الثلاثاء، 26 مايو 2015

فتاوى في المزاد!!


يقولُ علي عزّت بيجوفيتش أحدُّ عمالِقة الفكر الإسلامي: "هنُاك أشخاصٌ يظنّون أن انتماءهم الديني يمنعُهم من فريضةِ التفكير"، ولكن هناك من قلَبَ المُعادلة فرأى أن انتماءهم الديني يدفعُهم إلى فريضة التكفير!، إن المُتتبّع للمشهدِ العربي من أدناه إلى أقصاه يُمكنه أن يُركِّب قِطع الفلّين المُتناثرة لتتشكّل له صورةٌ حقيقة لما قاله "بيجوفيتش" حول كثيرٍ من أزماتنا المصيرية منها والاستراتيجية على حدٍ سواء، وقد جُبِل العَربُ بِحُبِ رجال الدين بمختلف أطيافهم الإسلامية والمسيحية وغيرها من المِلل والنِحل؛ فهم يرونهم أنوار تُغدِق بهم التبصُّرة بأمورِ دينهم وجمال دُنياهم؛ وذلك يستوجبُ على فلولِ المشايخ والعلماء أن يكونوا على قدرٍ من المسؤولية الإلاهية والإنسانية على حدٍ سواء؛ فهم مِرآةٌ تعكسُ الأفكار القويمة، والقيم النبيلة، والاتجاهات الإيجابية، والانتماءات الوطنية لأيّ أُمّةٍ بما يُحقّقُ لها الأمنَ والاستقرار، وفي دِينِنا الحنيف انتهج نبيُنا الكريم الفِكر السياسي الإسلامي المُعتدِل القائمُ على قواعد متينةٍ وأسسٍ مكينه قوَامها حُرمة دم المؤمن وماله وعرضه، وسار على ذلك النهج الرشيد خُلفائه الأوفياء وأُممٌ عظيمةٌ سطَّرت في جبين التاريخ مواقفَ خالدة، وأوجدت ضَجيجاً حميداً في الذَّودِ عن الحياة البشرية وكرامتها، وإيماناً من رسول هذه الأمّة بضرورة أن يُجِلَّ العاِلمُ في نفسهِ ورحه مَخافةَ الله حينما توكل إليه الفُتيَا في حياة الناس ومصالحهم؛ فكان صحابة رسول الله يتحرّزون عن الفُتيا ويُقدّرون خطورة القول عن الله بدون علمٍ ولا بصيرة، ومما يندى لهُ الجبين في عالمنا العربيّ بوجه عام وبيتُنا الخليجي بشكل خاص أن نجد بعضاً ممن نحسبُهم مُبلّغِين عن هَديِ كِتابِ الله وسُنةِ نبيه الكريم، فيُتاجرون بدماء العباد وأعراضهم فيكفرون من يشاءون ويُلجمون بالإلحاد آخرين ويستصغرون مذهب مخالفٍ لهم حتى يكون قاب قوسين من الشرك وهم يرونَهم رأي العين يبتهلون إلى الله، ويعبدُونه حق عبادته، ويتضرّعون له طَمَعاً في الجنة وخشيةً من النار، ما الظلم بمكان أن تتقاذف صفحات الإنترنت وبعض القنوات الفضائية فتاوى طائشة غير مسؤولة مِمَن يُحسبون بأهل الحِلِّ والعقد والِثقة لدى جموع غفيرة من المسلمين لنتفاجأ بفتوى تنهش اللُحمة الوطنية باسم المذهب أو العِرق أو الفِكر أو الحِزب أو غيرها من أقزام الفرقة والتشتت، والمتمعّن في المشهد المصري أو العراقي أو السوري يجد أن منابع تلك الصِراعات والأزمات كانت من رجالات السياسة لكنها أوغلت الجُرح وعمّقته بفتاوى بعض المشايخ والعلماء الذين يعوّل عليهم لم الشمّل، ونبذ الفرقة والشقاق، فتجد البعضُ منهم يساوم بالفتاوى لمقاصد سياسية أو انتماءات مذهبية أو حزبية تخدشُ كرامة الوحدة، وتَأِدُ حق الحياة الهانئة، فمن يتحمّل مسؤولية فوضى الفتاوى التي تصدر من بعض المُقنّعين والتي تُبيحُ دم مخالفيه في المذهب؟!، أو ليس اختلاف المذاهب رحمة للعباد؟!، من يتحمّل جُرم بعض المشايخ الذين يقوِّضون أمر الله بإعدام عباده بالجملة وكأنهم قِطعانٌ بسبب انتماءاتهم الحزبية أو السياسية أو الفكرية؟، أولم يذكر القرآن " كُلُّ نفس بما كسبت رهينة"؟، ثُمّ من فوّض بعض المشايخ والعلماء بأن يستبيحوا دم أُمّة تعيش في كنف الأمن والأمان ووصمهم بالخارجين عن الإسلام أو الرافضين له؟!، أيعبدون آلهة غير الله؟!، إن العلماء والمشايخ من أهل الفتوى هُم عصبُ الاستقرار المُجتمعي، والاتزان الشعبي إِبَّان الأزمات التي تعصف بالوطن، فليس من الصواب أن يكونوا حجر نردٍ مع المُقامرين والمُراهقين الذين يجعلون من الناس قِطعانٌ لتحقيق مصالحهم الفاسدة، فالشعوب أقربُ للعلماء من غيرهم؛ يستنيروا برؤاهم السديدة التي يستقونها من قوّامِ هذا الدين العظيم لا من أهواء النفس ونزواتها، فليس من الحق أن يحذوا المفتي بما يُملى عليه فذلك ضربٌ من ضروبِ الفساد، وفي عُمان الحبيبة التي يُضرب بها المثل الفريد للُّحمة الوطنية، والنسيج المجتمعي المتناغم على مستوى العالم العربي بدأنا نشهد شذرا من الأصوات التي تحاول خاسرة أن تُزعزع هذا النموذج العظيم بمداخل قذرة تتواهنُ خيوطها باسم المذهبية المقيتة التي تقتل الأخضر واليابس في دول مجاورة لنا، والمُتتبّع للحِراك المحتدم على صفحات الفيسبوك والتويتر وبعض المنتديات يجد أن هناك أقلامٌ مسعورة ومأجورة يزجّ بها آراء بعض العُلماء (المارقين) الذين يستلذّون دماء العباد وأعراضهم في سبيل نشر الفرقة والتمذهب في صفوف المجتمع العماني، لكنهم يُجابَهون بالحِكمة والمِوعظة الحسنة، ويُلجمون بأصالة هذا المجتمع ولسانُ حال أهلها "العمالقة لا يملكون الوقت لملاطفة الأقزام".

وفي الختام... إن عُلماء المسلمين ومشايخهم الكِرام هم أنوار تمشي على الأرض لتضيء بشموسها رُدهات مُظلمة تحيك غسقها بين الناس فينثرون بينهم الحب والحياة والأُلفة، لكن هناك من يُدنِّسُ هذا الثوب الناصح البياض ممن يُحسبون بأنهم مفتين مُشرّعين من بعض الأنظمة والجماعات؛ مما يسترعي على مؤسسات الدولة في عالمنا العربي أن تقف موقفاً جاداً حول من يتبجَّحُ بنفسه أنه عاِلمٌ مُتضلِّعٌ بالفقه والعقيدة، ومؤهلٌ أن يبُتَّ في مصالح الناس فيُفتي على عرش من نمارق وذهب، فيُدخِلُ البِلاد والعِباد في أُتونِ الظُلمة واللانهاية، ليس إلا لأنه يُخفي ما تُمسكهُ يمينه عما ترتشي به شِماله ولسان حاله "على قدرِ أهلِ العطايا... تُؤتَى الفَتاوى"!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق