الثلاثاء، 26 مايو 2015

لذلك لا نثق بإيران!


ما يحدثُ اليوم في اليمن هو شجاعةٌ كبيرةٌ، وإرادةُ شعبٍ حُرِّ يسعى لتحقيق النصرِ المؤزَّر الباهر" عبارةٌ أطلق عنانُها الرئيس الإيراني "حسن روحاني" في ظل الاحتقان السياسي والتطورات الميدانية المُخيفة التي تشهدها الساحة اليمنية، وفي حديثٍ آخر "لرضا زاكاني" العضو البرلماني الإيراني لمدينة طهران يرى أن بلاده قد استطاعت أن تُصدِّر النموذج الثوري الإيراني لأربع دول عربية بعدما كانت تعيش بين كفي عفريت من (الاستبداد والظُلم) وهي: العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن بل أكثر من ذلك فقد أشار "زاكاني" بأن النموذج الثوري الذي يشهده اليمن (بصولجان) الحوثيين لن يقتصر على اليمن فحسب بل ستصل (أنوارهُ)  داخل الأراضي السعودية، كما أن الأراضي الحدودية الشاسعة بين اليمن والسعودية يمكنها احتضان هذا النموذج وتربيته ليزلزل بعد حينٍ العمق السعودي الوهابي التكفيري –حسب تعبيره، وفي مرحلة سابقة فقد أوضح قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري أن إيران على استعداد فوري للدخول في حرب شاملة مع الدول العربية المُعادية للثورة الإسلامية في إشارة إلى المملكة العربية السعودية وحُلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي كالإمارات والبحرين.

 

من خلال المُعطيات السابقة التي تجلَّت في نشوة النصر على ألسنة مسؤولين بمستوى رفيعٍ  في الجمهورية الإسلامية الإيرانية متمثلة برئيس الجمهورية، وقائد الحرس الثوري، وعضو بارز في البرلمان تُعطينا مؤشرات حقيقة ومُخيفة في نفس الوقت لخطر تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة والذي كانت تنادي بخطورته مجموعة من الدول العربية بأنه قد يكون بعد حين بمثابة الضربة التي تطحن العمق الاستراتيجي للمنطقة لتحقيق مصالح إقليمية لها حسابات وتصوّرات (استعمارية) لبسط النفوذ السياسي والاقتصادي، وخلق واقع يُعيد للذاكرة مشاهد الاقتتال الإسلامي الذي انجلى منذ قرونٍ خلت إبَّان الصراع العربي- الفارسي في ظل تعاقب الخلافة بين الأمويين والعباسيين وما تلا بعد ذلك من حقب تاريخية يندى لها الجبين؛ بسبب الاقتتال بين أبناء الأمة الإسلامية والذي كانت تُغذِّية منابع المذهبية والطائفية دون أن نتجاهل الدافع القومي والذي كان مُحركا رئيسياً لكثير من تلك الصراعات.

 

يبدوا أن نشوة النصر للحوثيين التي بدأت تلوح طلائعها في الأفق من خلال اكتساحهم لمؤسسات الدولة والأحياء السكنية وسقوط المدن في أياديهم واحدة تلو الأخرى في ظل اغتصابهم لبنود الاتفاق الذي أبرموه مع رئيس الدولة "عبدربه منصور هادي" بالسماح لهم في تنظيم مظاهرات سلمية مطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية كحق ديمقراطي كفله لهم الدستور دون إقحام المظاهر المسلحة فيها، إلا أن هذا الانقلاب المُتسرّطن عكس ضبابية صورة المشهد اليمني كما دفع بكثيرٍ من المراقبين للتساؤل عن ماهية غياب الدور الخليجي والعربي قبل انزلاق اليمن في مستنقعات الحرب الأهلية؟، وما هو الحجم الحقيقي للتدخل الإيراني في السيادة اليمنية في ضوء التصريحات التي تبُعثر هنا وهناك من مسؤولين إيرانيين جهارا نهارا تتحدث عن دعم لامحدود (للثورة) الحوثية في سبيل تحقيق (الشرعية) الديمقراطية للشعب اليمني؟، كما دفعت المواطن العربي للتساؤل عن دوافع ازدواجية المعايير واللغط في المفاهيم بين تسمية إيران النظام المصري الحالي (بالإنقلاب) بينما الفوضى التي التي تجتاح اليمن بفعل الحوثيين (بالثورة)؟، كما دفعت المواطن الخليجي بالدرجة الأولى والعربي بالدرجة الثانية بالرجوع للمربع الأول في قراءة الموقف الإيراني نحو دول مجلس التعاون الخليجي هل هي مبنية على علاقة مصالح استراتيجية لخدمة شعوب المنطقة أم أنها تنطلق من أرضية هشَّة قوامها المذهبية والقومية التي ستدفع بالمنطقة وشعوبها نحو ظلمات بعضها فوق بعض؟.

 

 قد لا يختلف اثنان أن إيران تمثل قُوة ضاربة في عمق التاريخ سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، كما أنها على درجة كبيرةٍ من الأهمية في تحقيق التوازن الأمني والازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي بالمنطقة، علاوة على أنه لا يمكن تجاهل دورها كلاعب رئيسي ورقمٌ صعب ومؤثر في المشهد العراقي واللبناني والسوري واليمني والبحريني، ويمكن التمعن في حيثيات ومقاصد ما وراء تصريح النائب البرلماني حينما ذكر بأن إيران استطاعت أن تصدر (النموذج) الثوري الايراني لدمشق وصنعاء وبيروت وبغداد؛ فالمتتبع لإحداثيات تلك التصريحات والمواقف الميدانية من خلال التغلغل الإيراني في المستنقع السوري والسيطرة على زمام القيادة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لإدارة حرب (الإستنزاف) ضد الشعب السوري، وزجِّ حزب الله في أتون هذه المعمعة يثير للمواطن العربي شكوك كثيرة تحجب ثقته بحسن النوايا فلا يرى في ذلك إلا تكريس (للتَّقية) الإيراني المعهودة، كما أن (ابتلاع) أجهزة استخبارات الحرس الثوري الإيراني لأغلب أرض العراق وإذكاء روح القتل بالمذهب كل ذلك يُعزِّز شكوك المواطن العربي نحو أهدافها في المنطقة، أظف إلى ذلك القلاقل التي يثيرها حزب الله والذي يرى من نفسه دولة شبه مستقلة (يحتلّ) الجنوب اللبناني فيجرُّ البلاد إلى مزالق ومغامرات تجذب فوهات القتل والتدمير الصهيونية لتدُكَّ البُنية التحتية المهترئة أصلاً في لبنان والذي ما فتئ ينتهي من أزمة سياسية حتى تطفوا على السطح أزمات أخرى، فولوج الحزب في معمعة الحرب الضروس التي تطحن الشعب السوري يجعل من لبنان قنبلة موقوتة للانتقام وتصفية الحسابات وصناعة حروب لا يقوى عليها وأمام كل ذلك نجد دعماً سخيّاً من الإيرانيين لحزب الله ومغامرته التي تنتهك قُدسيّة الوطن فتبيعها باسم الولاء المذهبي، فكل تلك التصرّفات تدفع المواطن العربي للتساؤل لماذا يتهمنا الايرانيون بأننا لا نُحسن النوايا بهم؟، وحينما تسعى إيران لضرب العمق البحريني وزعزعة أمنه واستقراره وتغرير الشباب البحريني من الطائفة الشيعية بالاعتصامات والعصيان المدني ضاربة عرض الحائط خطورة زعزعة الأمن الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي ومستصغرة الموقف السعودي الذي لا يرضى أي تدخل إيراني سياسي أو عسكري في البيت الخليجي، علاوة على جعل أحد أذنيها من طين والأخرى من عجين حول موقف الحياد العُماني المتزن في إمكانية حل القضايا العالقة بينها ودول المجلس، فكيف للمواطن الخليجي أن يولي ثقته بجيرانه فالضفة الشمالية من الخليج العربي؟، وفي اليمن من مرة أخرى نجده يأنُّ تحت وطأة الانقسامات الداخلية وبوادر الحرب الأهلية التي إن وقع فيها رجالات السياسية بالبلاد  فإنها بذلك ستُحرق الأخضر واليابس وسيكون الشعب اليمني الخاسر الأكبر فيها، وفي معمعة الاحتقان السياسي والتطورات الميدانية المتسارعة كان المواطن اليمني يُمنِّي النفس ويترقب تدخلاً حكيماً و(مسؤولاً) لإيران من خلال الضغط على حلفائها من الحوثيين لإنجاح العملية الديمقراطية في البلاد بعد انتخاب رئيس وبرلمان منتخبين ووضع الخطوات الأولى في منظومة بناء المؤسسات الديمقراطية بعدما كان الفساد ينخر جوانبها بصورة (مترهلة)، لكن فوجئ المواطن اليمني أن الواقع عكس ذلك تماماً فوجد أن بلاده -وبإيعاز من إيران في دعمها المستميت للحوثيين- تتقهقر للمربع الأول ربما تمهيداً للعودة نحو الانقسام والانفصال قبل الوحدة اليمنية (1990م) وقد بدأت بالفعل تتواتر بعض الدعوات لتأسيس يمنٍ كونفدرالي يُقسَّم حسب القبيلة والمذهب.

 

إن الواقع الحالي جعل المواطن العربي يتلمَّس حقيقة ما كان يُعتبرهُ قبيل حينٍ أنه اتهام باطل وغير مُبررٍ من بعض دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت ترى أن ايران تمتلك رصيداً كافياً من العِداء والأطماع في المنطقة منذ انتهاء حرب الخليج الأولى أو ما عُرف بحرب الاستنزاف بينها وبين العراق الذي كانت تدعمه دول المجلس لثمان سنوات عِجاف (1980-1988م)، كان المواطن العربي يعتبرُ أن الاتهامات المُتكررة من السعودية –على وجه الخصوص- وباقي دول المجلس دون سلطنة عمان تجاه إيران ماهي إلا ضربٌ من الشحن العاطفي تُحركه النوازع المذهبية لاجتياح المنطقة سياسياً وفكرياً واقتصادياً واستراتيجياً، إلا أن الشواهد التي تتوالى في المنطقة وأخرها في الساحة اليمينة تُعطي المواطن العربي مؤشرات توحي له بضرورة مراجعة حقيقة تلك الاتهامات وتقييم مستوى الثقة التي كان يلتحفها نحو إيران، فليس من صالح أحد أن تُغلَّب صغائر الأضغان على كبائر المصالح الوطنية والإقليمية.

وفي الختام.. نحن بحاجة ماسَّة لأن نجلب إيران للمربع الاستراتيجي الذي يحفظ كياننا ويحقق مصالحنا العُليا على أن تُبادلنا الأمر ذاته بمسؤولية وقناعة، نحن بحاجة لأن نُحدِّد مصالحنا وأهدافنا ونحفظ أمننا وخيراتنا فلسنا بحاجة لأن نستورد نماذج ثورية مقيتة عصفت بأوطانٍ عربيةٍ فأهلكت الحرث والنَّسل، نحن بحاجة إلى أن نصنع مناهج تربوية ثريَّة تُنمي في نفس المواطن العربي قُدسية المواطنة التي تقتل ديدان الاستهانة بالأوطان مقابل حُفنة انتماءات هُلامية قوامها المذهب أو العِرق أو التيارات السياسية والفكرية والحزبية المُراهقة، نحن بحاجة حقيقية لأن نُبادل ثقتنا لمن يبادلنا ذلك بالمِثل لا أن نُقدِّم تنازلات على طبقٍ من ذهب بحسن النوايا فنُغرِّد باسم خارب السرب بترُّهات العلاقات الحضارية والتاريخية لنشهد بعد حينٍ مُستنقعاً عراقياً أو سورياً أو يمنياً آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق