" نحنُ لا نستسلم.. نموت أو ننتصر" كلماتٌ وضَّاءةٌ
خالدةٌ في جبين التاريخ أطلقها لمجاهد العربي عمر المختار حينما ساومه عُبَّاد
المال بأن يعيش في أُبَّهة ونعماء مُقابل أن يتخلَّى عمَّا يرونه (هلوسات) مُراهقة
في قتاله ضد الاستعمار على بلاده، فخرج أبناء الصحراء بعد حين من الزمن ليحملوا
مِسك هذا المجاهد العظيم وبالتحديد في عام 1952م مُعلنين استقلال وطنهم من شراذمة المستعمرين،
وربما التاريخ يُعيد نفسه لكن هذه المرَّة في المشرق العربي، فحينما قُرعت طبول
الحرب الضروس على قطاع غزة المحاصرة منذ 2006م راهن الجميع على أنها مغامرة –غير محسوبة العواقب- وهم يعلمون علم اليقين
أن من بدأ العدوان هو الكيان الصهيوني وما ينطلق من القطاع من صواريخ –عذراء- ماهي
إلا ردة فعل طبيعية للدفاع عن النفس، وبعد أكثر من خمسين يوماً من القتال غير
المتكافئ إطلاقاً أفرزت هذه الحرب سيناريوهات ونتائج تستوجب الوقوف عندها بتمعنٍ نذكر بعضاً منها فيما يلي:
-
أظهر التباين العربي في التعاطي مع العدوان على غزة
للعالم مدى الشرخ العربي وترهل الدعوات الوحدوية في مناصرة قضايا الأمة الوطنية
والمصيرية؛ وذلك أعطى الكيان الصهيوني مبررا حقيقياً للاستمرار في رفع فاتورة
الشهداء بأعداد تجاوزت الألفين وهي مرشحة للازدياد، بل تمادت إسرائيل بالإعلان
صراحة عن تورط أنظمة عربية بعينها في هندسة وتمويل هذه الحرب؛ وذلك يعطينا مؤشر
حقيقي لمدى وهن المواقف العربية حول مناصرة قضاياها في المحافل الدولية.
-
شكل الموقف المصري علامة فارقة في مراحل تطور ملف
العدوان الصهيوني على غزة؛ فنجد أن المواطن الفلسطيني في المقام الأول والعربي في
المقام الثاني كان يجد من مِصر الدولة المناصرة لقضاياه في أي وساطة بين الفرقاء
أو في مواقف دولية مختلفة، لكن التشبّث بسياسة كسر العظم نحو حركة معينة أو حزب أو
فصيل بعينه مقابل الانصياع لمواقف سياسية يتبناها النظام المصري كانت صادمة لكثير
من الحركات الجهادية في المشهد الفلسطيني، وربما يؤكد ذلك عودة المبادة المصرية
للحياة من جديد بعدما تم الافصاح عن انهيار وشيك لها، إذ أن أغلب التقارير
الإعلامية والتصريحات السياسية كانت تشي بجزء كبير من التنازلات المصرية في
المبادرة في نسختها الثانية عما كانت في مسودتها الأولى.
- هناك من يرى أن
الخسائر البشرية والمادية التي جعلت من غزة مدينة أشباح معيارا للحكم على نتائج
الخاسر والمنتصر، وذلك معيار خاطئ فاليابان التي أرجمتها الطائرات الأمريكية
بقنابل ذرية لم يكن ذلك مبرر للاتكالية والخنوع بل نهضت كالعملاق من وسط الركام
لتتربع عرش الصناعة والتكنولوجيا العالمية، فما نراه في غزة هي نتيجة طبيعة جداً
في ظل مواجهة أعتى جيش عالمي وفق تقارير الأمم المتحدة، لذا فالمكسب الحقيقي أمام
رحى الحرب المنصرمة هو المكسب الاستراتيجي من خلال قدرة المقاومة في إيجاد توازن
الرعب والقوة الذي طالما كان يُرهب العرب طوال حروبهم التاريخية مع الصهاينة،
فاهتزاز صورة "الجيش الذي لا يُهزم" أصبحت كورقة التوت اليَبَس التي أضحت
من السهولة اللعب بها بعدما كانت حِكراً على الموساد الإسرائيلي ومؤسساته العسكرية
بمختلف قطاعاته وألويته المصنفة عالمياً.
لذلك يُمكن أن تصنف نتائج المفاوضات لوقف إطلاق النار
النهائي انتصارا حقيقيا للمقاومة في ظل الحصار الشديد صهيونياً وعربياً ودولياً وفي
ظل زُهد العدّة والعتاد لدى المقاومة، ولربما تبعات هذه الحرب قد تكشف لنا بعد حين
عن مواقف تدفعنا للتمعُّن وقراءة ما وراءها من مقاصد وغايات تنقل معها الملفات
والقضايا العربية إلى مستنقعات متشعبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق