تروي
لنا كُتب التراجم والسِّيَر أن نبيَّ الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام كان ذات
دهرٍ من الزمن جالس مع أصحابه ينتقي وإيَّاهم أطايب القول كما يُنتقى أطايب التمر،
وإذ بجنازة يُطاف بها أمامه فانتفض من جلسته ووقف وقد بدت علامات الخشوع تتقاطر
منه، فناداه أصحابه أنها جنازة يهودي يا رسول الله فردَّ عليهم رد مُعلِّمٍ مسؤول
وقائد متمرِّس ومُربٍّ حكيم: أو ليست نفسا؟!، فوقف الجميع معه وقد تضلّعوا درساً
إنسانياً سامياً ممن وصفته عائشة بأنه قُرآن يمشي على الأرض، ومشهد آخر ترويه
المصادر والمراجع أن نبي هذه الأمة عاد ذات يومٍ يهوديا في مرضه وكان الأخير إبان
صحته يرمي الأوساخ أمام بيت رسول الله فما كان لتصرف الرسول ذاك إلا سبباً في
إشهار إسلامه بعد حين، وتتواتر كُتب التأريخ والسِّير لتحكي لنا مَلكات النَّفس
الطَّيبة والروح الإنسانية المُطمئنة التي جُبلت في سلوكيات رسول هذه الأمة كترجمة
حقيقة لبساطة الدين الإسلامي وسلوكياته المُجرَّدة بعيداً عن التزلُّفِ والتدليس
والتشوّهات الفِكرية والعَقدية التي ما أنزل الله بها من سُلطان، حيث يُروى أن
محمداً عليه الصلاة والسلام كان علامة فارقة في حياة أعرابي كاد يدخل النار؛ إذ
أتى الأخير فدخل مسجد الرسول فتبوَّل فهمَّ الصحابة لجزِّ عنقه فاستلهمهم مُعلِّم
البشرية بالصبر والتؤدة، حتى إذا ما فرغ جذبه بخِفّة وسكينة وبدا يُجاذبه عِشق
الحديث بأن هذه بيوت العبادة فلا يجوز تعكيرُها بما يخدش نقاؤها بالنجاسة وما
شاكلها؛ فاستطرب الأعرابي هذا الخُلق النَّبيل واستعطر بروحانيات الإسلام الكريم
فأشهر انصياعه لله وحده وآمن برسالة نبيه الشريفة.
تلك بعضا
مما تعلمناه عن تاريخ نبي الرحمة وقد تغنّى بها بين جنبات بيوت الله ثُلّة من
الواعظين ممن تتقاطر عليهم شآبيب التقوى والدعوة والحكمة، وأكاد أُجزم –عزيزي
القارئ- أن مجتمعاتنا العربية الشرقية منها والغربية تولي مكانة سامية لرجال الدين
وبالأخص ممن يتفيؤون مقاعد الفتوى والدعوة إلى الله، وذلك أمرٌ حميد في وقتٍ نجد
أن بعض رجالات الدولة في بعض الدول العربية والدول الأوروبية تجعلهم حُطاماً يتزوَّدون
بهم في المناسبات الدينية فحسب دون أن يكون لهم اليد الطُولى في تهذيب سلوكيات
المجتمع وتعاملات المؤسسات الرسمية والأهلية والمضاربة بالأفكار والرؤى والاتجاهات
العالمية المحيطة بالوطن، لكن من المؤسف جدا أن يتشبَّث بعضا ممن أودعتهم شعوبنا
العربية ثقتها للتنوير والتبصير وتقديم ما يخدم الصالح العام إلى براثن الفكر ومُستنقعات
التعصُّب والتحزُّب والحميَّة الجاهلة، كيف للمواطن العربي أن يتشرَّب مفاهيم
المواطنة وحقوق الآخرين وهو يُسمِّم فكره ويشحذُ قلبه بالتحزّب والتمذهب والانتماء
للخارج؟!، ما هو المنطق الذي يمكن أن نستوحيه حينما يعتلى على المنبر وأمام فلول
المسلمين رجل سُنيّ كريم اكتسى ثقة مواطنيه وآخرين من خارج الدولة وهو يصدح بخطبته
العصماء أمام الملاء أن نفراً من الجنِّ قالوا له أن أنجس الفِرق عندهم كما قالها
بالحرف الواحد (الروافض)!؟، وما هو المنطق الذي يمكن أن نُفسِّر من خلاله بعض
الفتاوى التي تصدرها بعض المرجعيات الشيعية التي ترى أن العراق يشهد (احتلالاً) سُنيّاً
كافراً سافراً يتطلَّب من الشيعة الزفير والنفير والجهاد للذَّودِ عن حياض الأمَّة!؟،
وما هو المنطق الذي يُمكن أن نحلل به واقع ما حصل ويحصل في الجزائر من خلال تدنيس
مُقدَّسات وبيوت الإباضية لدعوى أو فتوى (مراهقة) أطلقها بعض أصحاب اللَّحى الذين
نعوَّل عليهم صلاح شبابنا وأمتنا؟!.
ولذا شهدنا مراراً وتكراراً مذابح وحشية تنفر
منها النفس البشرية في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والجزائر وغيرها الكثير؛ وكلها
تستند إلى مرجعيات وفتاوى تعود وبالاً على الأمَّة ودعوات تحريضية نتنة تُمزَّق
أوصال المجتمعات العربية والإسلامية، فهل من الإسلام في شيء أن يُنشر على صفحات
التواصل الاجتماعي والإنترنت مقطع فيديو يُظهر مجموعة من الشباب وقد زيَّنوا
الخلفية بعبارة "لا إله إلا الله محمدا رسول الله" ويتسمَّون باسم
المذهب الفُلاني أو فصيل إسلامي ما وبعد تلاوة البيان يستل أحدهم سكيناً فيقطع رأس
مُخالفه في المذهب أو يُمطره بوابلٍ من الرصاص، وتعليقاً على هذا المشهد وجدت شخصاً
قد نشر مقطع فيديو مُحزن ومُقزز يوضَّح كيف يستحلُّ المسلم دم أخيه وعقَّب بعد ذلك
بقوله: "حاشا لله ما هذه الوحشية ضد الإنسانية... أتمنى أن الكفر ولا الإسلام
إذا كانت كذا الحالة "، ولكم التعليق على ماقاله.
حديث
هذا المقال لا يتقصّد المعتدلين من الأمَّة الذين هم نور ساطع يُشرقون الوجود
بتلابيب الخُلق النبيل والتعامل الإنساني السامي بهذا الدين البسيط، لكن من الواجب
أن يقف الشعب العربي وعلى رأسه المؤسسات الرسمية وقفة جادة ومسؤولة لتنظيم العمل
الدعوي وتهذيب بعض الأقلام وتأديب بعضها بما يتلاءم وسماحة الدين ويخدم مصالح
الوطن ويحفظ أمنه واستقراره، ليس بالضرورة أن يكون النظام السياسي علماني أو
دكتاتوري أو إسلاموي صِرفاً، فالأهم من ذلك أن ينعم الوطن والمواطن بسؤدد الحياة
الكريمة ورخاء العيش الرغيد، وأما إن ظل الحبلُ على الغارب وجُعِل بعض ربابنة
الفتنة يمخرون بسفينة الوطن عُباب البحر فإنها ستغرقُ لا مُحالة، وقد تُولّد مثل
تلك الأفكار المسمومة والتوجهات المذهبية المتعصبة بعد ردحٍ من الزمن أجيالاً لا
تؤمن بالوطن وقُدسيتَّه بقدر ما أنها تؤمن بالولاء للشيخ أو المرجعية أو الحزب أو ما
أكل السبع.
وفي
الختام.. كلمة أخيرة أوجِّهُها لبعض رجال الدين الذين يحملون شُعلة
الدَّعوة والنصيحة بأن يدعوا الناس نحو بساطة هذا الدين، وأن يجعلوا ترِكَات التأريخ
الأليمة منذ الشِقاقِ بين علي – كرم الله وجهه- ومعاوية – رضي الله عنه- لله وحده
فهو الحَكمُ والفصل فيما جرى، فارفقوا بأُمَّتكم وأعلموا أن الله حسيبٌ عليكم،
وأما أولئك الذين قطعوا على أنفسهم عهداً بتدمير الأُمَّة وتمزيق شملها وتجمَّلُوا
باللِّحى وبعض (الديباجيات) التي تكشف ظواهر التقوى وتُخفي بواطن الحقد والغلُّو فثقوا
أن الله غالبٌ على أمره وسيكشف الله أمراً كان مستوراً... فسُحقاً لكم بِملءِ جِراحات
هذه الأُمَّة التي أثخنتموها.. وسُحقاً لكم بِملءِ دماء أبنائها الزكيَّة التي أسفكتموها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق