شنّف كثيرٌ من
أبناء الوطن العربي آذانهم وجعلوها أوعية مُفرغة؛ ليسترِقوا ما سيُعلنه نفرٌ من قادة
دولهم في قمة عربية عصماء تغيّب نصفُ معازيمها وأرسلوا ما دون مقامها على مستوها
القيادي، وكأن لسان حالهم "الناس مقامات" ولربما توحي تلك الكاريزما
البالية التي اعتداها بعض قادة العرب أننا أصبحنا نؤمن بالمثل القائل: "يا
زيد كأنك ما غزيت"!، فمن المعيب أن يُضيّع ستة عشر حاكما عربيا وقتهم لحضور
بهرجة مُستَهلكة، وتعبيرات مُستفرَطة، وعبث المراهقين المُختال بين البشوت
والبدلات الماركية، فغاب الحضور وبقي المتأملون الملايين أمثالي يسترقون ما يمكن
أن تقذفه قمة الكويت من مفاجآت قد اعتدنا عليها ردحا من الزمن من قبل الرئيس
الليبي الراحل العقيد معمر الجذافي، أو من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أو
بعض (الهوشات) والنزاعات المشيخية التي تعصف ببعض البشوت والأشمغة من السعودية
وبعض ربيباتها في منطقة الخليج العربي.
ناهيك عن أننا كُنّا بين الفينة والأخرى (ننشحُ)
ابتسامات ملونة حينما نجد ضيفا ثقيل على بعضنا وخفيف على الآخرين يتوسّد صدر
المجلس ليُلقي على الحضور كلمات ظاهرها حسنٌ وباطنها العذاب والنكال – من وجهة نظر
البعض طبعا- فالاختلاف لا يفسد للودّ قضية، فلا ضير أن يبيع بعض قادة العرب آذانهم
دون قلوبهم لكلمات أحمدي نجاد، وحينا آخر لبانكيمون، وأحيانا أخرى لبعض حمام وصقور
الكونجرس، فتتلون القلوب والضمائر لكنها تتفق على سمفونية التصفيق الذي يكاد يُدمي
نعومة أيادي البعض ويُفسد عتق عودها الذي أزكم الأنوف!!.
تقدّم خالد
الجار الله – وكيل وزارة الخارجية الكويتية - ليتلوا إعلان الكويت (2014) وقد
توشّح بلبوس بائس فيما أُوكل إليه، لكنها بروتوكولات لابد منها، وأجمل ما وجدته في
ذلك البيان هي طلاقة اللسان وسلامة اللغة التي يتمتع بها الجار الله، فكان يستلُّ
الكلمة وكأنه جيتار يُطرب القلب ويبهج النفس، فما أجمل اللغة العربية، وكأنها
أطايب القول كما يُنتقى أطيب التمر – كما يقول عمر بن الخطاب - فكانت لحظة شرود في
ضوء الخطبة العصماء التي جهر بها الجار الله.
بدا البيانُ وكأنه يتبرأ من صنع القرارات
العربية في جداول القضايا الجوهرية التي تنهش الجسد العربي، فكان استعراض سريع على
مفاتيح البيانو التي تتغنّى بويلات العراق، وسورية، ولبنان، والسودان، والصومال،
وليبيا، وتونس، ومصر، فلسطين، وجيبوتي، وجزر القمر، كما أن المشهد الدرامي الذي
حاول من خلاله أمير الكويت لِلَمّ الشمل الخليجي استصرخ جهارا نهار عن مدى الشرخ
العميق لهذا البيت المُهترِي في ظل استفراد العضلات والإصرار على سياسة القطب
الواحد.
ومن خلال تتبّع
حيثيات إعلان الكويت يُمكننا أن نُلخّص فحوى العقول والبطون أن العرب لا زالوا
يؤمنون أن المرحلة ليست مرحلة اتخاذ القرارات كما كان في إعلان (1973) حينما (قرر)
العرب قطع امدادات النفط عن الدول الأوروبية المؤيدة للكيان الصهيوني و الولايات
المتحدة الأمريكية؛ لإرغام إسرائيل للتراجع عن احتلال الأراضي العربية إبان نكسة (1967)،
بل لا زالوا يؤمنون بأنها مرحلة التنديد والنصح والتوجيه والمُداهنة، متجاهلين
القضية الفلسطينية والتطورات التي تشهدها متجاهلين أنها همزة وصل مصيرية لنضال أمة
لا زال قائم منذ ستة عقود ونيف من الزمان، متناسين الجراح التي تُفتح كل يوم باسم
الدين وهو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، متجاهلين الإرهاب المذهبي
والطائفي والسياسي الذي تُمارسه بعض دول الأعضاء لتحقيق مصالح تنته على حساب أرواح
شعوبها وأوطانها، قد جعلوا على آذانهم طين والأخرى كوم من عجين دون الاعتبار من
تساقط بعض شُركائهم في القيادات العربية والتي كانت محل تصفيق حميم من قبل العدو
والصديق، فانهارت اقتصاديات البعض منهم ولم نشهد حراكا عربيا مشهودا للدفاع عن
مصالح الأمة، واغتيلت العدالة الاجتماعية في البعض الآخر دون أن نتلمّس شفاعة
الجامعة العربية لنصرة المظلومين والمُعدمين و(الدراويش) من أبناء جلدتها.
لم يستوعب
العرب بعد دلالات الحِراك الأمريكي والأوربي في القضية الأوكرانية ضد الخليفة القيصرية
للاتحاد السوفييتي التي تضلّعت بالعلم والمعرفة وأصبحت أمة نووية واقتصادية عالمية
يُشار لها بالبنان كقطب عسكري واقتصادي واجتماعي وسياسي ماهر، إذ ان تلك الدول حينما
شعرت أن هناك مسٌّ بكرامة أحد الأعضاء وأن مصالحهم (قد) تتعرض للتهديد بعد حين من
الدهر على الرغم من الضمانات التي قدمها الروس إلا أن نفاذ القرارات الفعلية كانت
حقيقة وواقع سريع لمثل تلك التصرفات، فها هي روسيا تتجرّع كؤوس الحصار والعقوبات المتنوعة
والتي ستنجلي لاحقا في التأثير على الاقتصاد القومي لها حسب رأي المراقبين.
ما يشهده
العالم العربي من انتكاسات وأمراض سرطانية مزمنة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية هي بسبب تدخلات بعض دول الأعضاء المُدرجين ضمن قائمة جامعة الدول
العربية، دون الاكتراث بميثاق الجامعة العربية والانصياع لقدسية الشراكة بينها
وبين الدول الأعضاء، يدفعها في ذلك فيلة المال ومجون بعض رجالات الدين (المارقين)
ومراهنات بعض رجالات العسكر (الماجنين).
إعلان الكويت
لربما هو آخر مسمار يُدقُّ في نعش هذه الجامعة؛ والتي كشفت للمواطن العربي أنها
تسمع (طراطيش) الأحداث من بعض (الخواجات) بأن
هناك جراحات عربية عتيقة وأخرى لا تزال طريّة لكنها في الحقيقة لم تشهدها ولم
ترها، فساستها منشغلون بما ينفعهم ويحقق لهم عيشا هانئا، وشعوبها منهمكون بقتل
بعضهم البعض باسم الدين أو العرق أو المذهب أو الفكر السياسي السقيم وكل منهم يرفع
صكّ غفرانه ليستحلّ ومن على شاكلته جنات عدن!!، وكأني أرى لافتة على هامات مقر جامعة
الدول العربية وقد كُتب عليها "شاهد ما شفش حاجة" لتظل بيانات
القمة منذ قمة (1960) وحتى اللحظة هي نفسها، والجديد فيها زركشة بعض الكلمات
لتواكب تجديد الجراح، ونغني معاً بعض حكوات (أنا عربيّ) لمحمود درويش وهو يقول:
أجِّل أنا
عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!
فهلْ تغضبْ؟
سجِّلْ!
أنا عربي
وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ
وأطفالي ثمانيةٌ
أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،
والأثوابَ والدفترْ
من الصخرِ
ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ
ولا أصغرْ
أمامَ بلاطِ أعتابكْ
فهل تغضب؟
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ
فهل تغضبْ؟
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!
فهلْ تغضبْ؟
سجِّلْ!
أنا عربي
وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ
وأطفالي ثمانيةٌ
أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،
والأثوابَ والدفترْ
من الصخرِ
ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ
ولا أصغرْ
أمامَ بلاطِ أعتابكْ
فهل تغضب؟
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ
فهل تغضبْ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق