في لحظة وجن هادئة .. وبينما كنت أقلّب صفحات ذاكرتي
البالية.. وفي خضم انغماسي في تيار التراث العُماني الماجد...استرقت عيناي قصاصة
صغيرة دوّن فيها قول أحمد زويل عالم الكيمياء المصري ذو الجنسية الأمريكية والحائز
على جائزة نوبل في الكيمياء لعام (1999) قوله " الأمريكان ليسوا أذكياء أكثر
منا، لكنهم يقفون خلف الفاشل حتى ينجح، وفي مصر نقف خلف الناجح حتى يفشل"...
كلمات تضع النقاط على حروف طالما ظلت هائمة على وجهها في خضم ازدواجية المعايير،
والمتتبع لأمجاد الأمم والحضارات يقرأ بين صفحات تاريخها الخالدة شواهد حاضرة تروي
ملحمة العظمة والكبرياء التي كانت تتمتع بها، فما نراه في إسبانيا الجديدة من
حواضر ومعالم إسلامية عظيمة يؤرخ في جبين الزمن العمق العربي الإسلامي الممتد طوال
ثمانية قرون (711م – 1942م)، كما لا يخفى على ذو بصيرة شواهد سورية والعراق ومصر
إبان توالي الخلافات الإسلامية على التوالي الأموية، فالعباسية، فالفاطمية، وما
تلا ذلك من أمجاد الحضارات الإنسانية في بلاد المشرق والمغرب العربي، وبالاتجاه
نحو الامبراطورية البرتغالية والتي تعد من أعظم الحضارات الاستعمارية؛ حيث امتدت
سيطرتها منذ العام (1415م) في احتلال سبتة
المغربية وانتهاء بتسليم ماكو الصينية في العام (1999م) أي بامتداد (600) عام
تقريبا كانت الامبراطورية البرتغالية تقدم لنا مواقف حضارية ومعالم أثرية شاهدة
على العمق التاريخي والإنساني لأمتها العظيمة آنذاك.
وفي الجزيرة العربية تشير دلالات المؤرخين والكتّاب
والمحللين إلى الدور الكبير للحضارة العمانية والتي ينعتها المؤرخون
بــــ(الإمبراطورية العمانية)، وتؤكد الشواهد التاريخية المادية والمعنوية إلى
العمق الحضاري للإنسان العماني سواء في الخليج العربي في كونهم ربّان البحر بلا
منازع فاستعان بهم كبراء القوم في الجزيرة العربية، أو من خلال ما قدموه من نموذج
حضاري رائد في القطر الجنوبي الشرقي للقارة الأفريقية بزنجبار، لتضرب عُمان بذلك
موعدا خالدا في بناء هوية الإنسان العماني
المسلم العربي في الداخل والخارج، وامتد ذلك المجد التليد زهاء ثلاثة قرون ونيف من
الزمن، لتشهد حواضر ممباسا، وزنجبار، وكلوة العمق العماني العربي في الثقافة
والعمران والاقتصاد والسياسة.
وفي الآونة الأخيرة برزت على الساحة قضية التاريخ
والتراث العماني المجيد، والخطر من اقتطاف أوراقه، ووأد حقائقه، وسرقة معالمه سواء
من دول الجوار أو دول بعيدة، كما تفرّدت الكثير من القنوات الإذاعية والتلفزيونية
المحلية في تخصيص حلقات وندوات معنية بقراءة ما وراء تصرفات بعض الدول نحو الموروث
الحضاري العماني المادي بشكل عام والمعنوي بشكل خاص، كما تواترت مقالات الكثير من
الكتّاب والأدباء والمحللين في رسم سيناريوهات متباينة حول حيثيات هذه المواقف
والتصرفات التي يرون أنها تخدش في بهاء التاريخ العُماني وتنتقص من جمال تراثه
البرّاق، فكانت باكورة تلك المناوشات والمناقشات الإعلان عن إنشاء قناة عُمانية
مختصة "بالتراث" الوطني!!، وكأن لسان الحال يقول: " تمخّض الجمل
فولد لنا فأرا"!!، وهنا استحضر قول المصلح الكاثوليكي مارتن لوثر حينما قال
لأقرانه: " لا أحد يستطيع ركوب ظهرك إلا أذ انحنيت"!!.
إن العمق التاريخي العماني وما أفرزه من آثار مادية أو
معنوية لا تتطلب منا أن نلقّنه عواطف المواطنين باسم الحضارة والأمة العمانية التي
خلت بقدر ما أننا بحاجة ماسة إلى مسؤولين ومعنيين يؤمنون بضرورة أن تكتسب أجيال
الأمة العمانية ماهية هذا التراث ودلالته، فينجلي في اعتزاز حقيقي بتاريخه ووطنيه
وهويته، تؤسس على ضوئها جسورا متينة في رسم معالم الوطن ووضع استراتيجيات حقيقة
لانتشاله من غيبوبة التمجيد والتصفيق إلى واقعية الاستفادة منه في بناء الشخصية
العمانية الرزينة، وبناء مؤسسات لها استراتيجيات وطنية في المحافظة عليه
والاستفادة منه اقتصاديا، وسياحيا، وثقافيا، فلسنا بحاجة أن تلمّع صورة التراث
العماني من أجل أن يصفق سعادة الوزير أو المسؤول أو الزائر عن هذا الإرث ثم ينجلي
كل ذلك بين غمضة عين وانتباهتها!!، نحن لسنا بحاجة أن يغرّد إعلامنا خراج السرب بعيدا
عن حواضر تاريخية وتراثية كبيرة في الوطن وما إن إسترق البعض جزء منه تقوم القيامة
وتتوار أسراب البرامج والحلقات تتحدث عما اقتطف من تراثنا، فتثار الزوبعات التي
تضرب في عمقنا الخليجي ثم يستكين كل شيء وكأن أمرا لم يكن!!، نحن لسنا بحاجة إلى
أن تلّقن مؤسساتنا جيل الوطن حقائق التراث في كتب الدراسات الاجتماعية في المدارس،
قوامها الصورة البالية والسرد العقيم للوجود العماني في زنجبار أو اللقيات الأثرية
على امتداد الوطن من مسندم وحتى ظفار.
يقول الإمام الغزالي:" الناس نيام فإذا ماتوا
انتبهوا" ويقول جبران خليل جبران: " لا تجعل ثيابك أغلى شيء فيك حتى لا
تجد نفسك يوما أرخص مما ترتدي"، نحن بحاجة إلى منظومة جديدة تتبنى
استراتيجيات وطنية مسؤولة ليس للحفاظ على التراث العماني بين أروقة وزارة التراث أو
المؤسسات المعنية بالتراث فحسب بل في كل زاوية يقطن فيها أي مواطن أو مقيم، تتولّد
فيه ماهية التراث الوطني بكل ما تحمله هذه الكلمة من شواهد ومعان، فالتاريخ
العماني ضارب في القدم فليس من المعيب أن تتبنى المؤسسات الإعلامية وبدعم حكومي أو
القطاع الخاص أو المعنيون بالتاريخ والتراث العماني في إنتاج أفلام تاريخية تستحضر
عبق الماضي المشرق بلغة عصرية جاذبة تستحضر الفنون العمانية، والحواضر التاريخية،
والرسائل الوطنية المُراد تحقيقها، وتدحض فجور القول والإفتراء عن تاريخ هذه الأمة
من المغلظين والمتربصين؛ فعمان تمتلك أرضية خصبة في صناعة مثل هذه الأفلام
التاريخية بما تتمتّع به من رصيد كبير في المعالم الأثرية والتاريخية، والفنون
الشعبية المتنوعة، والبيئة الجغرافية المتباينة، ورؤوس الأموال السخية، ولنا تجربة
جيدة في العمل الدرامي التاريخي الكبير
الذي حمل عنوان "عُمان عبر التاريخ"، لكننا بحاجة إلى مختصين
ومتخصصين في تبني هذا المشروع الوطني الذي يمكن من خلاله تحقيق غايات منسجمة تتنوع
فيها المشارب الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتراثية، ولنا في الأفلام
التاريخية السورية خير شاهد في نقل المواقف بحرفية وإبداع ونشر ثقافة السياحة
التاريخية والطبيعية كأفلام: الزير سالم، والحجاج، وملوك الطوائف، وأبو زيد
الهلالي، والكواسر، وإخوة التراب وغيرها الكثير.
وفي الختام... إن التراث العماني ليس بحاجة إلى قناة
تنقل نماذجه بل بحاجة إلى قناعة تنقل ماهيته وحقائقه، بحاجة إلى مسؤول يتبنى
استراتيجية توطينه في قلوب وعقول المواطنين لا التغنّي به ثم يذهب أدراج الرياح...
نحن بحاجة إلى منظومة وطنية تعيد برمجة التراث الوطني لا مؤسسات تتسمّى بالتراث
دون أن نرى انتاجها الدرامي أو الإعلامي، وحتى يرى تراثنا نور الاهتمام سنرقب كل
يوم مزاد للآخرين يستعرضه بثمن بخس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق