أربعة عقودٍ ونيفٍ من السنين انقضت وعُمان تزهوا بصفحاتٍ
ماجدةٍ مُزدانة بعنفوان البِناء الإنساني المُترفِ بعشقٍ حضاري خالدٍ يتقاطر حُباً
وانسجاماً بين الشعبِ والحاكم، تلكَ ملحمة خالدة يُدندِنُها التاريخ للأُمم
والشعوب لترشِف من مَعِينِ جنائِنِها أُرجوزة المدنِّيَة والتحضُّر وقد سُطِّر على
جبينها عبارةٌ رخيمةٌ "بالروح بالدم نفديك يا قابوس"، فأضحت نغمٌ تتعطَّرُ
بها ألسنة الطفولة الواعدة، وتصدحُ بها حناجر الشبيبة الظافرة فخراً واعتزازاً ، وتلهث
بعبقِها ألسنةُ الأجداد الذين استوطنوا أرض عُمان الطاهرة فَعَمَرُوها.
كثيرةٌ هي مواقف
التاريخ التي تروي لنا وَهن التشبُّثِ بمفهوم المواطنة والانتماء في دولٍ وأممٍ شتَّى
هي أقربُ ما توُصمُ بالكذب أو السذاجة؛ فنسمع بين حين ٍوآخر صياحات تُعانق السماء لتُقدّم
من نفسها قُرباناً للفداء والولاء لقيادات حزبية أو قومية أو قبلية أو مذهبية في مختلف
أصقاع وطننا العربي، حتى إذا ما انجلت سحابة العظمة تراشق القوم بعناقيد القتل
وبراثن التّحزّب المقيت، والمتتبع للتاريخ العماني في عهد فتى السبعين يجد أنها
تمضي قُدما لبناء مفهوم الدولة العصرية المُرتكزة على مواطن المؤسسات المدنيَّة التي
تمثل باكورة الازدهار الحضاري في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية،
والثقافية، والعمرانية؛ إذ استطاع السلطان قابوس إخراج السلطنة من عمق الزجاجة
والعُزلة إلى محافل الوجود الدولي، فأصبحت عُمان بذلك رقماً صعباً ضمن المنظومة
العالمية، قوامُها التبصُّرِ والحكمة والثوابت الإنسانية النبيلة.
كانت عُمان تعيش حياة الغابِ ضمن عُزلتها السياسية، ديدنُها
الأول والأخير الذوّد عن (فُتات) الدولة المُقسَّم آنذاك بين الداخل والخارج؛ إذ
عصف الاحتقان القبلي والأيديولوجي بالمشهد السياسي العُماني ردحاً من الزمن ليُلجِم
البلاد والعباد إلى مُستنقعات الاقتتال
الداخلي والحروب الأهلية الخاسرة؛ فخارت مكانتها الإقليمية والدولية، وأضحت هدفاً
ثميناً أسال لُعاب أهل النفوذ من سماسرة وشراذمة الحروب فدُمِّرت البلاد ونُكِّل بالعباد،
فلم يبقى بها شجرٌ ولا حجرٌ ولا مدرٌ إلا ويلهجُ بصوت الرصاص والاغتراب في أرض
الوطن، وتناسى القوم دعوة النبي الكريم "لو أنك أهل عمان أتيت ما سبوك ولا
ضربوك"، وقد جرّ ذلك الضمور السياسي زُهداً اقتصادياً لخيرات البلد جرَّ
وراءه تقهقراً اجتماعياً وثقافياً عقيماً؛ فعاش الناس فقراً مُدقعاً وإحباطاً مُفزعاً
ألقى بضلاله على الداخل والخارج؛ فأضحت طوابير العمانيين المُهاجرين سعياً للعيش
الرغيد تُبصَرُ على امتدادٍ طويل، فتقاذفتهم أمواج البحر- وهم نواخذته وقبطانه بلا
مُنازع- نحو العمل في الكويت، والسعودية، والبحرين، وجنوبي شرقي أفريقيا وغيرها من
مجاهيل العالم الشرقي والغربي، في وقتٍ كان جيرانُهم يلتحفون خيرات النفط وجماله
الأخَّاذِ.
من جانب آخر كانت البلاد تَألَمُ من جراحات الخِنجرِ
المسموم الذي أشهرهُ بعض رجالات الشيوعية في جنوب البلاد والتي شكَّلت مُنعطفاً
ثالثاً يستنزفُ جُرح الوطن المُتهالك بين الإمامة والسلطان والأجندة الخارجية،
فمنذ منتصف الستينيات وحتى مطلع السبعينيات وبالتحديد في عام 1975م كانت حركة
التمرد تتلَّقى دعماً سخياً من الجمهورية الليبية بقيادة الراحل العقيد
معمر القذافي وبعض الاشتراكين في العراق
وسورية ومن قوى دولية تجسّدت في القطر الشيوعي الدولي المتمثل
في القطبين الرئيسيين الصين والاتحاد السوفيتي آنذاك.
وفي خضم هذه الزوبعة التي تعيشها البلاد والاحتقان
السياسي والاجتماعي الذي كان يلتهمُ الأخضر واليابس، انبرى حضرة صاحب الجلالة على
منصَّة الحُكم وعلى كاهله إِرثٌ مُثقلٌ بالجِراح، ووطنٌ مُتهالكٌ ومُترهلٌ بالدماء
الفاسدة من الداخل والخارج، وسهامٌ مُتواترة بين الحين والآخر بين الشيوعية في
الجنوب، وبذور الإمامة النائمة في الجبل الأخضر وضواحيه، وتراشق دولي كبير بين
الرأسمالية والشيوعية، علاوة على الخطر الإيراني الذي كانت ولا زالت تتوجس منه رِيبة
ورَهبة دول مجلس التعاون الخليجي، فكان خطابه السامي يشي بما تشعر به نفسه ونفس
العمانيين من الإحباط والبؤس تجاه الموقف العربي وهو الذي كان يطمح منهم احتواء
تمرد الجنوب إذ أن عددا من الدولة العربية كانت تقدم دعما كبيراً للمتمردين، فكان خطابه
السامي: "إننى كنت أنتظر بمجرد أن أصبحت عمان
عضوا في الجامعة العربية أن يبادر الأخوة إلى وقف هذا النزيف!".
وحينما لم تُمدُّ له يد العون سوى من
إيران إبان حكم الشاه فقد قطع القائد العظيم عهداً خالداً على نفسه بتحرير كل شبرٍ
من هذا الوطن باسم عُمان دون غيرها من المسميات والتحزّبات، كما تعهد بأن يرفل كل
إنسان في هذا الوطن الكريم بالعيش الهانئ
الرغيد، فاستطاع أن يوحِّد الصف ويلم الشمل في (11/ ديسمبر/1975م)
بعد دحر جماعات التمرد، مُعلناً العفو والصفح عمن أجرم في حق الوطن والمواطن مُتوشِّحاً
في ذلك فعل النبي الكريم حينما فتح مكة فقال لأهله: "اذهبوا فأنتم الطُلقاء"،
فلم يكن جسوراً على الضُعفاء، ولا مُتعجرفاً على المهزوم، ولا سيفاً مُسلَّطا على
من أعمتهُ قبليَّته أو تزمَّت بالدين والمذهب والفكر، فلم يكن مثلُ كثير من قادة
العالم الذين يقتاتون من دماء شعوبهم، وينكِّلون بمن خالفهم، ويستحِلُّون أموالهم
وأعراضهم؛ لذا خلَّد التاريخ تلك الملحمة التي دفعت جموع العمانيين للوقوف خلفه
وشعارهم "ماضون خلفك لا شِقاق ولا فِتن"، كما أنه لم يحجُر نفسه ووطنه
عمن كانوا أعداءه وأعداء الوطن بالأمس، فعانقت يداه الصين والسوفييت ومصر والعراق
وسورية وكثير ممن كانت أياديهم مُلطَّخة بدماء الشُرفاء من أهل مزون الخالدة إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لا يخفى
على عين بصير الموقف العُماني الذي انتهجه صاحب الجلالة في السياسة الخارجية مع
كثير من مجريات الأحداث الساخنة، ففي المشهد الإيراني نجد أن الفكر المستنير لقائد
النهضة المباركة يستوحي مبدأ الحوار والجوار بمسؤولية حضارية وتاريخية عميقة، قوامُها
المصالح المُتبادلة سياسياً واقتصادياً وثقافياً؛ فكانت السلطنة تقف موقف الحياد
في الكثير من الأزمات التي تكون فيها إيران طرفا مباشرا مع دول الجوار أو مع تطورات
المشهد العربي، فبعد المأساة التي عصفت بالعلاقات العربية – الإيرانية إثر حرب الاستنزاف
بين العراق وايران على مدى ثمان سنوات عجاف (1980- 1988م) نجد أن الموقف العماني
كان يتوخَّى الحذر لينزوي بعيداً عن التصعيد أو الاحتكام للرصاص والمدافع بل كان
يدعوا إلى تغليب الحكمة والعقل والاحتكام للروح الإنسانية النبيلة، أضف إلى ذلك
أنها القُطر الوحيد في المنظومة الخليجية التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع إيران باسم
الإنسانية وحسن الجوار، متناسية في ذلك شبح المذهبية المقيتة التي يتعاظم أثرها
المخيف في نفوس كثير من الأنظمة الخليجية والعربية، فنأت بنفسها عن أن تكون مياهاً
راكدة تقطع حلقة الوصل بين الخليج العربي والبوابة الشمالية له بفضل القيادة
الحكيمة والحنكة السياسية النبيلة؛ فكانت محل ثقة الإيرانيين في التعامل مع كثير
من المواقف الخليجية والعربية والعالمية، ولا أدلَّ على ذلك أن عُمان شكلت على مدى
السنوات العشر الأخيرة جسر التلاحم والتواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية
وإيران في وقت كان الكل يرى استحالة أن تكون هناك أي بوادر للقاء من هذا النوع،
وعلى الرغم مما تتمتع به السلطنة من تنوع مذهبي إلا أنها استطاعت أن تشكل لحمة من
الانسجام في دول المنطقة شكلت بذلك باكورة فريدة من نوعها.
إن المتتبع
للمشهد الداخلي لعمان في عهد دولة المؤسسات العصرية بقيادة صاحب الجلالة يجد أن
التعامل مع كثير من الأفكار والمواقف كانت تتسم بالحكمة والمسؤولية الوطنية
الرائدة، فكثير من الأحداث التي توالت على السلطنة على مدى أربعة عقود من ظهور بعض
التنظيمات السرية التي حاولت صنع الانقلابات السياسية مدفوعة بأيديولوجيات معينة –
كما هو الحال في كثير من بلدان العالم العربي- إلا أن التعامل المسؤول من قبل
القيادة الحكيمة كان فريداً من نوعه على مدى ملحمة التاريخ البشري، فكان شعاره في
التعامل مع الموقف هو تِبيانُ الحقيقة وتبصِير من غُرٍّر بهم بضرورة التوبة والعضّ
بالنواجذِ على مُقدّرات الوطن والإيمان بقُدسيته، كما أن الكثير من الاعتصامات
والإضرابات والاعتصامات التي توالت على المشهد السياسي، والاقتصادي، والمعيشي
بالسلطنة التي كانت تنادي جهاراً نهاراً بالإصلاحات التعليمية، والاقتصادية،
ومحاربة الفساد، والترهل المؤسساتي لاقت آذاناً صاغية من قبل القيادة الحكيمة؛
لأنها على قناعة تامة بأن أربعة عقود من البناء والتطوير الإنساني كفيلة بخلق جيلٍ
واعٍ يقرأ الأحداث بمسؤولية وتبصُّرٍ في سبيل رفع راية عُمان خفَّاقة بين الأمم.
فحقَّ
لصاحب الجلالة أن يفخر بوطنه وشعبه، وحقَّ للعمانيين أن يرشفوا من كأس الخلود
الحضاري لباني المسيرة الظافرة، وحقَّ لنا أن نُجلجِل أقدامنا وأيدينا تصفيقاً
وتعظيماً للقائد الوالد، وحقَّ للجميع أن يُقلِّدوا التاريخ وساماً خالداً ويطربوا
العالم بسمفونيتهم الهادئة الصامتة ليغنوا أوركسترا التضحية والفداء الحقيقي بعيداً
عن الهُلامية والنفاق:
"بالروح
بالدم نفديك يا عُمان... بالروح بالدم نفديك يا قابوس".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق