرية وتنتشر بين أوساط
الأمم كانتشار النار في الهشيم؟!.
في غالب
الأحوال تُمثل الإشاعة مصدر الإثارة والتشويق لكواليس الحقائق التي يتوشَّحها السرّ
والكِتمان وخاصة تلك التي تتصل بمصالح الناس الاجتماعية والاقتصادية علاوةً على
تسارع المتغيرات والتطورات السياسية التي تُحدِق بالمجتمع، وكثيراً ما تتَّسم
الإشاعة بإضافة الأقاويل والكذب والخيال حتى أن بعض علماء الفسيولوجيا أوضحوا أن
الإشاعة حينما تولد فإنها تتغلَّف بنزرٍ يسيرٍ من الحقيقة لتبدأ تتعاظم حيثياتها بتواتر
مُتناقليها حتى إذا ما تعدَّت سبعة أشخاصٍ فإن 70% منها يكون غير صحيحاً، وغالباً
ما تتقصَّد الإشاعة تحقيق أهداف ومآرب متباينة؛ فبعضها يحلِّقُ بين أفئدة الناس من
باب المزح والمرح والنُكتة والسُخرية وهي كثيرة في مجتمعاتنا الشرقية في ظل تردي
الأوضاع السياسية واختلاط مظاهر الثورات الشعبية الساعية للتجديد والديمقراطية
وبين الثورات المضادة التي تعود بالمشهد السياسي الآفل بديباجية مختلفة.
ومنها ما تسعى لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية يُبتزُّ
من خلالها رجالات الدولة ليكونوا طُعماً لأعدائهم من خلال تحجيم دورهم سياسياً أو
اقتناصهم عسكرياً في ساحات الوغى ومثال ذلك في غزو قوات الحلفاء ليبيا حينما أطلقوا
إشاعة تفي بهروب العقيد الراحل معمر القذافي من أرض الوطن ليجرُّوه نحو الأنفة
والتحدي ليُظهر نفسه بعد حينٍ في تسجيلٍ مُتلفزٍ يُثبت فيه أنه لا زال مرابط في
أرض ليبيا بل أكثر من ذلك حينما بدا يستعرضُ نفسه أمام مركبته ليكون بعد ذلك هدفاً
سائغاً لطائرات الاحتلال التي أعلنت بعد حين عن مقتله في موكب رئاسي، وكذا الحال
في غزو العراق 2003 حينما أعلن الحلفاء سقوط بغداد كان الصحاف - وزير الإعلام العراقي
السابق في عهد الراحل صدام حسين- يُصوِّر من على أحد (سطوح) البنايات العالية في
بغداد وهو يُظهر تسجيلاً مباشراً أن العاصمة في مأمن وما يتفيأُ به (العلوج) الأمريكان
أنهم أحكموا قبضتهم عليها ما هو إلا ضربٌ من الكذب والمكر والإشاعات التكتيكية
عسكرياً؛ لزعزعة ثقة القوات العراقية المُرابطة في الجبهات، ليُعلن بعد لحظات أن
القوات الأمريكية تفرض حظراً للتجوال في بغداد وضواحيها بعدما أصبحت بيدهم ليتوارى
الصَّحاف وتصريحات إلى الهدوء بعد ضجيج صاخب!.
علاوة على ما
سبق فإن الإشاعة يمُكن أن توظّف حسب الهدف منها في النَّيل من رموز وطنية وحزبية ودينية
في الدولة أو على مستوى العالم، فما يُثار من إشاعات مُتبادلة بين الحين والآخر بين
الدولة ومعارضيها في المشهد السوري أو اللبناني أو العراقي أو المصري يخلق بين أوساط
المجتمع حاجزاً منيعاً نحو انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة؛ وفي ذلك تهديدٌ
صريحٌ لثوابت الدولة وخطرٌ جسيم يُحدقُ بنسف الاستقرار السياسي، وتكبيد الاقتصادي
الوطني خسائر فادحة، ودقِّ عُنقِ التلاحم الإنساني بين أفراد المجتمع ليُمهدِّ
الطريق نحو الولوج في ردهات مُظلمة كالحروب الأهلية والصراعات المُسلَّحة والتعنُّت
بالرأي والمواقف وإثبات الرأي الأُحادي، فتبادل الإشاعات الميدانية والسياسية بين
قادة الدولة في مصر وبعض الأحزاب المُخالفة لهم أودت مُؤخراً بضرب العُمق العسكري
للجيش المصري في سيناء والذي هو بمثابة صمَّام الأمان لجميع المصريين وخطَّاٌ أحمر
للذَّودِ عن كرامة الوطن والمواطن من المُتربِّصين والحاقدين والذين يتقدَّمهم
الكيان الصهيوني في نشوة أفراح المصريين بحرب أكتوبر، أظف إلى ذلك أن تبادل مثل
تلك الإشاعات المُغلظة الشحيحة من الحقائق والأدلة زجَّت بالشعب اللبناني في فترة
سابقة لأن يدفع فاتورة باهظة من خلال دفعه لأن يطحن أبناءه بعضهم البعض زُهاء 16
عاماً (1975-1990) بما عُرف بالحرب الأهلية التي كان وقودها مئات الأرواح البريئة
ليس إلا بسبب إشاعات متناثرة هُنا وهناك منطلقها المذهب والدين تم دبلجتها بمظاهر
سياسية وتوظيفها بصورة مُخزية تمخّض عنها مظاهر الاغتيالات السياسية التي كانت
شرارة تلك الحرب التي كان الخاسر الأكبر فيها هو لبنان.
لن تجد الإشاعة
لها طريقاً مفروشاً بالورود إن قوبلت بمنهجية فاعلة ومسؤولة عبر توفّر المصدر الرسمي
الدقيق والمسؤول للتعاطي مع هذه النماذج التي تكمن خطورتها في نسف النسيج المجتمعي
واللحمة الوطنية للحفاظ على كرامة الإنسان، فالمصدر الرسمي يُبتِرُ الإشاعة من
الوجود حينها لن يحتضنها رَحِمُ المُجتمع بل سيلفظها ويُلقي بها في مُستنقعات (لا
مكان لكِ هُنا) لكن ما إن كان التَّكتُم والسِّرية وشُّح المعلومات والحقائق حول
مواضيع تهم الناس وترتبط بمصالحهم فإن الإشاعة ستتوشَّحُ تاج المُلك لتكون الآمر
الناهي بين عقول وقلوب الناس، فلا يُمكن أن تُشرَّع قوانين رادعة تَزجُر من يبثُّ
الإشاعة أو يروجُّ لها دون أن تُبنى منظومة قِيَمية وثقافية للمرء يستطيع من
خلالها انتقاء الغث من السمين فيما يُتداول من إشاعات أو حقائق عبر مختلف مواقع
التواصل الاجتماعي.
ختاماً أيها
القارئُ الكريم: الإشاعة قد تضجُّ مضاجع الآمنين، وقد تُزهق الأنفس وتُبدِّد
الأموال، وقد تهوي بك في غياهب المُسائلات القانونية والجزائية، وقد تُفقدك حبيباً
أو أخاً لك لم تلده أمك، فلا تكن (بُوقاً) فارغاً ينقل كل شاردةٍ وواردةٍ دون أن
تُثبت مبادئك الإنسانية النبيلة في الحفاظ على اللُحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي
الذي "ما إن اشتكاء منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمى والسَّهر".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق