الثلاثاء، 26 مايو 2015

عَظَّمَ اللهُ أَجرَكِ يَا قَارِح


ما أصعبَ تِلكَ اللحظات المُفجِعة التي تسرقُ سُهادَ الطُمأنينَة والهدوءِ من براءةِ الطُفولةِ وقُلُوبِ فتيةٍ لم يتجاوزا العشرين ربيعاً، وما أثقلَ ذلك الحِملُ الذي يُلقيهِ القدرُ على أفئدةٍ وَجِلةٍ عذراءَ لا تفقهُ من مَملكةِ الموت وفلسفتها أيَّ قساوةٍ ولا غِلظَة، بين غمضةِ عينٍ وانتِباهتِها يتبدَّلُ الفرحُ ترحاً وكمداً، ويذبلُ سِحرُ الجمالِ والبهاءِ ليشتعل رأسُ الوِلدانِ شيباً؛ فيُسدِلُ على نعومة السعادةِ أطناناً من الشُحب والبُؤس المريرِ، ها هو قلمي المكسور اليوم يروي لكم مسيرة أسبوعٍ مُنصرمٍ توشَّح على العبادِ حُزناً وأسىً، فأَسدلَ على حَيِّنَا (حارتنا) أنهاراً دفَّاقةً من البُكاء والعويل، فلا لا عزاء لحارتنا وسُكَّانها الطيبون إلا الإيمان الصادق بحقِ قضى الله وقدره.

 كُلَ صباحٍ ومساءٍ تطوي أقدام الأطفال والرجال الطريق نحو المسجد لتظفر بثوابِ صلاةِ الجماعة وهم يصطفُّون أمام ملكوت الإله الأعظم يرتجون عفوه ويخشون عذابه، فمنهم من تهادى على جنبيه ليُلقي بقايا جسد مُتهالكٍ على كُرسي طالما أشتكى من ثقل جالسه، وآخر قد توشَّح الخشوع والخضوع ليُصلي ركعتين وقد أسدل على لحيته الوضَّاءة قطرات من بقايا وضوء طاهر، وآخر تسلسل بين سبَّابته وخنصرهِ مِسبحة مَكِّية وبدأ يُهلِلُ ويُكبِّرُ يرتجي خير الجزاء من ذكره للباقيات الصالحات، وهناك في الزاوية البعيدة ثُلَّةٌ من الأطفال يُثيرونَ شقاوةً وضجيجاً طالما يثيرونَ بذلك غضب الشايب (عبدالله) فيكيلُ عليهم وابلاً من التهديد والوعيد المعسول، حتى إذا ما حان وقت الصلاة تقدَّم الإمامُ وبدا الجميع خاضعين خاشعين يُشنِّفُونَ آذانهم لآيات الكتاب العظيم.

 وما إن انقضت الصلاة حتى تواترت على هواتف المصلين واحدا تلو الآخر أن أحداً من سُكَّانِ الحَيِّ الذين يَشهدُ لهم الجميع بِطِيبَتِهِ وحُسنِ خُلقهِ وحُبِّهِ للناس قد أصابهُ مكروهٌ في حادثٍ مروريٍ بمركزِ الولاية، تعالت أصواتُ المحبين له بأن يحفظهُ الله ومن معه من شرِّ كوارثِ الحوادث التي طالما أثقلت كاهلَ الأُسرِ بالحُزن والألمِ والسهرِ والفجيعةِ، لكنها لحظاتٌ مُوحشة ومُخيفة نزلت بصاحبنا وبالحَيِّ كُله وما أعظمها من كارثة قصمت ظُهورِنا بالأسى والفاجعة، تَوحَّدت قُلوب أبناء الحيِّ رجال ونساء في مُصابها الجلل ودعوا الباري أن تكون العواقب سليمة، لحظات وأضحت جميعُ بروفايلات الواتساب للسُكَّان تحملُ جُملة قصيرة توحي بُحزنٍ وحُرقةٍ عميقة "عَظَّمَ اللهُ أجركِ يَا قَارِحُ" – وهو اسم الحي الذي يقطنه المنكوب-، فما الذي حصل حتى تفيض تلك الجُملة بأشجانٍ مجروحة عميقة لدى الجميع ؟!.

 كانت الصاعقة حيث لا يرحمُ القدر، مَشهدٌ يُدمِي القلب، ويُسمِلُ العيون من البُكاء، ليلةٌ ثقيلةٌ عاشتها حارتُنا ولا زال يتجرَّعُ ألمها ومُصابها الوَخِيم، شاء الله أن يقتنص الموتُ أَعَزُّ ثلاثةٍ مِن البشرِ الذين أوصى بهُنَّ النَّبيُ الكريم، فكانت الأولى هي (الأُم) حيثُ مفاتيحُ الجنةِ تحت قدميها، لطالما كانت هذه المرأة محبوبةُ الجميعِ؛ لعفويتِها وصفاءِ قلبها ونقاء سرِيرتها، فتجدها تمرُّ على أغلبِ بيوت الحيِّ لتُسلِّم على نساءٍ أثقل بعضها المرضُ، وأخرى رُزِقت بمولودةٍ، وثالثة لتُساعِدُها في الحِياكةِ، ورابعة لتتجاذبَ معها أطايبَ القولِ كما يُنتقى أطايبُ التمرِ، وخامسة هي صديقةُ عُمرِها وصندوق أسرارها، فلا تجدُ في وجهها طفلٌ إلا أهدتُه شيئاً من البيساتِ وهي تبتسم وتحثُّهُ للهرع نحو (الدُّكانِ)، لم تشكوا يوماً لأحدٍ ما يُثقلُ صدَرها من همومِ الحياةِ وسوء أمزِجة الناس وما يجرُّونه عليها من جِراحاتٍ مُوجعةٍ في كثيرٍ من الأحيان؛ لأنها بسيطةٌ في حياتها فلا تجدُ في قلبها مُتسعٌ للحقدِ والكذبِ والدَّجلِ فهي لا ترتجي إلا رضى ربها، أما الفجيعة الثانية فكانت (الزوجة) ونيسةُ الحياة وشريكة العُمر وأمُّ العيال، والفجيعةُ الثالثة فكانت (البنتُ) والتي أوصى النبي الكريم في كثيرٍ من المواقف أن من أحسنَ تربيتِها جعلها الله شفيعة لوالديها يوم القيامة، فرحلت الجدة والأم والبنت بين غمضة عينٍ وانتباهتها..

 ما أثقل وقعها ليلة الجُمعةِ المُنصَرِمة على (قَارِحٍ) وهي تُسجِّي ثلاثُ نساءٍ طاهراتٍ من خِيرةِ نِسائِها إلى مثواهُنَّ الأخيرِ في مشهدٍ لا يُمكن لقلمٍ مفجوعِ كقلمي المتهالكِ أن يصف الواقعة ويُجسِّد المصيبة الجلل، فكم يتقطع قلبك شفقةً وحُزناً على الأبناء وهم في مجلس العزاء وأكبرهم لا يتجاوز العشرين ربيعاً يودِّع جدته وأمه وأخته في مجزرة الحوادث المرورية، لكنَّها حِكمتُ اللهِ ونفاذُ قضائِهِ ولا راد أو اعتراض على أمر الله.

رحمهنَّ الله وأدخلهُنَّ فسيح جنَّاتِهِ وجعل مثواهنَّ الجنَّة، ونسأل الله أن يُعافي المُصابين الأخرين ويُلهمهُم الصبر والسلوان، وعَظَّمَ اللهُ أَجرَكِ يَا قَارِح الجرِيحَة.

إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق