الثلاثاء، 26 مايو 2015

المصريون...ولعنةُ الفراعِنة!!


سيضرب الموت بجناحية السامّين كل من يُعكّر صفو الملك توت عنخ آمون" عبارة وجدت على شاهد قبر هذا الملك العظيم الذي حكم مصر طوال تسع سنوات عجاف؛ حيث تذكر كتب التاريخ أنه في ذلك العهد السحيق كان اللصوص يتربصون خفية بمن سيُدسُّ في بطن الأرض من رفات هؤلاء الملوك (الخالدين) والمُحمّلين بالنمارق والأبّهة والكبرياء، حتى إذا ما اهتزت الأرض وربت تناثرت أيادي اللصوص والمارقين تنهش عَظَمةِ الملك لتجعله درويشا – فقيرا-  يُلملم بقايا رفاته قاعا صفصفا، ولكن توت عنخ آمون نذر للعالم منذ أكثر من (330) قرنا أن يدافع وأقرانه من الجن عن تاج ملكه الخالد؛ فدسّ بين جنبات قبره وفي كل ركن من زواياه ما يلسع المقترب منه بطعم الموت فتناثرت جثث أكثر من (40) لصا ومستكشفا أثريا في كل رابعة على هذه المعمورة بجرثومة الموت الرهيب؛ فكانت لعنة الفراعنة قد شقّت مقاما مرموقا بين أقلام المدوّنين وهواة الأساطير والأفلام.

إن المتتبع للمشهد المصري يرقبُ أن رائحة تلك اللعنة لا تزال تترنّح من شواهد أولئك القوم الذين خلو إلى مضاجع الخلود – كما هي في اعتقاد الفراعنة – لكنهم لا زالوا يمسكون بهيبة جلالهم وعظيم سلطانهم في مصر الحديثة؛ فبين حين وآخر يكشف لنا هلال مصر وجها مختلفا عن أخيه؛ فنجده تارة يُبهرنا بالانسجام الغريب المريب بين سطوة العسكر وسماحة الإخوان المسلمين الذين تشهد لهم مصر من أدناها إلى أقصاها بتاريخهم السياسي المُظلم والذي بلغ أوجه في اغتيال السادات في السادس من  أكتوبر عام (1981) على يد خالد الإسلامبولي والذي تهاوى رميا بالرصاص في (1982)، ومنذ تلك المرحلة أضحت هذه الجماعة بكل أطيافها وتيّاراتها شبحا مخفيا في المشهد المصري، لتتوالي الأحداث وتنجلي المواقف وتفتح صفحة جديدة إثر ثورة الشباب في الخامس والعشرين من يناير عام (2011) والتي نادت بالإصلاحات السياسية والعدالة الاجتماعية وبناء دستور جمهوري متزن يُلامس كافة أطياف النسيج المصري.

سكنت لعنة الفراعنة في جحرها البعيد وكأنها تتفرّس هذا الوئام الساخط بين قوة الجيش وقطاعاته العسكرية المختلفة وبين الإسلاميين ومن يدور في فلكهم ردحا من الزمن، حتى إذا ما أنقضى عام من بهرجة الثورة الشبابية بدأت تتجلّى حقائق المشهد السياسي فيها، وبدا وكأن طلاقا وشيكا سيعصبُ بالمشهد المصري في ضل قطيعة من قبل كل القوى اللبرالية والعلمانية إبان استحواذ القوى الإسلامية على أغلب مقاعد مجلسي الشعب والشورى؛ وما إن أعلن الرئيس المنتخب نيته (عُنوةَ) في رسم معالم دستور جمهوري جديد ليتم التصويت عليه لاحقا من قبل عموم الشعب المصري، بدأت بوادر القطيعة بين حلفاء اليوم (الإسلاميين)  وخلفاء الأمس (القوى العسكرية) وكأنها القشّة التي قصمت ظهر البعير، وبدا كل حزبٍ ينتهجُ شرعةَ ومنهاجاَ مختلف عن الآخر، بل تعدّى الأمر إلى (اختطاف) الرئيس الشرعي، وتمكين الوجود العسكري في المسار السياسي، وكأن لعنة الفراعنة أعادت مصر بكل ثقلها الوطني والعربي والعالمي إلى المربع الأول، وأصبح لسان حال المواطن المصري "يا زيد كأنك ما غزيت"!!، بل وجد المصريون أنفسهم مقصّرين في حضرة الرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله كما بيّن ذلك أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر (الدكتور) سعد الدين الهلالي!!

إن ما تشهده مصر اليوم من احتقانٍ سياسي، وتردٍ اقتصادي، وغياب الرؤية الاستراتيجية المستقبلية في ظل مغازلات الروس لها وبرود الحضن الأمريكي تجاه من يتربّع على سلطة الحكم؛ يبعث في المواطن العربي شذرات من البؤس واليأس في ظل فقدان التوازن العربي في المشهد الإقليمي والعالمي، كما أن حشر المواطن المصري في زوايا ضيقة بقصد تحقيق مكاسب سياسية أو شخصية أو حزبية ستجعل من البلاد مستنقع شبيه بالمستنقع العراقي الدامي، وقد تدخلها في دوامة مفرغة كما هو الحال في اليمن التي لم تجرؤ حكومته على حل الإنفلات الأمني أو الترهل السياسي أو الكساد الاقتصادي؛ لتُعلن السلطة السياسية بتقسيمه إلى (6) أكواخ متناحرة ستزيد من استعار الاقتتال القبلي والطائفي في البلاد؛ مما سينعكس سلبا على دول الجوار وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

إن المواطن العربي يرقبُ في مصر أن تكون الدرع الحصين له بثقلها الإقليمي والعالمي؛ فلا يرضى أن تفقد عذريتها لمصالح حزبية مقيتة أو مراهقات سياسية عبثية، فلا يأنس مقاما ولا يرضى بها مُهانا بأن تشحت قُدسيّتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مِمَن كانوا أعدائها بالأمس، فما يعصف بالبلاد من احتقان رهيب تُسعر جحيمه الهوس والجنون بطمس الإسلاميين ومن على شاكلتهم مقابل أن يكون العسكر ومواليهم كفرعون الذي نادى أنا ربكم الأعلى لن يزيد الأمر إلا سوء وتعقيدا؛ فكل العرب والعالم صفق بحفاوة وحرارة على أعظم عملية فدائية قام بها المصريون إبان حرب أكتوبر (1973) حينما علّموا أساتذة العسكر من الروس والأمريكان وأوروبا والكيان الصهيوني دروس الفداء والتضحية بخطط استراتيجية مُحكمة في المنظومة الاستراتيجية؛ في قدرة العقل المصري العربي بقطع عنق (بارليف) الذي كان يُخرج المصريين من قاع البحر جُثثا مشويّة، فكانت ثقافة التضحية من أجل مصر والعرب هي المُحرٍّك الحقيقي لزعزعة بُعبع أن اسرائيل لا تُهزم - وإن توالت خسائر العرب فيما بعد - إلا أنها كانت ضربة تاريخية موجعة، لكن ما تعيشه مصر اليوم هي نفسها اخفاقات ثورة عرابي التي زعزع مقامها ومقصدها الخيانات المتوالية من العسكر وبعض القوى الوطنية.

دعونا نتفق قليلا أن ما يمخرُ عُباب مصر من موجات عاتية وزوابع عتيدة لا تخدم أحدا أبدا؛ فإن أصرّت القوى السياسية أو العسكرية أن تُيمّم وجهها شطر المشرق أو المغرب ويرمي الوطن في  حضن من (يُتوقع) بأن يكون مُنقذا لوجوده وكينونته وسيادته دون مسؤولية في مثل تلك القرارات فإنه حتما سينقلب على عقبيه باكيا ومنكسرا؛ والتاريخ خير شاهد على تلك النماذج في العراق، والسودان، واليمن، ولبنان، وليبيا، وتونس، واليمن، والصومال، وسوريا، فمن المُحزن أن نجد الشعب المصري الذي لا تُفارق مُحيّاه الابتسامة في أحلك الظروف أن يتحول إلى أبواق تستصرخ جهارا نهارا أن دمها وروحها حلال لحزب أو فصيل معين دون الاكتراث بمستقبل الوطن ومن ضحّى بدمه وأهله وماله لمصر السيادة والكرامة، بل من المؤسف جدا أن تعبث القوى العسكرية والسياسية النافذة بدغدغة كرسي العرش دون الاكتراث بالخطر الصهيوني الذي ما فتأ يترقّبُ قيد أُنملة للانفلات الأمني والسياسي حتى يُسرطن خلايا الموساد في كثير من قطاعات الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، فلا يغُرنّ الشعب المصري مسرحية الربيع المزعوم بالجوكر الديمقراطي في كثير من أقطارنا العربية التي تعيش في أحلام يقظتها، ولا يتغنّى البعض ببعض النماذج الديمقراطية المطّاطية في بعض البلدان العربية كلبنان التي تعيش في عمق المستنقع الطائفي والحزبي المتعصب.

ما ألفناه عن أم الدنيا أنها لوحة ذات أطياف ملونة حزبيا وعرقيا واجتماعية ودينيا وثقافيا وتاريخيا وفنيا، فتمتزج كل تلك الأطياف في رسم لوحة بديعة يشقّها نهر النيل العظيم لتزدان تلك اللوحة رونقا وبهاء وجمالا، لكن تلك اللوحة لابد أن تكتمل بعض جوانبها الفنية من خلال أيادٍ وطنية متعددة الأطياف منها المدنية ومنها العسكرية؛ ليدلوا كل فريق بدلوه بمختلف الأذواق والمشارب؛ دون أن يطغى لون على آخر أو تُلقى بعض تلك الألوان في سلة المُهملات دون الاكتراث بجمال وجودها في رسم فناءٍ بديع قد يجعل من تلك الحياة التي تشرق بها تلك اللوحة إلى تابوت يتوشّح بغسق عميق، ولعل هذا التخبط الذي تعيشه مصر اليوم في كل المجالات وعلى كل الأصعدة قد يُنذر ببعث لعنة الفراعنة من جديد، قد تُدخلها في عبث سياسي يجرُّ ورائه ذيولا من الضجرِ الذي قد يُزعجُ بعد حين ما بقي من البشرِ والحجرِ والشجرِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق